مالكولم إكس وحياة المسلمين في امريكا

حجم الخط
0

منتصر حمادة دروس أخلاقية صادمة يُقدمها لنا مالكولم إكس، ونحن نتأمل مساره الدعوي والجمعوي؛ في كتاب حديث الإصدار عن الراحل، لَخّصَ ناقد في يومية ‘نيويورك تايمز’، مسار الراحل كما يلي: ‘من مجرم تافه إلى متعاط للمخدر، لسجين، إلى وزير انفصالي، إلى إنساني ثم شهيد’. مالكولم إكس (أو الحاج مالك شباز، رحمه الله، اغتيل يوم 21 شباط/فبراير 1965)، ناشط أمريكي شهير، يُعتبر المقابل الإسلامي لمارتن لوثر كينغ المسيحي، اشتهر لدى مُتتبعي الأفلام السينمائية النوعية بالفيلم الكبير للمخرج الأمريكي سبايك لي (قام ببطولته الممثل الأمريكي دنزل واشنطن)، وساهم الباحث والمترجم السعودي حمد العيسى في التعريف به لدى المتلقي العربي من خلال كتابه الرائع ‘نصوص مُحرمة’. نقرأ للباحثة الأمريكية جنيف عبده، في كتاب: ‘مكة والاتجاه العام: حياة المسلمين في أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر’ أن انتماء مالكولم إكس لهذه الجماعة، جعله يسقط في ترويج لقراءات إسلامية مُحرّفة، تلك التي تبنتها جماعة إليجا محمد على الخصوص (جماعة ‘أمة الإسلام’)، ولن ينقلب مالكولم على هذه القراءات المحرفة، لنقل التأويلات الإسلامية المنحرفة، إلا بعد أداءه مناسك الحج، بسبب تفاعله الروحي مع أدائه لشعيرة الطواف حول الكعبة المشرفة، وهي الشعيرة التي ‘فتحت عينه على عالم جديد لا يعترف إلا بالأخوة الإسلامية، وليس باختلاف الجنس، أو لون البشرة’، وكان إمضاؤه لخطاب شهير تحت عنوان: ‘خطاب من مكة’ موقعا بإسم الحاج مالك الشاباز، حسب المؤلفة، ‘يعكس نظريته الإسلامية الجديدة’، قائلا في ذات الخطاب: ‘بدا لي من خلال قِيم الإسلام الحقيقي، أن التشويه لجميع البيض خطأ مثلما يصدر البيض أحكاما شاملة ضد السود’. مع كتاب حمد العيسى، نطلع على تفاصيل دقيقة ومؤرقة حول هذا التحول، وهي التفاصيل التي بسببها استحضرنا الباحث أوليفيه روا الفرنسي والداعية والباحث فريد الأنصاري المغربي وغيرهم كثير.

لا شك أن بعض ‘العقلاء الجدد’، بتعبير العيسى، سوف يقولون بعد الاطلاع على نصوص مالكولم (كما جاءت في نصوص الكتاب) أنه ‘عنصري وربما أيضا ديماغوجي’، ولكنه بالتأكيد ليس كذلك، وينبهنا حمد العيسى إلى ضرورة قراءة هذه النصوص وتفسيرها في سياق زمانها ومكانها وظروفها، حيث كان السود يعانون من تفرقة عنصرية وحشية بغيضة تتناقض وأبسط حقوق الإنسان، بل تتناقض والدستور الأمريكي نفسه، ومع ذلك لم يتورط مالكولم إكس في أعمال عنف ضد البيض.

وما يشفع لمؤلف هذا العمل القيّم التأكيد على هذه الحيثية (قراءة النصوص في سياق زمانها وظروفها) أن خُطب مالكولم الأولى، لا علاقة لها البتة بخطبه في مرحلة ما بعد أداءه مناسك الحج ــ بيت القصيد ــ وتأكيد الرواية الشهيرة في هذا الصدد، وتتمحور حول تأثر مالكولم بمشهد الكعبة المشرفة وأصوات التلبية، وبساطة وإخاء المسلمين، ويقول في ذلك: ‘في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها’. قضى الراحل 12 يوما جالسا مع المسلمين في الحج، ورأى بعضهم شديدي البياض زرق العيون، لكنهم مسلمون، ورأى أن الناس متساوون أمام الله بعيدا عن سرطان العنصرية.

يُوجز حمد العيسى ‘مشروع مالكولم’، أو على الأصح، يوجز مشروعه الأخلاقي في ثلاث كلمات: فضح الظلم ومقاومته، وهذا المبدأ صالح لكل زمان ومكان يوجد فيهما مثل هذا الظرف.

مع فريضة الحج (وهذا انطباع شخصي صرف، بالرغم من عدم طرقنا بعد باب هذه الفريضة السامية)، يستحضر المسلم لا محالة بعض التفاسير الميدانية والعملية للآية القرآنية الكريمة: ‘وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين’ (سورة الأنبياء، الآية 107)، ولم نقرأ في القرآن الكريم: وما أرسلناك إلا رحمة لقريش أو لأهل الجزيرة العربية أو لساكنة الوطن العربي أو العالم الإسلامي، ومن باب تحصيل حاصل، لم نقرأ وما أرسلناك إلا رحمة لأهل هذه الحركة الإسلامية، وذلك الحزب الإسلامي، ومن هنا، مقاصد لجوء الراحل فريد الأنصاري لشعار/خيار ‘الفطرية’، عنوانا لأحد آخر مؤلفاته (تغمده الله برحمته الواسعة)، وهو الداعي في دراسة مرجعية نشرتها شهرية ‘البيان’ اللندنية إلى فضائل الانتقال ‘من الحركة الإسلامية إلى حركة الإسلام’. (صدرت الدراسة سنوات قبل صدور كتاب ‘الفطرية’). ونحن نعيش على إيقاعات زمن الربيع العربي/الإسلامي (السلفي الوهابي)، واضح أن الخوض اليوم في أطروحة الأنصاري هذه، وانقلاب مالكولم إكس، قد يُختزل من طرف البعض بأنه مجرد ‘لغو’ و’ترف’، حتى لا نتحدث عن ‘ثرثرة’ و’كلام فاضي’ بتعبير الأشقاء في مصر، ولكن نحسبُ أن هذا الخوض، يساعدنا على عدم السقوط في فخاخ ‘الحكايات الصغرى’ التي لا زال أغلب النقاد والكتاب والإعلاميين يتطرقون إليها في معرض التفاعل مع صعود أسهم الحركات والأحزاب الإسلامية خلال الأشهر الأخيرة. ‘وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين’.’ باحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية