امريكا والثورة والاسلاميون

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

القوة العسكرية لها حدود، فلا تستطيع تحقيق كل شيء، مهما بلغت، فليست هي الشرط الوحيد لبقاء الامم والحضارات. بل ان عبر التاريخ تشير الى ان الحضارة التي تبالغ في استعمال القوة العسكرية وتتورط في الحروب سرعان ما تتضافر العوامل المختلفة الاخرى لاضعافها، حتى تتلاشى وتنتهي. والولايات المتحدة اليوم تعيش حالة التراجع كحضارة او قوة عالمية هيمنت على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وربما ساهمت الحرب الباردة في حقبة نصف القرن التي اعقبت تلك الحرب في توفير ظروف نمو العصر الامريكي. وبعكس ما يعتقده البعض، فان تداعي الاتحاد السوفياتي قبل عشرين عاما ربما ساهم في اضعاف موقع امريكا على الساحة السياسية العالمية. فالعالم الذي بدا انه أحادي القطبية طوال العقدين الاخيرين، كان لعنة في شكل نعمة لامريكا التي ازدادت غرورا دفعها لمضاعفة الانفاق على الحروب الباهظة التي لم تجن منها كثيرا. وعندما وقف الرئيس الامريكي، باراك اوباما بمبنى البنتاغون، للمرة الاولى الاسبوع الماضي، ليعلن عن ضرورة خفض النفقات العسكرية، فانه كان يتحدث تحت ضغط الواقع الذي يتحدى ادارته ويهدد بخسارته في الانتخابات الرئاسية المزمعة العام المقبل. طرح اوباما مقولات عديدة من بينها القلق المتصاعد لدى الساسة الامريكيين ازاء صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية ضاربة في الشرق الاقصى. وفيما حاول الايحاء بتغيير جوهري في الاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة، بنقل ثقل التركيز العسكري الى المحيطين الهادىء والهندي، فانه لم يستطع اخفاء حقيقة اخرى تتضارب مع هذه الاستراتيجية. فقد اصبح على المؤسسة العسكرية الامريكية خفض النفقات على مدى السنوات العشر المقبلة حوالي تريليون (الف مليار) دولار. ومع اصرار اوباما على ان ذلك لن يؤدي الى اضعاف القوة العسكرية الامريكية، فان من المؤكد ان تقليص النفقات بمعدل مائة مليار سنويا لن يساهم في تقوية الآلة العسكرية. الرئيس اوباما اشار الى ان انتهاء الحرب الباردة يقتضي اعادة النظر في التكنولوجيا العسكرية، والابتعاد التدريجي عن الاعتماد على القوات الارضية كبعد ظاهر للنفوذ العسكري الامريكي، والتركيز على تكنولوجيا اكثر تطورا تعتمد على الآلات التي لا يحتاج تشغيلها الى بشر والى التركيز على حروب السايبر. مع ذلك فالخفض المطلوب في النفقات لن يساعد على تحقيق ذلك، خصوص مع ما يبدو من ذوبان متواصل للايديولوجية الاساسية التي تقوم عليها الامبريالية الامريكية. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه التجربة الشيوعية، اصبح على اوباما ان يثبت للعالم قدرته على الحفاظ، ليس على التفوق العسكري الامريكي فحسب، بل على الايديولوجية الرأسمالية التي تشكل اساس النظام الامريكي والغربي بشكل عام. واذا كانت الصين قد استطاعت تطويع ايديولوجيتها الشيوعية لتتناسب مع مستلزمات السوق ومقتضيات الانتاج والنمو التكنولوجي، فان امريكا كانت مشغولة طوال العقدين الاخيرين في حروب بدأتها وما تزال متورطة بها او بتبعاتها حتى الآن. ويمكن القول بان رفض التجديد لبقاء القوات الامريكية في العراق يمثل بداية نهاية الحقبة الامريكية لان ذلك يعتبر انتكاسة حقيقية لجوانب ثلاثة للسياسة الامريكية: الذراع العسكري الذي لم يستطع حسم الموقف تماما في مواجهة المجموعات العسكرية المطالبة بخروج القوات من العراق، والدبلوماسية التي فشلت في التأثير على حكومة صعدت الى الحكم نتيجة التدخل الامريكي المباشر في ذلك البلد برغم الضغوط والتهديدات التي وجهها المسؤولون للمسؤولين العراقيين: ما فعله جو بايدن مع رئيس الوزراء العراقي من تهديدات وضغوط، والوضع الاقتصادي الذي شكل عبئا على الخزينة الامريكية بدون مردودات تذكر. واذا اضيف الى ذلك الاداء غير الحاسم من قبل القوات الامريكية في افغانستان، تتضح ملامح المشهد السياسي والعسكري بشكل اكبر. فلا شك ان مقتل أسامة بن لادن، زعيم القاعدة، العام الماضي وعددا من آخر من قيادات التنظيم سواء في افغانستان ام اليمن، انجاز كبير للجهات الاستخباراتية والعسكرية الامريكية، ولكنها زادت الموقف تعقيدا على محاور ثلاثة: اولها ان العلاقات مع باكستان ساءت في الشهور الاخيرة لاسباب عديدة من بينها مقتل بن لادن بدون علم الاستخبارات الباكستانية (حسب ما يتردد بين الاوساط السياسية)، وان هناك تدهورا مستمرا في العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد، ثانيها: ان مقتل بن لادن فتح المجال للتحاور مع حركة طالبان التي شعرت انها في حل من التزاماتها تجاه زعيم القاعدة بعد مقتله، وهذا تطور لا يخلو من مخاطر، من بينها توتر العلاقات مع حكومة حامد قرضاي، ومنها تأثيره على السجال داخل الاوساط الامريكية حول جدوى التحالف مع قوى متطرفة كانت مصدرا لاستهداف المصالح الامريكية على ايدي عناصر القاعدة. ثالثها: ان قتل زعيم القاعدة لا يعني انتهاء التهديد للمصالح الامريكية في العالم، بل ربما زاد من خطر التهديدات بعد ان تبعثرت مراكز اتخاذ القرار في التنظيم الذي قام في الاساس لمواجهة الولايات المتحدة. هذه المحاذير لا تعني انتهاء الخيارات المتاحة امام ادارة الرئيس اوباما وهو يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من هذا العام. وهنا تبرز قضية فلسطين والعلاقات مع ‘اسرائيل’ واحدة من اكثر القضايا تعقيدا وتداخلا واضطرابا. وفي الظلال الوارفة لاشجار الخريف العربي، استطاع الرئيس اوباما، وفقا لبعض المعطيات، ان يحول واحدا من اخطر التحديات لادارته الى مكسب لا يمكن التقليل من شأنه. فالثورات العربية كانت مرشحة لان تكون معادية لامريكا، على عكس ثورات جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا التي كانت تحظى بدعم امريكي واضح. ولكن الادارة الامريكية استطاعت، بسرعة فائقة، الالتفاف على تلك الثورات والتدخل فيها لتوجيه ما يمكن ان يتمخض عنها لتصب لصالح السياسة الامريكية بالمنطقة. وقد رشحت بعض التعليقات على مواقف الفائزين في انظمة الحكم ما بعد الثورة، وبالتحديد، الاسلاميين الذين طالما اعتبرتهم الادارة الامريكية أعداء ألداء للمشاريع الامريكية في الشرق الاوسط. واشار بعض هذه التصريحات الى استعداد بعض الحركات الاسلامية التي فازت في انتخابات تونس ومصر على الاقل لتقديم تنازلات في ما يتعلق بقضية فلسطين على وجه التحديد، وتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة بانتهاج سياسات ‘حكيمة وعاقلة’ وفق ما نسبته صحيفة الفايننشال تايمز لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي. وذهب بعض المحللين الى القول بوجود تفاهم غير معلن بين الحركات التي وصلت الى الحكم مؤخرا في الدول العربية بتبريد نقاط التماس الساخنة مع الغربيين، اما بتخفيف شعار الحكم الاسلامي او التقليل من مخاوف الامريكيين بشكل خاص باطلاق التصريحات التي يرتاحون اليها، ام بالتركيز في التصريحات السياسية على الهموم الوطنية وعدم التركيز على الموقف ازاء الكيان الاسرائيلي. وكانت تسريبات امريكية قد اشارت الى تراجع موقف جماعة الاخوان المسلمين في مصر ازاء هذه القضايا، وذلك في اجتماع عقده المرشح الرئاسي السابق، جون كيري مع المتحدث باسم الجماعة، محمد مرسي، مدعيا انه فهم من المسؤول الاخواني ان حركته ستحترم الاتفاقات الدولية التي وقعتها مصر وذلك يتضمن امكان قبول اتفاقات كامب ديفيد. غير ان القضية اخذت ابعادا اخرى بعد هذه التصريحات ودفعت الى جدل في اوساط الاخوان، الامر الذي دفع نائب المرشد العام للاخوان المسلمين، رشاد البيومي، الى اصدار تصريح الاسبوع الماضي بان الجماعة لن تعترف بـ ‘اسرئيل’ وانها ستطرح معاهدة السلام للاستفتاء الشعبي. ولا شك ان هناك قلقا متصاعدا في الكيان الاسرائيلي خصوصا بعد حصول الاسلاميين في مصر حوالي ثلثي المقاعد بعد الجولتين الانتخابيتين الاولى والثانية، وسوف تتضح الصورة اكثر بعد اعلان نتائج الجولة الثالثة هذا الاسبوع. الولايات المتحدة ليست قلقة من مصر ونتائج الانتخابات فيها فحسب، بل ان المنحى العام للسياسات الخارجية للدول العربية سوف يختلف كثيرا بعد الربيع العربي، الامر الذي يقلق الامريكيين والاسرائيليين على حد السواء. وكانت الدبلوماسية الغربية قد اعتمدت طوال العقود الماضية على مواقف الانظمة، وتجاهلت تطلعات الشعوب. ويمكن القول بان ذلك ادى الى تعمق العداء الشعبي العربي للسياسات الامريكية، وهو عداء متواصل حتى الآن. ان تدخل امريكا على خط الثورات ومساهمتها في اسقاط نظام القذافي، لن يغير الموقف جوهريا. فالذوق العام العربي لا ينسجم مع التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، كما ان الحركات الاسلامية المبدئية وضعت تحرير فلسطين في مقدمة اهتماماتها طوال العقود الستة بعد الاحتلال الاسرائيلي، ولم تتردد اية حركة في موقفها هذا. والثورات العربية انما حدثت بسبب ما تعتقده المعارضات العربية التي يمثل الاسلاميون الشطر الاكبر منها، من استبداد الحكام وتنازلاتهم امام اعداء الامة واستهدافهم معارضيهم خصوصا من الاسلاميين. اليوم توفرت الظروف نتيجة الثورات لصعود الاسلاميين الى موقع الحكم في بعض الدول العربية، وضعف الانظمة التي مارست الاستبداد والقمع بدعم غربي متواصل. الاسلاميون في وضعهم الجديد اصبحوا على المحك، واصبح عليهم التعاطي مع تحديات الحكم. ومن اولى هذه التحديات الموقف ازاء الاحتلال الاسرائيلي. ومهما حاول الغربيون من ضغوط للتأثير على المواقف الشعبية في هذا المجال، فلن يستطيعوا تحييدها، وسيجدون انفسهم في النهاية في مواجهة مع الرأي العام العربي وليس مع فئة دون اخرى. وتجدر الاشارة الى الجو العام الذي هيمن على العالم العربي قبل عشرين عاما عندما تدخلت قوى التحالف الغربية في المنطقة ضد الاجتياح العراقي للكويت. يومها فشلت السعودية بما لديها من امبراطورية اعلامية عملاقة واموال نفطية كبيرة، في التأثير على الرأي العام العربي الذي بقي معارضا للتدخل العسكري. ويمكن القول ان ذلك الاستقطاب السياسي والايديولوجي كان من بين اهم الاسباب التي ادت الى قيام حركات التطرف التي استهدفت المصالح الامريكية لاحقا ومنها ما جرى في 11 سبتمبر 2001. ولكن السعودية عادت للامساك بزمام المبادرة وسعت لاضعاف التوافق في اوساط الامة ازاء التدخلات الخارجية، وروجت الطائفية كواحدة من أشد الاساليب اضعافا للصف والموقف الوطني، وقد تنجح في ذلك ما لم تتعمق بصيرة النشطاء والشعوب بخطر التشطير المجتمعي على الاسس الطائفية. عشرة اعوام من العداء العربي للتدخل الامريكي أسست لموقف عربي اسلامي مبدئي يعارض اي تدخل، ويطالب بقيام منظومة سياسية عربية اسلامية تمثل تطلعات الشعوب العربية والاسلامية.

وجاءت الثورات الآن لتحرك سجالا فكريا وسياسيا وايديولوجيا في ساحات الثورة، ولكنه، هذه المرة، بدا متأرجحا ومضطربا. والسبب الاساسي دخول الولايات المتحدة على خط الثورات بهدف توجيهها بعيدا عن استهداف الدول الغربية التي كانت من اهم اسباب بقاء انظمة القمع والاستبداد. واصبح واضحا حالة الحرج لدى الاسلاميين الذين اصبحوا حكاما جددا للمنطقة العربية ازاء الضغط الغربية، خصوصا الامريكية بتخفيف نقاط التماس مع الكيان الاسرائيلي. هذا في الوقت الذي ما تزال فيه القوات الاسرائيلية تستهدف المدنيين في قطاع غزة. حتى بلغ اليأس ان ألمح السيد محمود عباس، رئيس السلطة، الى احتمال سحب اعتراف حكومته بالكيان الاسرائيلي. واصبح واضحت ايضا ان خيار التصالح والتفاوض مع الكيان الاسرائيلي ليس دربا كفيلا بتحقيق ادنى مطالب الشعب الفلسطيني، وان عشرين عاما من مفاوضات اوسلو ومدريد اوصلتا الوضع الى طريق مسدود، وان بناء المستوطنات التي اعترض عليها كافة اقطار العالم سوف يتواصل.

الحركات الاسلامية التي اصبحت نظما سياسية اصبحت محاصرة بالوضع الذي طالما سعت لتعبئته على طريق التحرير الكامل. واشنطن من جهتها اصبحت هي الاخرى محاصرة بمشاكلها الاقتصادية والجغرا- سياسية، فلم تعد قادرة على الاستمرار في مقعد القيادة الامامي، بل اصبحت تبحث عن اقصر الطرق للخروج من المآزق السياسية والاخلاقية. أما مصر فتمثل العمق العربي، وتحتضن جماعة الاخوان المسلمين كحكام جدد، برغم استمرار قوائم المطلوبين من اعضاء الجماعة التي اصدرتها الجهات الامنية باقرار من المجلس العسكري، الذي بدأ يفقد مصداقيته وقوة قراره. مصر اليوم ما تزال تخوض مخاضا صعبا بانتظار ولادة نظام سياسي مؤسس على خيار الشعب وليس مفروضا بالقهر والغلبة والاستبداد والتعذيب. ولكن اتضح كذلك ان بناء دولة الحرية والقانون لا يقل تحديا عن اسقاط نظام القمع، خصوصا مع وجود التحريض الدائم ضد من يتصدى لذلك. وهكذا يبدو المشهد الدولي متداخلا في التعقيدات وممتزجا مع التطورات الاقليمية ذات الطابع الثوري. ويمكن القول ان الصراع الايديولوجي بين الغرب والشرق الاوسط سوف يتجدد على الصعيد الايديولوجي والسياسي، وهو صراع لا يستطيع احد التنبؤ بنتائجه. الامر المؤكد ان هذا الصراع يعتبر تجليا آخر لقضايا الاختلاف التي تتعمق بشكل مضطرد مع استمرار المحتلين في سياساتهم القمعية، ومع التراجع الامريكي على الصعيد الدولي ومحاصرة نفوذه في الشرق الاوسط بقرارات التوسع والاحتلال والاحتراب التي تفرضها الادارة الاسرائيلية، اصبحت واشنطن مطالبة باعادة بلورة سياساتها بعيدا عن النفوذ الاسرائيلي المتلاشي، وقريبا من دوائر الثوار في العالم العربي. لقد فشل الرهان على ‘اسرائيل’ وعلى انظمة الاستبداد، واصبح على امريكا ان لا تقتصر على خفض النفقات فحسب، بل اعادة رسم خريطة علاقاتها مع العالم، ومع الشعوب العربية بشكل خاص، والانفصال السياسي والنفسي عن الكيان الصهيوني الذي كان عبئا على الاستراتيجية الامريكية بدون مردود استراتيجي ذي معنى.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية