يحزقال دروران النظر فيما يجري قد يسبب الكآبة. فهناك اعمال عداء واتهامات متبادلة وعداء يزداد وقرارات انفعالية تجتمع في فسيفساء سريالية تبدو مثل ورطة. وهذا خطأ بصري ينبع من حصر العناية بالاعراض لا في الاسباب. وكل الشواهد تشهد على ان الحديث عن معضلات أساسية فهمها ضروري من اجل قراءة صحيحة للواقع.
هناك قضية تصاحب المجتمع الاسرائيلي منذ بدء الدولة بل قبل ذلك ايضا وهي التوتر بين الواقع والاصولية اليهودية الصهيونية في سياقين: الدولة اليهودية وارض الميعاد. وبخلاف التطرف، لا يحمل مصطلح الاصولية مضامين سلبية بل يتناول التمسك بقيم مع التصميم على تحقيقها حتى لو كان في ذلك إتلاف النفس. والصهيونية القائمة على اليهودية هي حركة أصولية وفي هذا سر نجاحها وإن يكن مستقبلها غير واضح.
ليس للشعب اليهودي خبرة بادارة دولة يهودية حديثة، وليس واضحا ما هو مكان الدين في العالم في المستقبل وبين الشعب اليهودي ايضا. لهذا من الحماقة اعتقاد ان التشريع وحسم الأكثرية يمكن ان يحددا المستقبل في هذا الشأن. فينبغي ترك القضية لتطور تاريخي مع خطوات بينية تحافظ على وحدة تعددية للمجتمع الاسرائيلي قدر المستطاع. فهذا موضوع لادارة الاختلاف لا لحل الصراعات.
ان مستقبل يهودا والسامرة هو قضية مختلفة. فالاصولية هناك تصادم الواقع وجها لوجه، وهو تصادم يقتضي مهادنات. وفي وضع كهذا نشأت اختلافات في الرأي شديدة بين ‘المتكيفين’ وبين ‘المتحصنين في اعتقادهم’ الذين يميلون الى التطرف. ويزيد على التعقيد تناقض ما بين الاصولية اليهودية الصهيونية والديمقراطية (التي هي اعتقاد اصولي ايضا). فالاصولية اليهودية الصهيونية تعطي قيمها التفضيل وهي التي تشتمل في رأي كثيرين على فرض استيطان يهودا والسامرة باعتبارهما جزءا مركزيا من ارض الميعاد.
ان مواجهة هذه الاوضاع في دولة ديمقراطية يقتضي جهدا لاقناع الجميع بقبول سلطة الديمقراطية الى جانب جهد لاعتبار اولئك الذين يرفضون فعل ذلك اذا لم يسبب الامر ضررا حقيقيا. ان مباديء الديمقراطية ايضا توجب استعمالا متناسبا للقوة لفرض قرارات حاسمة ديمقراطية على أقلية عنيدة. ان الوضع عندنا مركب لأن كثيرين من كبار السلطة متمسكون بقدر ما برؤيا ‘ارض الميعاد’ وإن يكونوا عالمين بأنه لا يمكن تحقيقها.
ان التقديرات الامنية والسياسية تضيف تناقضات وتكون النتيجة مراوحة في المكان وامتناعا عن قرارات حاسمة مؤلمة وصعبة من جهة سياسية واجتماعية. وهذا برغم الثمن الباهظ في الأمد البعيد لادارة ازمات بلا حسم في الشأن الحاسم لمسيرة السلام الذي يقتضي على عجل مبادرة اقليمية اسرائيلية بمقياس اقليمي.
ان معضلة موازية بين مباديء الديمقراطية والواقع السياسي العملي تقوم في أساس الاختلافات في صلاحيات المحكمة العليا وتركيبتها. بحسب واحد من التصورات في نظرية القضاء والفلسفة السياسية، تحتاج الدولة الديمقراطية الى كوابح تكبح طغيان أكثرية متغيرة وتقديرات أعمالية لحظية. لهذا ينبغي تقوية المحاكم في مواجهة ضغط سياسي وجماهيري. ويرى هذا التصور ان تمثيل الجمهور في تركيب القضاة ذو أهمية ثانوية. لكن الواقع السياسي الحالي يدفع الى تحديد صلاحيات المحكمة العليا ويستعمل ضغوطا على تركيبتها مع دعاوى بعضها ذو أساس، عن سيادة الكنيست والحاجة الى تبديل في النخب.
في الوضع الحالي البائس للقسم الأكبر من السياسة الاسرائيلية، يفضل ألا يُمس بصلاحيات المحاكم وتركيبتها كي لا يُمس باستقلالها. وحينما يصبح الجهاز السياسي في وضع أكثر استقرارا يكون هناك مكان لوزن تغييرات ليس فيها مس باستقلال المحاكم مثل انشاء قسم دستوري ذي تركيبة خاصة في المحكمة العليا.
في الأكثرية الغالبة من الموضوعات، لا تستطيع جهود لحل معضلات عميقة بواسطة ارتجال من غير تغلغل الى عمقها، اعطاء جواب ذي بقاء. وفي حالات كثيرة يكون الضرر أكبر من الفائدة. ان سطحية أكثر الساسة والخطاب العام قذى في عيوننا.
هآرتس 10/1/2012