علي حسن الفوازقد يبدو الشعر قريبا من اسئلة الوجود، وقد يبدو الاكثر اثارة على تورية كائن هذا الشعر في انطولوجيا الوجود، تلك الانطولوجيا التي تدفعه لاستحضار الكائن الضد، الذي يرى ويكشف ويلمس ويتحول ويبتكر. حيث الانكشاف على سحرية اللغة بوصفها عرفانا، او تغاويا في البحث عن استكناه ما تحت جلد تلك اللغة، اذ يكون هذا الكائن المتعالي هو الحامل السحري لنوع من (القوة) اللغوية، تلك التي تضع الشاعر/الكائن بمستوى الحارس السري او الشفروي على خزائن استعاراتها الكبرى. هذه المزاوجة هي العتبة الافتراضية للقراءة، التي حاول من خلالها الشاعر/الكاتب عقل العويط ان ينتهك في كتابه ‘وثيقة ولادة’ الصادر عن دار الساقي/ بيروت/2011 قواعد كتابة مدونات السيرة، ليكتب عبر لغته المباحة والغاوية سيرته المبتكرة، المتخيلة، تلك التي يدونها كائنه العرفاني اللذوي المسحور بلعبة الكتابة والتشهي بايقوناتها وسرائرها وعوالمها الخبيئة.
يضعنا الشاعر عقل العويط في هذا الكتاب امام لعبة اغوائية في توصيف الكتابة، بوصفها لعبة تلامس المكان واللغة والجسد، تقترح له فضاء سرديا لشعرية مخفية، تتراكب فيها ايهامات التخيل مع الوقائع وتفاصيل السيرة، مثلما يناور فيها الشاعر بشطارته التعبيرية لاقتراح نص صالح للقراءة والتأمل والمراجعة والتوثيق، وبما يجعل القارئ المفترض امام مساحة مفتوحة لاستدعاء العلامات والشواهد المكتوبة والمخفية، التي قد تكون مساحة مفتوحة ايضا للاستعادة والكشف والتعرية التي تجسّ النص بوصفه ايروسا يضع الكتابة بوصفها ولادة بال (حبر) امام لعبة استمناء داخلي، مجذوبة الى نوع اشباعي من التخيل الفيتشي، او (ولادة بالمحو) تلك تقترن بلعبة التدوين التي تغيّب عن هذه الكتابة التوصيفات الاجناسية، باتجاه اللاجنس المتحول والذائب بوصفه شهادة او قصيدة او قصة او رسالة او اعترافا او بوحا، فهو يقول (سيلٌ من الحروف ينهمر أمامي، وأنا لا أرى سوى خوفي من ترتيب الأسماء والتسميات في سيرة تشبه الرواية. فأنا أولد الآن بالكلمات، وأتمكن من كتابتها، فكيف لا أروي وثيقة ولادتي بها؟ مأزق هي ولادتي الثانية هذه لأنها تتمرّد بالكلمات على الأولى). هذه الكتابة، تنتهك الجسد الايقوني للنص، تضع فاعلية القراءة امام لعبة احتمالات، على مستوى جنس هذه الكتابة، وعلى مستوى ما تفترضه من تموضعات لسرد التاريخ، التاريخ الذي يخص الشاعر لوحده، والذي يصطنع له اسماء وصرخات تماهيا او تعويضا مع اصطناع معان متعالية لحياة ظل يبتكر لها كثيرا، معان ترسم لها اللغة اكثر مما ترسم لها السيرة، التي يستعيد من خلالها لحظات غاطسة في الزمن/الزمن الذي يخصه. لكن هذه الكتابة رغم انحيازها، فانها تكشف ايضا عن ظاهراتية قصدية، ظاهراتية استقبال العالم والتلذذ به، او الخوف منه، من خلال استبصارات الذات الواعية وخبرتها اللغوية، الذات التي تغامر بكليتها لتحوز هذه اللذة، والوعي بها وجوديا – هروبا من التجنيس- وانسيا- تلذذا باستعادة مراثي الولادة او بهجاتها، مقابل ما تفرضه كضد وجودي من استعادة لذاكرة الموت التي اخذت ذاكرة الولادة والبهجة والاثر الى ما يشبه الانغمار في ثنائية المحو والحضور، ليس في السياق اللغوي حسب، بل في سياق وجودي يضع الشاعر بوصفه شاهدا على وثيقة الولادة وعلى ذاكرة الموت.. نصوص الكتاب الطويل تؤكد مرجعيات هذه الذاكرة التي تؤسس منظورها على اساس المحمولات الرمزية للوثيقة، التي تتمثل الى رؤيته التي تغوص عميقا بحثا عما يقابل وجوده في هذه الثنائيات، التي تقترح لها القراءة توصيفا يتماهى مع كتابة نصه الشخصي، او تدوين رؤيته الشخصية للسيرة والوقائع واليوميات والتفاصيل، تلك التي ظلت مأخوذة بـ(الشعرنة) التي تمنحها صفة الانزياح والتحول والتمرد والرغبة في التجاوز على أي تاريخ او أي نص، مثلما تصطنع لها صفة سردية تقوم على مستوى المبنى الحكائي الذي يؤنسن وظيفة التخيل والتركيب والتصوير، اذ تجد هذه الكتابة/كتابة المبنى نفسها امام سلسلة تعويضية من النصوص اللامجنسة التي لها امتياز ان تكون وثيقة، ليس بمعنى استرجاع المتن الحكائي، بل ان تتلبس بامتياز الشهادة على زمانات معينة – الولادة والموت، وامتياز حيازة (الحرفنة/الشطارة) الشعرية بوصفها (كتابة احتيال دائمة) التي يمكن ان تصلح للتدبيج والتعالي وحتى المراقبة والتلصص والسيطرة، والتي يقترح لها الشاعر/الكاتب عقل العويط توصيفات تزاوج بين الشعر باعتباره لغة تصويرية مكثفة مكسوة ببريق اسلوبي رشيق يخلو من الاستعارة البلاغية المباشرة، الى بلاغة مكثفة تقوم على التوصيف، وعلى التقاط صور مشعة، تلك التي تكون لكنها باعثه على محاولة الايهام باستعارة تشكيلية قابلة لان تتراكب فيها (انواع ادبية) تفترضها كتابة (الوثيقة السردية) التي ترى العالم مصنوعا عبر خبرة الذات العارفة كما يرى الظاهراتيون، والتي تمنح القصيدة نوعا من المورفولوجيا التي تبرر قوتها الخفية في التخيّل، وبما يضفي على فضاءات الكتاب ملامح هجينة يختلط فيها السردي والشعري والوثائقي واليومي، وحتى السينوغرافي الذي يصنع مشهدا باعثا على التأمل والقراءة واللذة والمراجعة، ومن هنا نجد ان استخدام العتبة التوصيفية لدلالة (الوثيقة) بمعناها التدويني كمدخل توصيفي للكتاب كان تحديدا غير اطلاقي، لان هذه الوثيقة يمكن ان يكتنفها الغموض، فهي لا تندرج تحت توصيف اشهاري بكونها تعبيرا عن وقائع ومدونات، بقدر اندراجها تحت نوع مقترح من السرد الذي يخلخل اجناسية توصيف ووظيفة هذه الوثيقة، وبالطريقة التي يجعلها الاقرب الى (نص متعال) يقوم على سلسلة من الشهادات الداخلية (أريد أن أُولد يا أمّي، لكي أصحّح شهادة ميلادي. وها أنا أُولد لتوّي لأني أُولد توّاً. ليس عندي حياةٌ سابقة ولا أعمارٌ سابقة. صرخةٌ كهذه الصرخة تكفي لأُظهِر أن البرهان هو البرهان وأن البرهان لا يكذب. سجِّلوا أني كائنٌ شعريّ، وأني أُولد الآن تحت هذا اليأس الذي يسمّونه طفولة. لستُ روائياً. لستُ أؤرّخ لأن التأريخ خرافة روائية. الوقائع ليست وقائع. الخرافة ليست خرافة. وما يُروى ليس جديراً بأن يُدرَج في رواية. فلكي يروي الراوي، لا بدّ من وقائع تُروى. لكنْ ليس من راوٍ ها هنا، وإن يكن ثمة ما يوهم بالوقائع. لقد وُلدتُ لتوّي، وليس من عمرٍ لي لأن عمري لن يُحسَب بوقت إنما بغريزة الشعر. أنظر من منطقة العدم. أكتب من منطقة العدم. حواسّي هي العدم نفسه. صحيحٌ أني أصرخ، لكن ذلك ليس صراخاً، إنما محض وثيقة. وهي وثيقة ولادة ليس إلا)يضعنا عقل العويط امام انهماك لغوي مفتوح، او ما يشبه النص المتوجس، الفالت من فروض الشكل والمعنى المتواتر، اذ نجد انفسنا امام لعبة غواية قرائية لا فكاك منها، تستغرقنا بالبحث العميق عن كنه الانسان الذي يرى، الانسان المعذب، الحالم، المفتون بالجسد والخطيئة، والباحث عن طهرانيات غير متيسرة، حتى تبدو هذه اللعبة التي يكتبها العويط بلذة (المعترف) وكأنها محاولة لتطهير ما هوعميق في النفس، وما هو رثائي في كينونة الانسان الصانع للخطيئة والاثم والحرب والخديعة، هذا الانسان الذي يبحث عن المضحّي/المسيح دائما (امامي حياة تعيشنّي بالخداع، وليس عندي قوة لاوقف خديعتها، واضحة هي الاشياء امامي، واضحة الاشياء ورائي، وانا ارى كل شيء، تبا للنسل البشري، يزعجني ان لا أحد يعرف اني اعرف سر هذا النسل وخديعته المفجعة). هذا الكتاب يترسم افق الشاعر/الكاتب من خلال ما يدونه من سفر سيروي يمازج فيه بين الوقائع والتخيلات، اذ هو سفره الشخصي او(لامذكراته) على طريقة اندريه مالرو، اذ لا يملك من خلاله العويط الاّ ان(يستنطق) هذا السفر، ليكون نصه في الاعتراف، او شهادته على تاريخ من الاسفار الثانوية او الصرخات الشخصية، وتاريخات من (المسكوت عنه)، تلك التي تمنح (الوثيقة الافتراضية) او(الوثيقة النصية) مجازا شعريا يزيح جنسها الوصفي، باتجاه ما يجعلها الاقرب الى (الهذيان الجميل) هذيان اللذة او السكرة او الاعتراف المسيحي، والذي يمغنط ما حوله، جاذبا الى شهوانية القراءة، تلك التي يغيب فيها جنس النص الخارجي، ليحضر النص الداخلي الباث، المولد، الباعث على الدهشة والغواية واللذة.
كاتب من سورية