وردة بيضاء للشهداء

حجم الخط
0

عبد الحكيم أبو جاموسجَسَدٌ بِلا رَأْسٍ، وأجْسامٌ بِلا ساقَينِ، أَيْدٍ شَوَّهَتْها النّارُ، أَحْرَقَ وَجْهَهَا البارودُ، أدْماها لَظَى الرُّعبِ المُحنّطِ.في وجوهِ الرّاحِلينَ إلى البقاءِ وفي رُؤوسٍ صارَعَتْ وَجَعَ القَذيفةْطَلَعَتْ، كما قَمرٍ تَشَظّىسَطَعَتْ، كَشَمْسٍ قاوَمَتْ سُحُبَ الغَمامْبَزَغَتْ،كَفَجْرٍظَلَّ يُرهِقُ عَتْمَةَ الأَنْواءِ والليلَ البَهيمَ،فَمَنْ يُخَفِّفُ وَقْعَ مَأْساةٍ مُخيفَةْ ؟!جُثَثٌ تَناثَرَ لَحْمُها بَيْنَ البُيوتِ، وَفَوْقَ أغْصانِ الشَّجَرْقِطَعٌ مِنَ الأَشْلاءِ ساحَتْ ..ثُمَّ ساخَتْ في أتونِ قَنابِلِ الفُسفورِ والحِقدِ الدَّفينْنُسِفَتْ بِريحٍ صَرْصَرٍ، ماجَتْ بِوَحْلِ الرَّملِ،تَحْتَ الرَّدْمِ،فَوْقَ غُبارِ أتْرِبَةِ الدَّمارِتُحَطِّمُ المُهَجَ البَريئَةْالقَصْفُ يَأتي مِن لَظَى الأشباحِ فجأَةْوالمَوْتُ يُخْفي نَفْسَه تَحْتَ الثَّرَى وَيَحُطُّ مِن فَوْقِ السَّماءِ، ومِن عُبابِ البَحْرِ مِثْلَ الصّاعِقَةْمِن حَيثُ لا نَدْري يُطيحُ بِنافَنَسْقُطُ في دَهاليزِ الظَّلامِ المُطْبِقَةْلكِنَّنا لا نَسْتَكينُ،ولا نَهونُ،ولا نُهادِنُ،إنّنا أمَلُ الحَقيقَةِ والأَماني المُشْرِقَةْ****هُوَ ذا لُؤيٌّ* دونَما عَيْنَينِ صاغَ بَيانَهُ،فَتَألّقتْ كَلِماتُه زَهْواًتُعَرّي الكاذِبينَ المُجْرِمينَوَتَصْطَفي لُغَةَ الحَقيقَةْأَمّا جَميلَةُ**،طِفْلَةٌ رَقَدَتْ بِلا ساقَيْنِ كَالفَرَسِ الجَريحَةْفيما المَنايا تُحْتَضَرْوَكِلاهُما سَرَدا فُصولَ حِكايَةٍ لا تَنْتَهيالحُزنُ يَصْرُخُ مِن ثَناياها، وَيَقْطُرُ مِن بَقاياها الألَمْوَتَصيحُ مِن وَجَعِ الكَلامِ أَعِنّةٌ مَسْروجةٌفيها المَشاعِرُ تَضْطَرِمْ ومصابةٌ كانت تُحدّثُ عن وفاةِ الزَّوْجِ والأَوْلادِ، والجيرانِ، والخِلِّ الوَفِيّْتَرْوي، فَتَنْقَبِضُ القُلوبُ أَسَىً وَتَنْهَمِرُ الدُّموعُ لِهَوْلِ ما سَرَدَتْشُقَقٌ،عَماراتٌ، وَأبْراجٌ تَهاوَتْ مِثلَ فَلّينٍ، وَذابَتْ في جَحيمِ المَعْمَعَةْسَقَطَتْ على لَحْمٍ طَرِيٍّ،يا لَهَوْلِ الفاجِعَةْهَرَسَتْهُ وَاعْتَصَرَتْ بَقاياهُ فَضَجَّ الأحْمرُ القاني دَمابَكَت القُلوبُ وَأُثْخِنَتْ هَمّاً وَغَمّاكُتَلٌ مِن اللحمِ العَصِيِّ تَفَحَّمَتْأشْلاءُ أطْفالٍ غَدَتْ أرواحُهُمْفي ذِمَّةِ الرَّحمنِ ساكِنَةً تُصَلّيوَتُسَبّحُ الإصرارَ في ألَقِ الوُجوهِ النّاصِعَةْوَالصّامِدونَ يُسَطِّرونَ بَهاءَنا فَخْراً وَصَبْرايُذكونَ أحْلاماً تُراوِدُنا،وآمالاً تُراوِحُنا،لِنَرْفَعَ وَرْدَةً بَيْضاءَ لِلشُّهَداءِ والجَرْحَىوَنَقْطفَ وَرْدَةً حَمْراءَ لِلأحْرارِ وَالثُّوارِ،مَنْ صَمَدوا بِوَجْهِ العاتِياتِ مِنَ الرِّياحْيا رَبَّنا،اغْفِرْ لَنا،إنّا كَفَرنا بِالأواصِرِ والقَراباتِ الهَزيلةْسَنَظَلُّ نَلْفظُها وَنَبْصُقُ في وُجوهِ دُعاتِهاسَنَزيدُ إشْراقاً وَهُمْيَهْوونَ في دَرَكِ النُّفوسِ الخانِعَةْ****يا أيُّها البَطَلُ المُزَنَّرُ بِالمَدَى عَزْماً وَهِمَّةْأَطْلِقْ عَنانَ الرّوحِ،مِثْلُكَ لا تَلينُ قَناتُه،عَبّئْ صَناديقَ الذَّخيرَةِ في ثَناياها، سَدّدْ فَإن الرَّميَ أصْبَحَ قابَ قَوْسٍ أوْ يَزيدْوارجُمْ وُجوهَ الكالِحينَ،فإنَّ مَوْعِدَنا غَداً صُبْحُأَطْفالُ غَزَّةَ لا يَهابونَ المَناياأضْحَتْ عِبارَةُ نَحْرِنا عادِيَّةًما نَحْنُ فيهِ يَفوقُ وَصْفَ النَّحرِ أوْ ذَبْحَ الوَريدِ إلى الوَريدِ،وَلَمْ يَعُدْ يَنْجو بِنا النُّصْحُ صَبّوا الرَّصاصَ وَسَمّموا أجْواءَنا،وَنَسوا بَأنّا لَحْمُنا قَيْحُتَعِبوا وَما تَعِبَتْ نَوارِسُ بَحْرِناكَلا ولا كَلَّتْ مَراكِبُناقَدْ طارَ مُحْتَدِماً بِها الصُّبْحُصُعِقوا لأنّا لَمْ نُسلّمْ أمْرَنالَمْ نَرْفَعِ الرّاياتِ بيضَاًبَلْ رَفَعْنا هامَةَ الشَّرَفِ الرَّفيعِ، فَهَلْ يَفيقُ الغافِلونَ النائِمونْما عادَ يُجدي الضَّربُ والشَّبْحُسَنَظَلُّ في شَمَمٍ نُقاتِلُ، لَيْسَ يُثْني عَزْمَنا جَمْعٌ ولا طَرْحُإنّا كَسَرْنا حاجِزَ الصَّمْتِ الرَّهيبِفَيا قُلوبُ تَصَبَّري، هذا الزِّنادُ يُثيرُه القَدْحُواتْرُكْ لَهُمْ خُذْلانَهُمْوَليَشْبَعوا رَقْصاً على آلامِنابِدِمائِنا سَيُحَقّقُ الرِّبحُهُوَ وَحْدُهُ،مِن ضيقِهِ،وَنَحيبِهِ،قَدْ يَبْرَأُ الجُرْحُنُعْلي سَناءَ المَجْدِنَرْمُقُ فَجْرَنا الآتِي وَلَيْسَ يُضيرُنا الذَّبْحُ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية