محمود محمد مكي’السينما.. العشق والتأويل’ هو كتاب في الفن السابع بنكهة صوفية ومنهج أكاديمي يزاوج فيه مؤلفه الصحافي الشاب محمود عبد الرحيم، بين العشق والتأويل ليقدم للقارئ بقلمه البديع صورة نابضة بالحياة مفعمة بالنشاط وكأنه يستعيد جمال روح الشاعر العباسي البحتري في سينيته الشهيرة وهو يصور الرسوم التي على جدران إيوان كسرىصُنْتُ نَفسي عَمَّا يُدَنِسُ نَفْسي وتَرَفَّعْتُ عن جَدا كل جبْسِيقدم لنا محمود عبد الرحيم في كتابه الفريد صور قلمية لحوالي 51 فيلما، موزعة على عدد من الدول والثقافات المختلفة من جميع اقطار المعمورة.
ومع أن الكتاب كتب بمنهج أكاديمي إلا أنه يحمل من الذاتية الكثير، وهو ما يمنحه حيوية ويهبه تفرداً، وفي نفس الوقت يبعده عن الصنعة التي تسقط فيها جل الأعمال. يتفرد كتاب ‘السينما.. العشق والتأويل’ بأنه يولي اهتماماً للأفلام التسجيلية بلغاتها المختلفة، ويركز أكثر على أفلام هي من خارج القبضة المهيمنة على العالم في صناعة السينما (الغربية عموماً والإنكليزية والفرنسية خاصة) ليركزعلى دول أخرى مثل الأفلام الكورية والإسبانية والتركية والألمانية. يقدم الكتاب تحليلاً للأفلام من الناحية الفكرية والأيديولوجية التي ترتكز عليها، يعرض كل ذلك في أسلوب أدبي رفيع، يختلط بذاتية المؤلف المحبة للحياة والعاشقة للناس في كل مكان، بغض النظرعن دينهم أو لونهم أو جنسهم أو فكرهم. فالعشق هو كلمة السر في هذا الكتاب، وأزيدك من الشعر بيتاً أن عشق المؤلف للسينما هو حالة عشق أقرب إلى الوجد الصوفي، في الكتاب تختلط المهنية مع الذاتية. ففيه نجد لفظتي ‘العشق’ و’التأويل’، وهما مفردتان من أهم مفردات المعجم الصوفي. ومن ثم تكاد تتقافز إلى ذهن القارئ مفردات مثل ‘العشق الإلهي’ و’التأويل’ الذي مارسه أعلام الصوفية في تراثنا. وزاد المؤلف الأمر إيضاحاً في تقديمه للكتاب ‘فصل الذات أنا والسينما وحالة العشق القديمة’. في فصل تمهيدي ضاف وكاف تحدث المؤلف عن ذاته وعشقها للسينما بوجد صوفي وهيام محب، وهو عشق متغلغل في خلجات نفسه ومنتظم مع نبضات قلبه. فالبداية كانت حين شاهد أول فيلم في حياته في قاعة سينما الشرق بحي السيدة زينب العريق، ثم أكمل المؤلف علاقته بمعشوقته (السينما) في دراسته في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وتوطدت هذه العلاقة بعد أن صار كاتباً صاحب أسلوب وثوريا صاحب رأي. وينقلنا الكاتب إلى المراكز الثقافية في القاهرة التي تعرض أسابيع للأفلام فيقدم لنا خريطة ثقافية متنوعة شديدة الأهمية للقاهرة. وباختصار نرى ذات المؤلف منعكسة أمامنا على شاشة التحليل قبل أن نشاهد الأفلام من خلال هذه الذات الفنانة الرقيقة بقلمه البديع وتصويره الرائع. فهو يقدم لنا ذاته ونفسه أمامنا قبل أن يقدم لنا الأفلام التي يعرضها من خلال قلمه، فنرى الأفلام من خلال ذات المؤلف، في رؤية فنية فريدة تتمازج فيها الذاتية بالأكاديمية، هذا رؤية فنية لذات منفتحة تجمع ولا تفرق، وتتعاون ولا تتعارك، وتخلق من الاختلاف والتباين تناسقاً وتناغماً. يجمع المؤلف هذا التنوع والاختلاف في اللغات والموضوعات التي تتناولها الأفلام في كتابه الشائق في تناسق وتناغم فريدين. فالمؤلف من عادته أن يجمع ولا يفرق، فهو منفتح على الآخر عقلاً وفكراً، لأنه ثائر حقيقي بدرجة فنان عاشق للفن وللتجربة الإنسانية التي يمثلها هذا الفن.
يتناول كتاب ‘السينما.. العشق والتأويل’ محورين أساسيين، هما في الجزء الأول: الأفلام القصيرة والتسجيلية (22 فليما)، وفي الجزء الثاني: الأفلام الروائية الطويلة العربية والأجنبية (29 فيلما) في خلال السنوات الخمس الأخيرة، أما لغات هذه الأفلام فكانت أكثر تنوعا (العربية، الإسبانية، الروسية، الفرنسية، الانكليزية، الكورية، اليابانية.. الخ). الكتاب ينقسم إلى جزئين، الأول’السينما القصيرة والتسجيلية’ وتناول فيها 22 فيلماً بدأها بـ’لزوم ما يلزم في أزمة الأسانسير’، وهوعن فيلم الأسانسير الذي خاض محمود من أجله معركة صحافية ساخنة على صفحات الجرائد. وفي هذا الجزء يفضل المؤلف أن يسمي الأفلام التسجيلية بأفلام الأفكار لأنها تركز على الفكرة ـ على حد قوله – وهو لا يخفي انحيازه لها ضد شقيقتها الكبرى. بدأ بهذا الفيلم المهم لأنه كان نقطة فارقة في هذا الفن بتناوله جانباً من المسكوت عنه في مجتمع محافظ، وزاد الأمر خطورةً أن هذا الفيلم تم تناوله تناولاً طائفياً على غير الحقيقة الفنية والواقعية. وفي الجزء الثاني تناول ‘الأفلام الروائية الطويلة’ العربي منها والأجنبي. فحلل فنيا فيلم ‘شيفرة دافنشي’ و’هيروشيما’ وبلغ عدد الأفلام الطويلة التي تناولها 29 فيلماً. وأكاد أجزم أنه إذا تم التأريخ للسينما في مصر وعروضها، العربية منها والأجنبية، بأفلامها القصيرة والطويلة، فلابد أن يرجع المؤرخون الى هذا الكتاب الذي نتحدث عنه، ‘السينما.. العشق والتأويل’. فالمؤلف يستوقف لحظات الزمن ليحلل الفيلم وعناصره الفنية، بل ويزيد على ذلك أنه يقدم حالة المشاهد حال تلقيه الفيلم، وما يثيره من ردود أفعال حوله. وكم أود من محمود اكمال مشروعه كناقد سينمائي موهوب يملك أدواته الفنية، وحسا نقديا مطبوعا وذوقا رفيعا، إلى جانب أنه شاعر وصحافي خبر السياسة ومارسها.*ناقد ومترجم وأكاديمي مصري[email protected]