الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود معروف: احياء الاشتراكيون المغاربة امس الاحد الذكرى العشرين لرحيل زعيمهم عبد الرحيم بوعبيد، لم يكن فقط تذكر زعيم سياسي وطني ورجل دولة من طراز مختلف، بل ايضا واساسا لاعادة النظر باوضاع حزبهم، الذي خلفت ازماته وصراعاته الداخلية ومشاركته في تدبير الشان العام، هزائم متكررة وتراجعا في مكانته السياسية.
الاشتراكيون المغاربة التقوا في مقبرة الشهداء بالرباط وقرأوا الفاتحة على روح بوعبيد وتذكروا اياما مضت كان حزبهم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في المعارضة تحت قيادة بوعبيد او في الحكومة تحت قيادة خلفه عبد الرحمن اليوسفي او محمد اليازغي، يقود البلاد ومحركا لكل ما عرفته من تحولات نحو الديمقراطية ودولة الحق والقانون.
ومثل عبد الرحيم بوعبيد ( 1922- 1992) ابو الاقتصاد الوطني المغربي، رمزا لجيل الوطنيين المغاربة الذين ساهموا في صناعة الاستقلال ووضعوا اللبنات الاولى لدولة المغرب المستقل، وتولى في حكومات الاستقلال وزارات المالية والاقتصاد الوطني وشكل مع المهدي بن بركة ومحمد البصري الجناح اليساري بالحركة الوطنية المغربية التي كانت ممثلة انذاك بحزب الاستقلال وقادوا ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيصبح بعد 1974 الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي مثل المعارضة الشرسة لنظام الحسن الثاني.
كان بوعبيد رجل دولة ومحل احترام القصر والنخبة السياسية والفئات الاجتماعية المغربية، معارض شرس ومسؤول، وتعددت المعارك مع النظام في الواجهات الاجتماعية والسياسية وتصاعدت موجات الاحتجاج وتعددت اشكالها وهو ما ادى به 1981 ورفيقيه محمد اليازغي ومحمد لحبابي الى السجن بعد وقوف الحزب في وجه الملك الحسن الثاني معارضين قبوله للاستفتاء كحل لنزاع الصحراء وحين توفي في كانون الثاني/ يناير 1992 خرجت لوداعه اكبر جنازة يعرفها المغرب.
غياب عبد الرحيم بوعبيد لم يغيب الحزب عن الحياة السياسية ولم يقلص حضوره او يحد من اشعاعه، واستطاع تعميق تحالفاته مع حزب الاستقلال ويخوض معه انتخابات تشريعية 1993 بمرشح مشترك ويفوز بالمرتبة الاولى قبل ان تتدخل وزارة الداخلية في الانتخابات غير المباشرة لتمنع الحزبين من الفوز وعاد في انتخابات 1997 ليفوز بالمرتبة الاولى ويقود البلاد من خلال حكومة التناوب نحو تحولات ديمقراطية واصلاحات اساسية في المؤسسات. لكن تدبير الشان العام دفعه الى التماهي مع الحكم دون ان يشارك به فدفع ثمن ما عرفته البلاد فيما بعد من تراجعات في مختلف الميادين وما اصاب المؤسسات العامة من فساد مما ادى الى وهن هياكله وادخل مناضليه في متاهات البحث عن الذات حتى ولو كان على حساب الحزب ويبدأ مسلسل التراجع الذي لم تظهر حتى الان افاق توقفه. الاتحاد الاشتراكي الان وبعد الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي يحتلون المرتبة الخامسة في مجلس النواب وجلسوا في مقاعد المعارضة الى جانب احزاب يصفونها عادة بالادارية او احزاب السلطة وهي التجمع الوطني للاحرار وحزب الاصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري، تاركين حلفاءهم التاريخيين وهم حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية الذين شاركوا حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الاسلامية، في حكومة عبد الاله بن كيران اول حكومة في ظل دستور منح صلاحيات اوسع لرئيس الحكومة.
وعرض على الاتحاد الاشتراكي المشاركة بحكومة بن كيران، لكن قيادته اختارت المعارضة لالتقاط الانفاس واعادة النظر في تدبيره لشؤونه الداخلية والاستعداد لعقد مؤتمره الوطني لوضع تصورات جديدة تعيد له اشعاعه وتعيد لمناضليه مصداقيتهم التي تزعزعت وسيكون على قيادته الجديدة قدرة على تدبير مرحلة من موقع المعارضة في مرحلة لم تعد بها المعارضة تحمل نفس الحمولة التي كانت في العقود الماضية ولم تعد القضايا ذات القضايا وايضا من معارضة لحكومة افرزتها صناديق الاقتراع بقيادة حزب احتل المواقع التي كان يحتلها الاشتراكيون ورفع الشعارات التي كانوا يرفعونها ويتهمهم المواطنون بالتخلي عنها.