لندن ـ ‘القدس العربي’: تعبر تصريحات رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبدالجليل عن واقع مقلق، وذلك عندما تحدث عن شبح الحرب الاهلية الذي بات يخيم على البلاد بسبب الفشل حتى الان في دمج الميليشات السابقة التي ساعدت في الاطاحة بالرئيس الليبي معمر في لحمة مؤسسات الدولة الجديدة. ومما يزيد من المخاوف هي مسودة قانون انتخابات المؤتمر الليبي التي صدرت عن المجلس حول المشاركة في الانتخابات القادمة نهاية العام الحالي ان بنودها العامة والغامضة اثارت المخاوف من تكرار سيناريو اجتثاث البعث في العراق الذي شرع تحت قيادة الحاكم المدني على العراق بول بريمر بعد الغزو عام 2003، خاصة ان التعليمات الواردة في المسودة تمنع من كانت له ‘علاقة’ بالنظام السابق من الترشح للانتخابات، والكلمة عامة ويمكن تفسيرها بأي طريقة خاصة ان الثورة تحارب من تقول ان دماءهم خضراء اي كانوا يدعمون الثورة الخضراء والكتاب الاخضر. ويرى نقاد التعليمات الجديدة استبعادا لقطاع واسع من المسؤولين والموظفين خاصة ان نظام التوظيف في دوائر الحكومة السابقة لم يكن ليتم الا بعد ان يدرس المتقدم للوظيفة مبادئ الكتاب الاخضر. كما ان عددا من المسؤولين في النظام الحالي كانوا اعضاء سابقين في النظام وبعضهم تولى مناصب عالية قبل ان ينشق على القذافي. وتترافق التعليمات الجديدة مع استمرار العنف الذي يتركز في العاصمة طرابلس والتي اصبحت ساحة لتنازع الميليشيات التي رفضت تسليم سلاحها. وتسيطر على العاصمة ميليشيات الزنتان ومصراتة اضافة للجيش الجديد الذي لا يملك عتادا يقارب عتاد هذه المجموعات المسلحة، وتخشى هذه الجماعات ان القت سلاحها الان وقبل ان يستقر الوضع السياسي في البلاد ان تخسر الكثير من المزايا التي تريد الحصول عليها. ويعاني سكان العاصمة من تواجد المسلحين وخلافاتهم والمعارك التي تندلع بينهم على مناطق السيطرة او قضايا اخرى مثل المعركة التي راح ضحيتها اربعة مقاتلين يوم الثلاثاء. ونقلت وكالات انباء عن احد سكان العاصمة قوله ‘ انها مثل الحرب الاهلية وهذا ما اخشاه’ كما نقلت وكالة اسوشيتد برس عنه. وفي فراغ السلطة الذي نشأ عن انهيار النظام السابق فان الحروب الصغيرة اصبحت معلما مهما في حياة الليبيين التي تتخذ احيانا شكلا جهويا، قبائليا، ايديولوجيا واحيانا بين حي وحي من احياء المدينة. ويتركز القتال بين الجماعات حول دورها في الاطاحة بنظام القذافي حيث ترى ميليشيات الزنتان ومصراتة انهما تستحقان نصيب الاسد لانهما تحملتا الكثير وقامتا بالعبء الاكبر، وكلاهما تشكان في دوافع المجلس الانتقالي الذين يريا ان اعضاءه قد فرضوا انفسهم على الواقع السياسي دونما اختيار ويمثلون مصالح مدينة بنغازي التي اندلعت فيها الثورة اولا. ويناقش كثير من المعلقين في ليبيا ممن يتحدثون على الفضائيات العربية ان المرحلة الانتقالية في كل ثورة عادة ما تتسم بالفوضى، قبل ان تستقر الامور ويقللون عادة من حجم المناوشات بين المسلحين، لكن فوضوية الحرية، على حد تعبير وزير الدفاع الامريكي السابق دونالد رمسفيلد بعد غزو العراق وان صحت في الظرف الليبي الا ان ما يخيف هنا عدم وجود قوى تعمل على الاستقرار، كالجيش الامريكي الذي حفظ مصالح الجماعات التي نصبها، مع انه لم يكن قادرا على منع اندلاع المقاومة. وفي الحالة الليبية اكتفى الناتو الذي قاد عملية الاطاحة بالقذافي بوقف عملياته. ومن اهم عناصر ضعف الدولة الجديدة ان قوات الثوار لم تشكل في يوم من الايام جيشا له قيادة مركزية تابعة للمجلس الانتقالي الذي اكتفى بلعب دور سياسي، وظل المقاتلون طوال مدة الثورة يتبعون اوامر قياداتهم المحلية. وادى هذا التشرذم في مرحلة ما بعد الثورة الى انتشار ممارسات وانتهاكات ارتكبها مقاتلون ضد المدن والقرى التي ظلت تدعم نظام القذافي حتى اللحظة الاخيرة حيث تعرضت هذه لحوادث انتقامية من مسلحين حسب مذكرة اعدها الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان في شهر تشرين الاول (اكتوبر) من العام الماضي. وعليه فان استمرار تهميش المجتمعات التي دعمت القذافي تظل تربة خصبة لظهور مقاومة ضد النظام الجديد، كما ان تنظيم القاعدة حسب تقارير وتصريحات مسؤولين غربيين تراقب الاحداث وتنتظر الفرصة كي تستفيد من الفراغ السياسي والامني. وبحسب مجلة ‘تايم’ فان ما يزيد الامر تعقيدا في الحالة الليبية هو غياب الاجماع السياسي والخلاف بين اعضاء النخبة الجديدة، ومن هنا فان استمرار الميليشيات حمل السلاح هي محاولة منها للتأثير على العملية السياسية مما يعني ان النزاعات القبلية والجهوية هي صراعات سياسية وتقاتل على المصادر والثروات في مرحلة ما بعد القذافي. ولهذا فان مسودة قانون انتخاب المؤتمر الليبي التي اصدرها المجلس الانتقالي تظل غامضة ليس من ناحية علاقة من سيترشح بالنظام السابق ولانها تجنبت الحديث عن عدد المقاعد المخصصة لكل منطقة. واهم ما تعانيه ليبيا الان ان القوى التي اطاحت بنظام القذافي والتي اعتمدت على الغرب تظل ضعيفة من الناحية الامنية وتواجه مشاكل في الشرعية خاصة المجلس الانتقالي.