سمير سعيفان رغم الثقة الواسعة بأن نظام الأسد زائل، فإن الأزمة السورية يلفها ضباب كثيف هذه الأيام، وتصبح الرؤية صعبة مع تعقد مسارها. فالجامعة العربية، التي كانت صارمة في البداية في تعاملها مع نظام الأسد، تحولت لتعطيه المهل ثم تتحول المبادرة العربية إلى بروتوكول للمراقبين الذين يحيطهم النظام بقيود عملية تعيق حركتهم ويبرع في تضليلهم بألاعيبه كي لا يروا سوى القليل. ولم يسمح نظام الأسد للإعلام العربي والدولي بدخول سورية، وبعثة المراقبين لم ولا تزور السجون السورية التي تضم نحو 35 ألف معتقل يتم تعذيبهم على نحو ممنهج رغم، أن المعارضة قدمت للمراقبين قوائم بأسماء بنحو 16 ألف معتقل حتى الآن. ولكن تبدو بعثة المراقبين العرب أنها لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم. ولكن نبيل العربي يتكلم ويعقد مؤتمراً صحفياً يقدم فيه شهادة حسن سلوك للنظام السوري الذي يبطش بشعبه، والمبادرة العربية تتحول إلى ما يشبه الفخ الذي سقطت فيه الأزمة السورية ويريد النظام أن يبقيها فيه طالما أن الجامعة تتعاون وتقدم طوق نجاة للنظام السوري لمدة شهرين على الأقل. ولكن البعض يقول أن تقرير المراقبين سيكون مفاجئاً وسيدين النظام السوري بقوة، وأن المراقبين رغم كل شيء جمعوا معلومات ووقائع وشهادات كافية، بل إن بعض التسريبات تقول أن تقرير المراقبين قد أصبح لدى الجامعة العربية، وهو يدين النظام بقوة، وسيعلن عنه يوم السبت، ولكن هذا القول ربما هو أقرب لنظرية المؤامرة.
الأتراك من جهتهم صامتون بعد ثرثرتهم الكثيرة وفعلهم القليل، فهم يريدون أن يكون النظام القادم نظاما إسلاميا على طريقة حزب العدالة، وأن لا يمنح الأكراد دوراً يذكر، والدور السعودي ضعيف وغير فاعل، ودور قطر الباحثة عن أدوار، يصبح غامضاً، وهي تدعم التيارات الإخوانية والإسلامية في بلدان الربيع العربي، وقطر من دفع بالجنرال السوداني ذي التاريخ الموغل في القمع والمطلوب لمحكمة جرائم الحرب ليتولى مهمة رئيس بعثة المراقبين. ولكن البعض يقول رغم ذلك: انتظروا موقفا حاسما من قطر ضد النظام السوري. وكأن في الأمر نوعا من الخدعة للنظام السوري، وهذا أمر غير اعتيادي.
الدور الأوروبي والأمريكي ثابت ويستهدف تشديد العقوبات ضد نظام الأسد، وينتظر خروج الملف السوري من يد الجامعة العربية، التي طلبت من الأوروبيين عدم اتخاذ أي إجراء بانتظار نتائج فريق المراقبين، ولكنهم يراقبون ما يجري باهتمام، ولكنهم ينتظرون الجامعة العربية كي ترفع الملف لمجلس الأمن. وروسيا والصين في مجلس الأمن مازالتا ترفضان إدانة نظام الأسد، والمجتمع الدولي غير ناضج بعد ٌلإصدار قرار بحماية المدنيين التي يطالب بها المتظاهرون بقوة لحمايتهم من بطش النظام.
الأسد حتى الآن يقول بأنه سيقاتل حتى آخر رجل ولن يسلم مهما كان الثمن، وهذا ما يصرح به في جلساته الخاصة، وهو ما صرح به لبعض الشخصيات اللبنانية أيضاً، وهو مطمئن لتحالفه مع إيران ولدعم العراق وتحالفه مع حزب الله كوسيلة لقلقلة الوضع في لبنان وعلى جبهة اسرائيل الشمالية، وقرر الاستمرار بحله الأمني كبديل وحيد لديه، وقرر أن يستــمر بقتل بين 20 30 شهيدا في اليوم وسطياً، فهو لا يريد التوقف عن القتل لأن الشوارع ستمتلئ حينها بملايين المتظاهرين فاضحين عدم شرعية نظامه، ولن يستطيع زيادة عدد الشهداء لأن هذا سيرفع من سخونة الموقف الدولي ضده ويحرج روسيا.
المجلس الوطني لم يستطع أن يرفع فاعليته وأداءه إلى مستوى الثوار على الأرض، ومازالت قوى معارضة واسعة تنتظر فتح الباب لها، وما زالت حسابات حزبية وشخصية ضيقة تربك أداءه، وأوروبا وأمريكا تشترطان، لتقديم دعم قوي للمجلس أن يتم توسيعه ليصبح أوسع تمثيلاً، وتعديل غلبة قوى الإسلام السياسي المختبئين خلف علمانية رئيس المجلس، ويقولون بصراحة انهم لن يدفعوا لتسليم سورية للإسلاميين، رغم أنهم لا يعارضون مشاركتهم في الحياة السياسة، وهم يريدون فتح المجلس وتوسيعه، ويدفعون لتقديم ضمان لحماية الأقليات في سورية ما بعد الأسد. والجامعة العربية هي الأخرى تضع شروطا تعجيزية أمام المجلس الوطني كي تقبل منه برنامجا للمرحلة الانتقالية ما بعد الأسد.
الطائفة العلوية، التي تنحدر منها النخبة الحاكمة وينحدر منها معظم ضباط الجيش والأمن، وجميع الضباط القياديين في الجيش والأمن تقريباً، خائفة ويشكل الوضع كابوسا بالنسبة لفئات واسعة منها، وهي في معظمها ليس لها مصلحة في الانتحار مع بشار الأسد، ولا تريد أن تدفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن مصالح آل الأسد ومخلوف وشاليش وبضع عائلات أخرى، وتتمنى الخروج من هذا المأزق، ولكن ينجح الأسد حتى الآن في تحويل خوفها للالتفاف حوله. كما استطاع الأسد تخويف المسيحيين.
الوضع الداخلي الاقتصادي والخدمي في سورية يتردى والأعمال تتوقف والبطالة ترتفع والفقر يزداد ويضيق عرض المواد الاستهلاكية ومازوت التدفئة والأدوية، وترتفع الأسعار ويهبط سعر صرف الليرة السورية بنحو 33′ مقارنة بفترة بداية التظاهر، ويتراجع مستوى الأمن، ورجال أعمال كثر يضطرون لمغادرة سورية أو للهرب عبر الحدود. ولكن جهاز الدولة ومؤسساتها مازالت متماسكة رغم ضعف أو غياب سلطة الدولة على مساحات واسعة من سورية، ولا يوجد انشقاقات في قيادات الدولة على غرار ليبيا، ويتوقع أن قدرة نظام الأسد على التماسك ستتراجع سريعاً رغم دعم إيران والعراق وحزب الله، ومازالت فئات غير قليلة مترددة أو تخشى المستقبل الغامض ويصعب عليها تحمل أو تصور آلام التخلص من الديكتاتورية المستفحلة لخمسة عقود. لكن ورغم الضبابية ورغم تعقيدات السياسة ومواقف الدول ورغم التضحيات ورغم الآلام، فالشارع السوري مصمم ويتظاهر بقوة في أكثر من 300 نقطة، وتدخل حلب على خط التظاهر وإن كان باستحياء، وقد اعتاد الثوار أن يضحوا بنحو 20 30 شهيد يومياً، ويرتفع الرقم في بعض الأيام ليصل الخمسين شهيداً، ولكن لا رجعة للوراء لما قبل آذار/مارس 2011 مهما كانت النتائج ومهما كان السبب، وتصبح هذه حقيقة بغض النظر عن الموقف منها.
ضمن هذا الضباب يبدو أن الأزمة السورية تتجه نحو أحد السيناريوهات الثلاث:
السيناريو اليمني: وهو ما يعمل عليه الروس، بحسب بعض التسريبات، ويتضمن تنحي بشار الأسد وتسلم نائبه الشرع وربما حسن تركماني لفترة انتقالية وتشكيل حكومة مشتركة بين السلطة والمعارضة بما ينهي حكم عائلة الأسد، ويفتح الطريق أمام انتقال سلمي لسورية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية ويفتح الصراع على السلطة لتستقر على نحو ما بحسب موازين القوى. سيناريو التدخل الدولي وهو السيناريو المرشح في حال عدم طرح المبادرة الروسية أو عدم القبول بها من قبل الأسد واستمراره في القتل، مما يدفع الروس للرضوخ للضغوط الغربية وقبول قرار من مجلس الأمن بحماية المدنيين، خاصة وأن الأمريكيين اكتشفوا بعد الأحداث كم أن سورية مهمة بالنسبة لإيران، وأن تغيير النظام السوري سيسهم في إضعاف إيران.
سيناريو الحرب الأهلية وهو السيناريو الأسوأ المرشح في حال عدم تحقق أي من السيناريوهين الأول و الثاني، حيث القوى الدولية الكبرى مشغولة بأزماتها السياسية والاقتصادية وانتخاباتها وتجاربها المرة في العراق وافغانستان، وبالتالي هو غير جاهز لاتخاذ قرار حاسم لحماية المدنيين من بطش نظام الأسد ومفضلين الاكتفاء بتشديد العقوبات السياسية والاقتصادية. ولكن مع هذا السيناريو سيتوجه جزء غير قليل من الثوار الذين خرجوا ولن يعودوا إلى حمل السلاح وتتوسع الانشقاقات في الجيش والأمن. حينها لن يكون أمام المجتمع الدولي سوى التدخل ولو كان متأخراً، ولكن ستكون التكاليف أكبر بكثير على السوريين أولاً وعلى المنطقة ثانياً.
ولكن يعتقد الكثيرون أن الأزمة قد نضجت، و أن الأمر لن يتأخر كثيراً، وأن الأسابيع القادمة ستبرز في أي اتجاه ستتجه الأزمة السورية، ويأملون أن يحتفلوا بالنصر وزوال نظام الأسد والانتقال إلى نظام ديمقراطي في ذكرى انطلاقة الثورة السورية في آذار/مارس القادم.’ كاتب سوري