حسام الدين محمد’والله كان القذافي بيسلي اكثر، هذا طلع مثل المسلسلات المكسيكية’، هذا التعليق الفكه (للصديق حكم البابا) على الخطاب المرعب للرئيس السوري دفعني للتفكير في طريقة اخراج الخطاب، وهي مسألة تفصح عن جانب خفيّ لا تتطرق اليه التحليلات عادة.
للمرة الرابعة على التوالي يختار الأسد مكاناً مغلقاً هو مدرّج جامعة دمشق (وهو المدرّج الجامعي الوحيد في سورية الصالح للاستخدام الآدمي)، واختيار مكان جامعي للحديث عن الوطن والشعب والشهداء الخ… يدلّ على هذه الرغبة الملحة لدى الأسد لاصطفاء فئة محددة (نخبة جامعية؟) يحاضر بها لا بصفته قائدا سياسيا او عسكريا او حزبيا بل بصفته معلما ومربّيا (اشار في خطاب سابق الى ان المشكلة في سوريا ان الاطفال صاروا يخرجون عن احترام الدولة وان المشكلة مشكلة تربية، وهو ما يفسّر – حسب كاتب سوري – عدد الضحايا المرتفع من الاطفال بسبب محاولات السلطات السورية ‘تربيتهم’ على طاعة الدولة). المدرج الجامعي، و’مجلس الشعب’ مراكز الخطاب الرئاسي السورية، كلها اماكن نظيفة ومضبوطة (ومحروسة جيدا)، وفيما يجري الحديث عن الشهداء والارهاب والانتصارات الخ… ، تبدو هذه الاماكن كلها بعيدة بعداً قاسيا عن كل ما يجري في شوارع سورية (التي شاهدناها في اثناء الخطاب تتظاهر في جنازات شهدائها)، وتستكمل الأناقة وربطات العنق الرئاسية هذا المشهد المعقّم الذي لا يربطه بالخارج (رغم انه بمجموعه تنديد بالخارج ومؤامراته) اي رابط!
يستكمل الخطاب الموضوع ‘التربوي’ بالحديث عن سلك المعلمين المخلصين للنظام الذين رفضوا ايقاف الدراسة، ويتحدث عن تعرض 1000 مدرسة للتخريب، لكنه يغض النظر عن المدارس التي تحولت سجونا!
كان للفضائيات (موضوع زاويتنا هذه) حصة كبيرة من الخطاب، فقد تحدث الرئيس عن عشرات من وسائل الاعلام ‘تحارب سورية’، كما شاهدنا على قناة ‘العربية’ شاشات كبيرة تعرض هذه الفضائيات كلها وهي تبث الخطاب، وهو يدل على اهتمام العالم بما يقوله الرئيس السوري، وكما تستنكف ‘العصابات المسلحة’ عن التعرض لمظاهرات تأييد الرئيس، فقد استنكفت اجهزة التشويش عن التأثير على ‘القنوات المغرضة’، فخطابات الرؤساء شفيعة القنوات المغرضة في يوم قيامة الفضائيات و’بعثها’. هذه الشفاعة لم تشمل السوريين الذين يفترض ان يكون الخطاب موجها اليهم (او موجها عليهم) فقد استمرّت آلة القتل بطحنهم فسقط 10 منهم حتى نهاية الخطاب بينهم طفلة في شهرها الرابع.
أصادق على ملاحظة الزميل البابا وأضيف على العود وترا: خطابك يا ‘سيادة الرئيس’ كان طويلا جدا ومملا جدا… ومرعبا جداً.
الحسين يقتل من جديديشارك الممثل السوري جمال سليمان في فيلم ايراني عنوانه ‘يوم الحرية’ ذكرت الفضائيات ان ميزانيته حتى الآن هي 23 مليون يورو وانه يبدأ مع وفاة معاوية بن ابي سفيان وينتهي بمقتل الحسين.
يتذكر المشاهد حال سماعه هذا الخبر المعركة ‘الدرامية’ شديدة الحماوة التي كان آخر حلقاتها بث مسلسل ‘الحسن والحسين’ على القنوات العربية في رمضان الماضي، وهو المسلسل الذي أصاب أطرافا دينية (شيعيّة خصوصا) بالانزعاج مما أدى الى منع بثه في العراق.
كما يفكر المرء ايضا في المعركة السياسية المندلعة بين دول الخليج العربي وايران، وكذلك معركة الشعب السوري مع نظامه الدموي، وكلا المعركتين تتقنعان في بعض وجوههما بأقنعة من تلك المعركة القديمة التي خاضها حفيد الحسين ضد الأمويين وانتهت بموته المفجع.
لا يستطيع احد ان يمنع الدراما من تناول احداث بهذه الضخامة في التأثير الرمزي على ملايين البشر، كما لا يستطيع ان يكتفي بالرفض او الاستنكار او المديح، غير ان انقسام الدراما الى ضفتين متناقضتين تناقضا ‘تناحرياً’، وعلى أساس احداث تاريخية ملتبسة التفاصيل، ومهما حاول مجسدوها في مسلسلات وافلام ان تكون موضوعية، ستبقى مجالا للاستقطاب بين خندقين، قد يبدأ تراشقهما بالصورة والصوت، وينتهي بسيناريوهات قيامية مخيفة يحضر فيها امتناع مضيق هرمز عن فتح ساقيه للسفن وقد تصل الى الأسلحة الثقيلة وقاذفات الصواريخ والبارجات والاساطيل.
استطيع، بقدراتي الذهنية المتواضعة، ان اؤكد، ان هذه الافلام والمسلسلات لا تسعى لاحقاق الحقيقة التي تراكم عليها غبار التاريخ وتراكبت عليها طبقات المصالح والاساطير ولا تصب هذه ‘الدرامات’ الا في اعادة شحن الأحقاد والكراهية بمفاعلات نووية.
اتمنى كواحد من ملايين المشاهدين ان يظهر احد فقهاء الدراما الايرانية ويشرح لي كيف تستقيم حقيقة ان اثنين من ابناء الحسن بن علي بن ابي طالب كان اسماهما: ابو بكر وعمر، مع التنظير المذهبي اللاحق الذي جعل من الخليفتين الشهيرين عدوّان لعليّ وللحسن والحسين ولأمة كاملة من المسلمين الشيعة؟
كما اتمنى مثلا ان يشرح احد فقهاء الدراما السعودية لماذا توفّي الامام الأعظم، ابو حنيفة النعمان، دفاعا عن البيت العلوي بعد رفضه التعرّض لأبناء عليّ واتباعهم، وكيف يستقيم ذلك مع قيام شيوخ مدللين في السعودية بالتعريض بالشيعة والعلويين؟
مع تغوّل النظام الايراني بالسلطة، وتوحش النظام السوري وتحججه بحماية الأقليات ضد الأكثرية، لم يعد لاستخدام راية التشيّع من معنى، فأحفاد الحسين الآن هم المظلومون أكانوا شيعة عربستان المضطهدين لعروبتهم، ام سنّة سورية ومسيحييها وعلوييها ودروزها وشيعتها وكردها، الذين يضطهدهم نظام علماني عندما يريد وطائفي عندما يرغب.
ولا أسباب مقنعة لدى ايران تعطينا اياها، وهي الدولة الاسلامية، لتصدّيها لشعب مسلم مسالم مثل الشعب السوري في نضاله ضد نظام قمعي باطش (وفوق ذلك يدّعي انه علماني ويقوم منحبكجيته الغلاة بالدعوة لعبادة بشار)، الا في اجتماع النظامين على شعبيهما بغض النظر عن خنادق المذاهب التي يحاول البعض تلقيمنا اياها.
ولا تفسير لدى السعودية، وهي الدولة الاسلامية، لعدائها لحركة مقاومة اسلامية مثل ‘حماس’، لو ارادت لنا ان نصدّق حميّتها ودفاعها عن المسلمين (او السنّة منهم)، ام ان العداء المذهبيّ لا يستقيم الا ضد ايران؟
تاريخنا الاسلامي ليس ناصع البياض وهو مليء بالحيف والظلم والاضطهاد على اليمين والشمال والوسط، غير اننا اكتفينا من استخدام هذا التاريخ، لسفك دمائنا شيعة وسنة وعلويين ودروزا، وعلى الطغاة، سواء ادعوا انهم مسلمون ام علمانيين، وسنّة زعموا انهم ام شيعة، ان ينزلوا عن ظهورنا التي ركبها اسلافهم لأننا ما عدنا قادرين على احتمال اكاذيبهم واساطيرهم.
هذه الدراما، بملايين الدولارات، ثمنها مدفوع من دمائنا.
لازم تنضرب!
تعجبني ‘حكايات’ اكرم خزام التي تعرضها قناة ‘الحرة’ فهي تخرج المراسل الذي رأيناه يتجوّل من محطة الى اخرى كالبدو الرحل من جو الأخبار المتشنج ومن صيحته الشهيرة ايام عمله في ‘الجزيرة’: ‘اكرم موسكووووو’. في حلقة السابقة من حكاياته (بثت بتاريخ 23 كانون الأول /ديسمبر) تعرض خزام لقضية تعنيف النساء واختار مدينة المحمدية المغربية لعرض بعض نماذج من هذا التعنيف كان أكثرها فجاجة (وطرافة سوداء) حلاق يدعى مصطفى النجار الذي صرّح هذا التصريح اللطيف: ‘ضروري ضروري المرأة تنضرب ولو مرة في الأسبوع’!’حتى لو لم ترتكب خطأ’ يتساءل خزام مندهشا فيجيب النجار: ‘ولو لم ترتكب عشان يكون الحب بينك وبين المرأة بتاعتك’. يقوم النجار باجتراح ما يشبه نظرية في التربية القائمة على الضرب (مثل نظرية الرئيس الأسد) فلولا ان اباه كان يضرب أمه لما صارت اما ممتازة ولما نجح هو واخوته في حياتهم واعمالهم.
خزام كان بالمرصاد للنظرية الضربية مجددا وعاجله بالقول: ‘وهل توقفت امك عن كونها ممتازة بعد ان توفي والدك وتوقف عن ضربها؟”نعم بطّلت تكون ممتازة’! توقف البطش فتوقفت المعجزة التربوية. الآن فهمت خطاب السيد الرئيس!
كاتب من أسرة ‘القدس العربي’