ريدلي سكوت في ‘روبين هود’ فيلم للسياسيين والأطفال معا

حجم الخط
0

محمد بنعزيز كاميرا ريدلي سكوت استقرائية، تصعد من الخاص إلى العام، من وجه الشخصية إلى الفضاء الشاسع… تستكشف المكان الذي يتحرك فيه البطل ‘Robin des bois’ ، والذي يؤديه النجم راسل كراو. يستخدم سكوت الستيديكام لتتبع الحركة بين الأشجار الكثيفة… تلتقط الكاميرا فداحة القوة، سرعة الحركة، مرونة الجسد وكفاءته القتالية… تتناوب اللقطات الداخلية، والخارجية بتوازن، يتوالى سلم لقطات مختلفة يجمعها جو واحد… لذا تبقى نفس الموسيقى مستمرة… يستخدم ريدلي سكوت إضاءة ممتازة وشاعرية في المعارك، كما استخدم إضاءة ذاتية للمشاهد من خلال المواقد لذا تعلو صفرة اللهيب الوجوه في لقطات ساحرة… تم اختيار مواقع التصوير ووضع الكاميرا في أماكن تسهل التلاعب بتلاوين الإضاءة على ديكور تخترقه إضاءة احترافية… وهذا عمل يمكن من استنفاذ كل الإمكانات البصرية التي يقدمها الفضاء… يجري تصوير الهضاب الخضراء بترافلينغ إلى الأمام ثم نستقبل تقدم الفرسان بترافلينغ إلى الخلف… في الصور المتدفقة نعجب بمصداقية شراسة القتال… نكتشف الحرب القديمة: الخيل القوية للاختراق وسحق المشاة ، الشجر لنصب الكمائن، الماء الساخن لصد العدو من فوق الحصون، النار لإحراق الأبواب الموصدة ، الكلاب لحراسة الزوجة، الحمام لتوصيل الرسائل… تصوير ملحمي للقاء العدو المهاجم من البحر الأزرق والجيش المدافع القادم من البر الأخضر… حيث التلال والغابات… استخدام ممتاز لمكونات الطبيعة في الحرب، وهذه فسحة مبهجة للمتفرجين من سكان المدن الذين تحاصرهم الجدران. الطبيعة بطلة في الفيلم، يكتشفها المتفرج حين ترافق الكاميرا حركة الشخصيات، وذلك بجعل الكاميرا تحل محل عين الشخصية في التقدم لاستكشاف المكان… ويكون الغرض هو إظهار غنى الديكور الطبيعي أكثر من إظهار أفعال الشخصيات… وغالبا ما تكون خلفية الصورة عميقة مبهجة… تجري المعركة على أرض بكر، خصبة ومعطاء، في القنص والرعي والحرث… معركة يقودها بطل قوي وعادل يكره الفساد، متعطش للعدالة… يصور الفيلم الفروسية في بعدها الإيجابي أيضا، لذا نشاهد فروسية الرجل الشجاع النزيه. فروسية تحفظ البراءة الأولى للبطل، فالبطل لا يتلطخ ولا يموت. لأن فعله دفاع عن الخير، وهو أعزب عفيف يقدر جمال وكبرياء أرملة يرهقها الجوع الجنسي وتتصرف بعناد ودلال… في الفيلم لمسة عنف بدائية مغرية، عنف وحشي يشد المتفرج منذ اللحظة الأولى، لكن الاعتماد على العنف الزائد يؤدي إلى رسم فقير للشخصيات… وهذه نقطة ضعف أفلام الأكشن التي تقدم شخصيات كآلات تركل وتسدد ليسيل الدم… حتى أن أطول قبلة في الفيلم كانت دموية…. يصدر هذا النوع من الشخصيات من ثنائية تبسيطية بين الخير والشر، تحل الصراعات بضربة سيف أو فأس… هذه صورة بطولية مميزة للفارس الحر… صورة ستصمد إلى ان تحطمها سخرية سيرفانتيس في روايته ‘الدون كيشوط دي لامانشا’ التي صدرت في عام 1605. وفيها صار الفارس عاجزا عن الدفاع عن شرفه فكيف تحقيق العدالة، صار هزيلا واهما يرى أذرع الطواحين أعداء… لا يرى الأعداء الحقيقيين على الأرض. يتأسس الفيلم على عمق تاريخي هو التنافس الفرنسي الأنجليزي، فيلم ذي بعد وثائقي عن العصر الوسيط… نتعرف على غرب أوروبا مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، حينها كانت سلطات الملوك مطلقة… عاد الملك ريتشارد قلب الأسد من حملته الفاشلة في الحروب الصليبية، قُتل في معركة وتولى أخوه المدلل الحكم، وجد الخزينة خاوية، قرر فرض ضرائب جديدة على النبلاء ليمول مغامراته العسكرية… ثاروا ضده… هكذا بدأت الاعتراضات على السلطة المطلقة لملوك العصر من لندن. في الفيلم، اضطر الملك للموافقة على وثيقة للحرية لينقذ عرشه… وبذلك توقفت الحرب الأهلية للتصدي للعدو التاريخي: فرنسا. وهنا أبلى روبين هود وأبان عن بطولته لإنقاذ البلاد من الانقسام ومن العدو الخارجي ومن الفساد… في الفيلم، وحسب سرد ريدلي سكوت، لم يكن الملك ينوي الالتزام بوعده… لكن تاريخيا، وقع الملك الانجليزي على وثيقة تضمن حقوق المواطنين، (Magna Carta) عام 1215… وقد كان تلك الوثيقة الشهيرة مقدمة مبكرة للملكية البرلمانية في الغرب… هذا هو البعد السياسي الذي يؤثث خلفية القصة، وقد عاد روبين هود ليظهر في عهد مضاربات الأسواق المالية على شكل ضريبة (La taxe Robin des Bois). ضريبة تطبقها الكثير من الدول، وقد طرحها الرئيس الفرنسي ساركوزي في مؤتمر كان للدول الغنية G20 شهر نونبر 2011. ضريبة تؤخذ من الأغنياء لمساعدة الفقراء. وهذه أعمال خير تميز بها روبين هود، وتجد لها نظيرا في الأدب العربي في الشعراء الصعاليك، وقد كانوا ينهبون الأغنياء البخلاء ويمنحون المال للفقراء. وهذا شكل ثوري لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة. يتضح هنا البعد الإنساني والكوني للقصة، وهذا درس لكل كاتب سيناريو ليفحص مسبقا كيف يتجلى المشترك بين البشر في شخصيات القصة التي يرويها. فخيالات الناس ومشاعرهم تعمل بنفس الطريقة. ويجب على السرد أن يلتقط ذلك. هذا ما يضمن خلود قصة فيلم ما. وهو ما ينطبق على قصة روبين هود التي يعرفها الأطفال، ويحفظون أغنيتها من الرسوم المتحركة: روبن هود روبن هود يمشي سعيدا في الغابات حوله الأصدقاءروبن هود روبن هود يمضي في عزم وثباتعيناه دوما للسمــــــــــاءخلف الأعداء والأشراريمضي في الغابة ليل نهارهو للأصحاب خير صديقبالحب ينور كل طريق روبن هود والقوس بين يديهلا يأبه للأشرار مثل النار يصوب سهماهو كالأبطال في الأدغال روبن هودروبن هود روبن هود يمشي سعيدا في الغابات حوله الأصدقاءتتذكرون؟أكيد، وبما أن أجيالا عرفت القصة، فالكثير من المتفرجين سيجلبون أقاربهم للمشاهدة، وهذه فرصة لاسترجاع ذكريات الطفولة، في قصة ذات بنية واضحة يفهمها الجميع، للإشارة يشترط المخرج الألماني وارنر هرتزوغ في القصة التي سيخرجها أن يفهمها الأطفال. وهذا ما يجعل منتجين محترفين يضعون عشرات ملايين الدولارات تحت تصرف مخرج ما. في روبين ديبوا، قدم ريدلي سكوت التاريخ في قالب سينمائي مشوق، وقد جمع بين الأكشن والتأريخ، كما في أفلامه ‘هانيبال’ و’كرستوف كولموبوس’ و’غلادياتور’ (عام 2000) الذي حصل على خمس جوائز أوسكار وحقق مداخيل بلغت 450 مليون دولار… وفي هذا الفيلم جلب ريدلي سكوت النمر الأبيض من سيرك روما ليصور به في وارزازات. عرض فيلم ”Robin des bois’ في افتتاح مهرجان كان 2010. لم يكن الفيلم ضمن المسابقة الرسمية، لأن مهرجان كان، حيث ينتصب الهيكل المقدس للإخراج la mise en sc’ne يرى في ريدلي سكوت مخرجا تجاريا، وهذه صفة ذات بعد تنقيصي، وكأن النجاح التجاري لمخرج ما كارثة لا إنجاز. وعلى أساس هذا الادعاء فالسينما الحقيقية هي سينما المؤلف، التي تجرب وترفض السيناريو المكتمل. وترى في استخدام رسومات التقطيع التقني ستوري بور story-board تعطيلا للإبداع كما زعمت الموجة الجديدة في فرنسا.لقد تأثر الكثير من المخرجين بهذا التوجه، يزعمون تقليد فرانسوا تروفو بينما لم يكتبوا ربع مقالاته، ويزداد الوضع سوءا حين يتعاون مخرج مثل هذا مع منتج لا ينفق من جيبه، متحرر من عبء الاختيار ومن شرط الاستثمار، منتج ومخرج مؤلف لا يقدم الحساب في شباك التذاكر… يزعم أن لسينما المؤلف الحق ألا تفكر في الجمهور. وهذا خطر على استمرار السينما كصناعة.يقول المخرج الصيني زانغ ييمو ‘عمل أفلام تجاريّة تمرين جيّد للمخرج، بمجرّد أنّ تكون خبيرًا في الطّريقة السّائدة، يمكن أن تجدّد روحك المبدعة بعمل شيء ما آخر’. هذه وصفة جيدة للمخرجين، لتعلم الوصول لتركيبة متوازنة بين سينما المؤلف والسينما التجارية. ناقد من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية