الحلقة المفقودة في لقاء نقيب الممثلين ومرشد الإخوان: كوبونات الإبداع هبة الجماعة لأهل الفن!

حجم الخط
0

القاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: أثارت زيارة نقيب الممثلين أشرف عبدالغفور السرية للمرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع تباينات عديدة في ردود الأفعال داخل الوسط الفني. فما بين الرضا عن المبادرة والسخط من التطوع بتقديم التنازل المجاني والإذعان لسلطة لازالت حتى الآن قائمة مع ايقاف التنفيذ دارت رحى الحرب بين فريقين تمثل الأغلبية في أحدهما الرفض لتأسيس قناعات الاستئذان المسبق لإقرار الشأن النقابي الفني وترويع الجماعة الإبداعية من مباديء الحلال والحرام في فقه الجماعة الدينية قبل توليها الفعلي للحكم واستقرارها على كرسي التشريع الدستوري والسياسي، فقد اعتبر التيار الغالب وعلى رأسه وكيل النقابة سامح الصريطي الخطوة الإنفرادية من جانب النقيب تعسفاً في استخدام السلطة للتفاوض والتشاور نيابة عن أعضاء الجمعية العمومية دون الرجوع الى مجلس النقابة المنتخب وهو ما يمثل انتقاصاً من دور الفنانين الأعضاء وربما كان الأكثر استفزازا والسبب الأقوى الداعي للرفض أن عبدالغفور اتخذ قرار المبادرة السرية دون غيره من النقباء الآخرين، بالنقابات الآخرين، بالنقابات الفنية التي تنضوي جميعها تحت كيان يسمى بالاتحاد العام للنقابات الفنية ويشمل نقابة السينمائيين ونقابة الموسيقيين، الأمر الذي أدى إلى طرح تساؤلات حول علاقة الثقافة الشخصية لأشرف عبدالغفور بزيارته للمرشد إلماح الى ميوله الدينية التي ظهرت أعراضها منذ فترة متجلية في اشتراكه بعدد من الأعمال الإذاعية ذات الصبغة الإسلامية وهو إتجاه لا يمثل مأخذا عليه كفنان وإنما يفسر تعاطفه مع فوز الإخوان المسلمين بغالبية الأصوات في انتخابات مجلس الشعب وترحيبه بمشروعهم الثقافي الجديد على خلفية الالتزام الأخلاقي والبعد عن العرى والجنوح الى نمط تعليم الفضيلة ونبذ الرذيلة وفق تصورات قادة مكتب الإرشاد والمعنيون بصياغة أطر ومضامين العملية الإبداعية بما يلائم المرحلة المقبلة لدولة الحرية والعدالة.

يزيد م التباس المبادرة السرية للنقيب والمرشد استباقها لأوانها وقصورها على طرفين فقط لا يمتلك أي منهما حق تقرير المصير للفن أو الفنانين، لا سيما أن الفن إبداع حر بطبيعته ولا يتسنى لأحد تقييده بشروط ومعايير لأنه في هذه الحالة سيفقد هويته وطابعه ويتحول الى خطب ومواعظ موجهة ويتخلى عن أهم ما يميزه تلقائيته، مكمن الخطورة في الوصاية الدينية والأخلاقية على الإبداع والمبدعين هو السجن داخل ثقافة أحادية ينتفي معها تمرد الفن كمكون أساسي للمجتمع ودافع للابتكار والتحريض الإيجابي على طريق التغيير، حيث الثورة ذاتها التي جاءت بالتيار الديني للحكم قامت على هذه الفكرة فلولا الفن النوعي المتسم بالتحريض والتمرد وسيادته طوال الثلاثين عاما الماضية لظلت الأوضاع السياسية كما هي وبات الجمود عنوان كل شيء فقد أطلقت الفنون على مختلف مشاربها ونوعياتها قذائفها الصاروخية على رأس النظام وعرشه فأسقطته عنوة، إذ لا ينكر أحد دور السينما في خوض المعارك الضارية ضد الفساد ورموزه، والبينة هنا على ما تم عرضه من أفلام مثل ‘هي فوضى، حين ميسرة، معالي الوزير، ضد الحكومة وبقية الأفلام التي دخلت في مواجهة مباشرة مع رئيس الدولة المخلوع وحاشيته وبطانته دون مواربة وهيأت الجماهير لانتفاضات كثيرة كانت مقدمات للثورة الشعبية العظيمة ذات الأطياف المختلفة، ولم تكن السينما وحدها صاحبة الامتياز في هذا الشأن وإنما سار معها بالتوازي المسرح الذي قدم نصوص شديدة الأهمية في هذا المضمار مستخدماً الإحالات الزمنية والإسقاطات السياسية للفضح والتعرية والنقد الحاد والجارح ولزوم ما يلزم من توبيخ للطغمة الحاكمة في عز صولجانها وازدهار دولتها، لقد قدم المسرح القومي رؤى وأطروحات فنية وثقافية معارضة كان من أهمها ‘النار والزيتون، أهلاً يابكوات، دماء على ستار الكعبة، الفتى مهران، الملك لير، الخديوي، الجميلة والصعلوك’ ولم يتردد رجالات الثقافة والإبداع في إعلان الرفض والمجابهة، وقد دفعت النخبة ضريبة نضالها واختلافها مرات ومرات وبأشكال شتى تراوحت ما بين المصادرة والقمع والسجن والتهميش والتجويع فكلها كانت أدوات حصار استخدمها النظام السابق للتضييق وحبس صرخة الحرية وتكميم الأفواه وتلجيم الألسنة والعقول، ولكنه الفشل كان قدر الخصوم والأعداء فأبدا لم تستطيع سلطة أن تهزم الجمال ولا تحجب ضوء الشمس عن سماء الفن، إذاً فإن تقييد الحريات ليس بالشيء الخيف لإن من ينشدون الحرية يمتلكون قدرة الدفاع عنها ولديهم الاستعداد لدفع الثمن مجددا إذا تحتم الوقوف مرة أخرى على الصعيد المناويء، ولعل ما يبشر بالصمود والتصدي البديء الفعلي المبكر في تأسيس اتحاد للمبدعين يضطلع بالدفاع عن حرية الإبداع في كافة المجالات ويضم في هيئته التأسيسية رموز الأدب والفكر والفن ليكون منوطاً بهم حماية مشروعهم الحضاري بفتح أبوابه على مصارعها دون قيد أو شرط اللهم غير ضمير المبدع فهو الممثل الوحيد لشرعية الصواب والعقاب في حالتي الإزدهار والإخفاق بعيدا عن دعاوي الترهيب والترغيب والتشجيع والتثبيط، والظن كل الظن أن حق المثقفين في التجديد والتنوير لن يسقط طالما لم تسقط دولتهم ولم يتخلى أي منهم عن دوره وخطابه ورسالته فلن تطفيء قناديل النور رياح الخماسين، بل أنها تزداد توهجاً في عتمة الظلام الدامث.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية