عمر الأنصاري ‘طبيب تنبكتو’: يداوي الطوارق ببلسم الرواية

حجم الخط
0

أحمد المديني 1ـ يتضمن الأدب، من بين معانيه العديدة، معنى الشهادة، وتعتبر الرواية التي هي اليوم أقوى الأنواع الأدبية وأنفذها في التعبير عن الذات والحالات والمصائر الإنسانية، الأجدر بإعلان موقف الشهادة، ورسم إطاره وتخطيط مساره، وتشخيص الصورة الخاصة والعامة التي يمكن أن يتجلى بها. يقع هذا المعنى، وضمنه الموقف الذي يتمظهر به، والخطاب الذي يعلن عنهما معا في قلب النزعة التي تتخذها الفنون والأدب سيدة لها، على رأينا، النزعة المسماة حديثا، تحديدا ابتداء من نهاية الأربعينات الماضية، بالالتزام، سواء في شقه السياسي المباشر، أو الوجودي المرتبط باختيار الذات وحريتها، في العلاقة بمحيطها. 2 ـ وإذا كان الذهن ينصرف للوهلة الأولى مع هذه النزعة إلى المضمون مباشرة لوجود دلالات تستخلص منها وتمثل في الأخير المعنى العام المرادف لفكرة الالتزام وخطابها الراغب في التأثير والتذكير، بل الداعي إلى التحريض أحيانا، فإنه يطرح بالنسبة للكاتب، وبالنسبة للمتلقي، أيضا، على نحو معين، سؤال الصيغة الأنسب للتعبير، لنقْلِ المعنى، ووضع الشهادة، كلما تعلق الأمر بخطاب لغوي ذي إرسالية ملتزمة، موجه إلى مرسل إليه معين. فبذا يتحدد الأدب، ويتعين، بالتالي، الجنس الذي ينضوي فيه، و’يلتزم’ فنيا به، إضافة إلى حمله. 3ـ سواء فكّر المؤلف في الصيغة الملائمة، أو وجدناه ينسج ويضع القالب الأكثر ملاءمة، وأحيانا الإتفاقي، المجازف، فإنه يكون قد اختار ما سيوجه خطابه وينظمه، بل ويقننه عبر اختيار طريقة نسجه، وقالب وضعه، ولا يمكنه القول في ما بعد بأنها واحدة من طرق، ولو شاء لأعاد الكتابة على نحو مغاير، وما شاكل مما يتباهى به بعض الكتاب متنطعين، شبه منكرين العلاقة العضوية الحتمية بين الشكل والمضمون، وقبلها وجود وعي واضح بالفكرة لدى الكاتب قبل أن يتجسد عمله بالإنجاز وخلاله، مستمدا من رؤية وذاهبا في خطها وأفقها. 4ـ بعبارة أخرى، أكثر قصدية، فإن الكاتب يعرف هدفه وإمكاناته، أغلبها، مسبقا، ومن المؤكد أنه إما يطورها، أو يعدل خطته في الطريق، ومهما تحايل فالهدف من الكتابة لا يخفى، ومن ثم فإن عملية التجنيس القولي، والتسويغ الفني، وما شابه، لا تجدي عند من لا فنّ له، وكل ما هنالك أن خروج القول عن مداره المرسوم، أو بطرحه على مستوى المزاعم، إنما يخلق بلبلة مؤقتة واضطرابا في المفاهيم، وتشويشا على التعبير الأدبي، هي كلها شوائب طغت في المرحلة الأخيرة على الأدب العربي ولوثته شعرا ونثرا، ولم يعد خيرٌ كبير يُرجى من وراء النقد التالف بدوره ليطهرها، لذا ليس لنا إزاء هذا التلف إلا الصدق والصبر، والله المستعان. 5ـ ما لا يمنع من بزوغ بصيص أمل من شمس نصوص، لا نعرف أصحابها، ولا نتوقع منها سلفا مفاجآت، ولا يواكبها ‘هتّيفة’ وكتاب مقدمات مدفوعة الأجر، وإنما تغامر بالظهور بقوة إيمان أصحابها بأن ما عندهم منذور للقول والوصول إلى أبعد منهم، بحكم أنه رسالة ووصية من جيل لجيل، ومنه كذلك أن جرحهم يفيض بنزفه فيتعداهم، باحثين في القول الأدبي عن بلسم، مدركين بالفطرة أن لا بلسم للروح الشعرية إلا عبارتها، واجدين شهادتها منها، وفيها تلفى خلاصها.6ـ تواتي هذه المقدمات، هي بمثابة مدخل واحترازات، النص الذي سنقرأ، يتقدم بهيئة رواية: ‘طبيب تنبكتو’ للكاتب عمر الأنصاري. ذلك أنها في مجملها تصلح للتمهيد له، على الخصوص تحمّله لمسؤولية الشهادة، المقترنة باعتبار الكتابة موقفا ورسالة، أي تستوجب من حامل القلم الالتزام في الحياة والتعبير عنهما وفق منظومة عقيدية وثقافية، مرتبطتين بأرومة محددة. ما يجعل الكتابة موصولة مباشرة ببيئة، وخطابا للإنسان في نوازل متعينة، كما لو أنها رسالة سماوية، يحملها بشر مؤهلون، هم أولياء وذوو كرامات، والكُتاب من ضربهم لو نزعنا عنهم زخارف البلاغة وشطحات الخيال، الألصق بالشعراء. وعمر الأنصاري، الذي يصدر روايته الفتية (المؤسسة العربية للدراسات والنشر2011) في مطالع الألفية الثالثة لا نعرفه من ‘قبيلة الكتاب’ وإنما ظل يتخفى طويلا تحت عباءة من يقول مرتجفا كمن ينتظر الوحي: ‘دثِّروني؛ زمّلوني’، إلى أن خرج على الناس جميعا، على أهله، شعبه، من بني جلدته ‘الطوارق’ خاصة بتنزيله الأرضي الموسوم ‘طبيب تنبكتو’ وما كان بالغ لو عنونه نبي، أو ولي، أو شيخ، أو قائد تنبكتو، إذ هي كلها تسميات تؤدي الغرض، وتفي بمسؤولية الشهادة. 7ـ إذن، فالمتلقي الأول لهذا العمل، وقبل ذلك بطله ومكونه/ مكوناته ومكنوناته من جميع النواحي تقريبا، هو الطوارقي، نسبة إلى شعب الطوارق. وإنه لمن اللافت للنظر أن نجد الناشر يعرف الكاتب كالتالي: ‘عمر الأنصاري/مؤلف من الصحراء الكبرى(تنبكتو) مالي’ وفي الوقت يضع العمل في تصنيف ‘رواية عربية’. هو بهذا يقرن ربما من حيث لا يدري ويريد، بوجود جغرافية سيادية تؤكد الجغرافيا التاريخية والثقافية التي عاش فيها الطوارق أحرارا وكانوا سادتها قبل أن يتدخل الأجنبي، ويقيم الاستعمار حدود دول جديدة ليصبح الطوارق، أو بتسميتهم هم ‘كِل تماشِِق’ مجرد أقوام رُحّل في الأطراف الصحراوية الممتدة والمتقاسمة بين جنوبي الجزائر، وليبيا، وأطراف الساحل، ومالي شمالا، وبوركينا فاسو.. وفي الوقت نفسه لا نحسب المؤلف راضيا عن هذا التصنيف بوصفه يلحق أرضه، الكيان الذي ينتمي إليه، أو سلالته، في نهاية المطاف ببلاد مالي، التي هي جمهورية مستقلة منذ سنة 1960، وهو لا يستقيم نهائيا مع الأطروحة التي يدافع عنها عمر الأنصاري، بناء على التاريخ الذي يسنده، ويقدمه في مؤلفه السردي في صيغة رواية شهادة أو شهادة روائية.8 ـ فالأنصاري، أولا، طوارقي( من قبيلة ‘كِل أنصار’) وهو شخص معلوم سبق أن كتب عن هذا الموضوع التاريخي والإنسي، الذي أضحى مع الزمن إشكاليا من كل النواحي، في تأليفه المعنون:’الرجال الزرق.. الطوارق، الأسطورة والواقع’، والذي يمكن اعتباره القاعدة التي ينهض عليها التأليف السردي، ومرجعياته الضرورية بغية فهم أعمق للشخصيات والمصاعب المتعددة التي عاشها هؤلاء الأقوام وحددت مصيرهم المأساوي. في هذا الكتاب وفي غيره مما يتصل بالموضوع يمكن الاطلاع على معلومات وإضاءات تفيد القارئ ولا يسعفنا المجال لاستعراضها، حسبنا الإشارة إلى العام مما سنجده مبثوثا في متن الرواية. أوله الإقامة الصحراوية الشاسعة والمتحركة للطوارق، وتنقلهم في مناطق الرعي وعيشهم على مردوده، وتوقف حياتهم على ذلك. ثانيهم، نسبهم الأمازيغي، الوافد من الشمال الإفريقي، والمتخلل بالثقافة العربية، منقولة مع صنهاجة، وتأثير المرابطين والسعديين المغاربة بصفة خاصة، في ظل وشغاف العقيدة الإسلامية التي هي ديانة كل الطوارق، وتغلغلت في نفوسهم حدا من التقديس والصوفية العاليين، ما تجلى في عشرات المساجد والزوايا المنشأة في تنبكتو، وحفظ القرآن الكريم والمتون الفقهية واللغوية والأدبية المصنفة، كذلك في ثروة زاخرة ونادرة من المخطوطات في الثقافة الإسلامية، المتوفرة أو المفقودة. ثالثا، شيمهم العالية الممثلة في الشجاعة والكرم والنبل والاستقامة والتآزر، ونزعتهم المحافظة مما قوّى نفورهم من الأجنبي، وامتناعهم في الماضي عن ولوج مدارسه والابتعاد عن مظاهر حماه، فهو عندهم محتل (الاستعمار الفرنسي) ومن ديانة غير دينهم فسمّوا الفرنسيين بـ ‘الكفار’ (إيكوفار). ومن السجايا حظوة المرأة لديهم، يبوؤونها وهي زوجة مكان الأم والأخت، ولها الرأي الحاسم. ثالثا، حب القوم للحرية لدرجةً تجعلهم يتمردون على أي حدود، وهذا بعض مشكلتهم مع الدولة الحديثة ذات الحدود والأوراق والمنشئة للهوية الرسمية، التي جاءت في عرفهم لتنهبهم باسمها وهم لا يعترفون إلا بامتداد الصحراء كمجال طبيعي للحياة، متى ما لبّت حاجتهم، ولم تجبرهم على الظعن والاستقرار شأن كثير منهم اليوم، وإن بقي نداء الصحراء يحفر مجراه عميقا في نفوسهم أبدا، وهم يتبعونه في الحل والترحال بلا كلل. وهم رابعا، قد عانوا في الماضي قدر ما يعانون في حاضرهم، وإن تبدلت الأحوال. أمس كانوا يعتبرون الصحراء ملكهم، كما الإسلام دينهم، وتماشق لغتهم، وهم الذين أسسوا تِنبُكتو في القرن الثاني عشر، والعربية تراثهم، لا يقبلون التعدي عليهم بأي منطق. فجاء الاستعمار ومنطق الدولة الحديثة الناجمة عن إرثه ومصالحه، ليقلب لهم ظهر المجن، مضحيا بواقعهم، مُكوْبسا أحلامهم، لم يهدأوا يوما، وإن سكنوا في آخر ثورة لهم (1992) مؤقتا، تخلوا عن حلم الدولة، وباتوا يطالبون بحقوق مواطنة كاملة ترد عنهم غائلة التهميش، وتحفظ لهم حقوقا خصوصية، هم أعرف بها، بقدر ما هم أعرف بأنفسهم من غيرهم(!).9ـ ليكن معلوما أننا لم نبتعد قيد أنملة عن الرواية، بل نحن في صلب مدونتها، إذ هي جزءاً وكلاً تمتح من هذه المناهل، مع الفارق اللازم، وهو تسريبها لها وتفريعها في الجداول والروافد التي هي بها أليق، وعليها المعول أخيرا في هذه القراءة. ففيما جمع عمر الأنصاري مادته الروائية كلها بدقة فاحصة ودراية محنكة، وخبرة مجربة، زيادة على امتلاك الانتساب إلى الأرومة، عمد إلى مَخْيَلتِها لتستحق الالتحاق بعائلة الأدب، وتتبوأ مكانتها في جنس الرواية. ولاشك، يعلم ناشئ الأدب، قبل الراسخ فيه، أن من شروطها ونواميسها الانفراد بالتجربة، وفردنة الوضع العام بتذويته من خلال طرحه وتجسيده في الوضع الخاص. لذلك تحتاج الرواية إلى بطلها، ويتولاها دائما سارد من وجهة نظر معينة، وتتبلور أفعالها مع مواقفها، فضلا عن مشاعر شخصياتها، من مقترب ذاتي محض، وإن كان لا ينفصل عن محيطه ذي الاشتراطات الموضوعية. وقد جمع المؤلف بين الحسنيين، صنيع من يعرف ما يريد، بأن وحّد فيه دوريْ السارد والبطل الرئيس، تجدهما يتفردان ويتخصصان كلما اقتضت الحاجة، يصبح الضِّعف واحدا مكثفا في حالته، إما مُنشئا لخطاب الذات ولواعج النفس، أو متخلصا من نزعته الذاتية، متحولا إلى راصد، وشاهد على مجريات الأمور بعدسة الراوي والوصف والتقويم أحيانا، وطورا يتكامل الموقفان ويتبادلان الأدوار بمرونة حتى إنك لا تكاد تحس متى حدث الانتقال من موقع إلى آخر، وتبدل الخطاب من الشعري إلى الوصفي، أو من هذا إلى ذاك.10ـ تعتبر المادة المتوفرة لدى المؤلف وثائقية بالدرجة الأولى، ضمّها مصنفُه الأول، وهي مبذولة في مضانّها لمن يسعى لمعرفة تاريخ وعيش الطوارق. لكن المعاني كما قال الجاحظ ‘مطروحة في الطريق (…) وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك. فإنما الشعر[الأدب] صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير'(الحيوان، ت عبد السلام هارون، 1938، القاهرة، ج3، ص131)، وقد اختار الأنصاري الرواية قالبا وصناعة ولغتها نسجا، وهو اختيار، كما سيتضح لنا، واع ومكلف ومحفوف بمخاطر أيضا، ليس أقلها ما يجابه المادة التاريخية أو المعلومة، فيحتاج أن يتفوق عليها بإعادة خلقها على نحو إما غير مسبوق، أو مغاير. وقد اعتمد لهذا خطين، قل خطتين:

الأولى، ووسمناها بتذويت المحكي، قد توحي للقارئ بنفَسٍ سِيرـ ذاتي، للاعتبارات الشخصية للمؤلف نظنها تتراجع إلى الخلف لتُمكِّنه من صهر الشخصية والسارد في بوتقة واحدة حققت لهما التماهي المطلوب روائيا. الثانية: وضعه للسرد على سكة الحكاية، واستعارته لطرقها التي لا يتخفى فيها من يروي، ويقدم محكيه مفردا ومجتمعا، ويستدعي له ما وسعه من حوافز الإثارة والتشويق، ويضفي عليها مظاهر المبالغة والترويع باستثارة الذاكرة وتجميح المخيلة. ويبقى أهم ما في المعالجة الحكائية ابتعاد السرد عن أي تلاعب من أي طريقة من الطرائق التي تواترت أو تستجد في الفن الروائي، وخاصة في المنظور، أو ترتيب الزمن، أو تلك المتعلقة بأفعال الشخصيات وطريقة نفث هواجسها الخ.. هكذا، نحن أمام سارد (راوٍ) يحكي على السجية، أو يبدو كذلك، من شدة خبرته بمادته، واستيعابه لعوالم محكيه، ولأنه وجدانيا متمثل لها، وقبل هذا وذاك مقتنع برؤية العالم الذي يصدر عنه المحكي، محرض على معتقده.11ـ لا غرو، فهي طريقة تنسجم مع المروي، وهي فيما ترويه تعيد بناء عالمه، نراه ينهض لبنة فلبنة، قل كثبا وخيمة تلو خيمة، لأننا في الصحراء الكبرى، المجال الحيوي للطوارق، واقعاً وأسطورة، كما يحلو للأنصاري القول. وعلينا أن نتتبع خطوات البطل محمد في نشأته الطفولية، وترعرعه بين أحضان الأم والعم خاصة، وفي أجواء مسقط رأسه الواحة ‘ترايت’، ومن عينيه، وعلى لسانه الذرب، تتكون، كما لو أنها بداية الخليقة، حكاية الطوارق، بعاداتهم وسجاياهم وثقافتهم ومعاناتهم وأسلوب معيشهم، وصراعهم من أجل البقاء بين المركز الذاتي في حدود صحرائهم، والمحيط الذي يتهدد هذا المعيش، وهم يعبرون الزمن بين شد وجذب.

على امتداد 250 صفحة سيولد البطل محمد ويحفظ القرآن وهو فتىً ويخرج مع عمه إلى الصيد ويتمرن على عادات القبيلة ويتشبع بطقوسية ‘الرجال الزرق’، ينعم بنعيمهم ويشقى حين يشحّ المرعى، ويمسي لا مناص من الرحيل، وهو الانتقال الذي بقدر ما يوسع من دائرة التعرف على المجال الطوارقي، والصحراوي بصفة عامة، بقدر ما يسهم في التربية العاطفية والثقافية للفتى محمد، يتبع خطى أبيه، ويقتفي تأثير عمه وخاله، ويواصل تنشئته، من غير أن يبرح قيد أنملة الحضانة الجارفة لأمه، مثال الحظوة الفائقة للمرأة في هذا المجتمع. تبرز انتقالات محمد وأسرته وما يجري لأفرادها، والعلاقات التي يقيمونها بمحيطهم، قرابات مستحكمة، ولاءات وعناية من أطراف موالية ومتبركة، في مجملها مجموع الأنسجة الصانعة في عالم تتشابك فيه مفردات الصحراء والتجارة والقيم الرعوية والبركة والصراع العرقي زيادة على عنصر الدخيل الأجنبي بما أحدثه من انقلاب في الهيكلة القبلية والثقافة والمصالح الاستراتيجية الجديدة التي فككت وأعادت تركيب الصحراء بصورة الدولة الحديثة، هذه التي أجهزت على الحلم الطوارقي، ضاع بين خطط ‘إيكوفار’ وسلطات الدول.12ـ ‘طبيب تنبكتو’ يقع في قلب الصراع من هذه العلاقة، محاولا تجسير عالمين متنافرين عبر مصالحة إنسانية عاطفية، من زاوية انتقال محمد من رعوي إلى مساعد طبيب(ة) في تنبكتو (انتقال مكاني يفيد بالحاضرة والاستقرار)، حيث سيتعلم من ميشيل من بعثة الصليب الأحمر كيف يعالج المرضى وينجد الجرحى، وكأن القصة تسعى لنقلنا من حدود ‘الرواية الرعوية’ Le roman pastoralبقيمها وخصائصها المتعينة، إلى الجغرافية البشرية والحضرية لما يسم الرواية الحديثة. ومن نافلة القول أن هذه الأخيرة تناقض السالفة في ضرورة تمحور الصراع فيها على قطب مادي وقيم محسوسة، لا مجردة أو ميتافيزيقية، وهو ما لا يحسم فيه المؤلف، الذي لا يستطيع بطبيعة الحال أن يقفز فوق حقائق التاريخ، وجعل مهمته، كما ذكرنا، تنهض على تقديم موقف الشهادة عن قومه (الطوارق) والانتصار لقضيتهم. هو الموقف الذي جعل العمل قابلا للاندراج في السياق الملحمي من حيث مكوناته وغنائيته والقيم المطلقة (غير القابلة للتحقق) لأهله. وللغنائية هنا عديد تجليات، منها النزعة التصويرية والروح الطبيعية والطباع البدوية، والخصال الطوارقية والتقاطبات المثالية في ثنائيات الخير والشر: الإيمان وإيكوفار، الرّي والجفاف، الانفساح اللامحدود والقيد الجديد للهوية والحدود، البشرة البيضاء ونقيضتها السوداء مع تلميح ما يحمل التضاد من معنى خفي تلاعب به الاستعمار، وما قام به الحاكم كيتا استبدادا وإبادة (في مسلسل إشارات تاريخية ترمز لمعاناة الطوارق مع حكام مالي والجوار)، أضف إلى هذا رصيد الكرامات كما يجسدها الشيخ الرّزّوق الذي ينتصر على الأعداء باسم قومه، ومن أجل خلاصهم، بقوة الرؤيا ويشفيهم بترياق التقوى، وهم كلهم متعلقون بالخالق، في مقدمتهم الفتى محمد الذي سيكبر ولا تفوته الصلاة أبدا، ولا تغويه مشيل البتّة رغم تعلقه بها، قد رهن حياته لتنفيذ الوصية المجهولة للوالد، الدفينة في صندوق مغلق لا يجرؤ على فتحه، ولكي يواصل رسالة الشيخ الرزوق، بأن يمثل امتداد الروح الصحراوية الرسولية، التي ستختفي (محمد سيختفي في نهاية الرواية) الاختفاء الرمزي الدال على أن مهمته لم تنته بعد، وأن الرؤيا الزروقية ستستمر، ومعها الحلم الطوارقي، ذاك. ما هو؟ هنا ذروة الغنائية متمثلة في الرؤية الحنينية (La nostalgie ).11ـ من نحو آخر، فإن الغنائية كإيقاع للطبيعة والمعيش، والملحمية كأفق ممتد في المطلق وسطوة لنظام الأسطوري على الواقعي، وهو متجذر فيه في آن، ينهضان في الرواية على إقامة أعمدة المعرفة الموسوعية، تماما كما تقوم خيمة الطوارقي الفسيحة على عمد راسخة.

معرفة يقدمها الكاتب مُنضّدة في سجلات مفروزة ترسم بدقة ونفعية تامة إطارَ الحياة كما يعيشها الصحراويون، ممثلين بشخصيات الرواية. إنها سجلات مفيدة حقا تندرج في قسم منها في علم الإناسة، وبعيدة عن أي طابع فولكلوري أو استغرابي، كتلك النزعة التي نجدها لدى كثير من الرحالة والكتاب الأوروبيين ممن اشتغلوا بتدوين المجال الصحراوي، ويمكن تصنيفها وفق الأنظمة التالية:1ـ نظام الطبيعة.2ـ ن المناخ.3ـ ن الرعي.4 ـ ن الصيد والمواشي.5ـ ن المأوى.6 ـ ن الترحل.7ـ ن الكسوة.8ـ ن الذكورة.9ـ ن الأنوثة.10ـ ن الأمومة.11 ـ ن التغذية.12ـ ن الوفادة.13ـ ن المعتقدات.14 ـ ن العادات والطباع والسجايا.15ـ ـ ن الزواج.16ـ ن الفروسية.17ـ ن الحرب.18ن التعليم.19ـ ن التربية.20ـ ن التراتب الاجتماعي. تتنمذج هذه النظم جميعها، وغيرها، في البنية الوصفية (السطحية) للرواية، تارة، وأخرى، تتخلل وتكوّن بنيتها (العميقة)، وفي الحالتين تمثل إلى جانب المرجعيات التاريخية، مقروءة ومرموزة، والأفعال والحوداث المادية، والشطحات المخيالية، بدورها، مجموع السنادات الواقعية لهذا العمل الذي حرص على تشخيصها، وكل ما شطّ وجدانُ الشخصية أو اصطاده شطط التصوير أو البوح الروحي، لا يلبث أن يستعيد إدراك من هو مكلف بالشهادة.12ـ قلنا في السابق إن المؤلف كتب عمله على مقتضى الحكاية انسجاما مع مضمونها ورؤيتها. تقويم أردنا به ضبط طريقة في سرد الرواية، وحصر موقع ساردها، البطل في آن. وإلا فإن ‘طبيب تنبكتو’ توفرت على ما هو أقوى تمثيلا وأرسخ عمادا للإقناع بشرعية الانتساب إلى نسق السرد الروائي، كأن مؤلفها فطن إلى ما أضحى يسود هذه الكتابة من تهافت أصبح معه كل ملفق ومهدار روائيا، فحرص وهو يجمع بين عالمين متنافرين، الملحمي والواقعي، على إعلاء الشأن الواقعي الذي هو مدماك جنس الرواية قبل أن تتمَخْيَل على هوى كل كاتب حتى لتذهب في خيالها عجبا؛ َتمثلَ حرصه في رسم مثلث بزوايا حادة قاعدته الإنسان (= الطوارقي الصحراوي) وضلعاه الطبيعة (= الجفاف) والدخيل (= إيكوفار). إن صراعه مع هذين الخصمين، ومن خلفهما أتباع وجزئيات، هو ما يخلق أسباب الحياة، وينذر كذلك بمخاطر الهلاك، وبذا فإيقاع الرواية الدفين منتظم حول هذا الصراع، الدرامي، وهذه هي المهيمنة التي تحتاج إليها الرواية لدى كتابتها، أو تنقلب نثرية بلا نظام ولا أسلوب.13ـ وقد كتبت رواية ‘طبيب تنبكتو’ بالأسلوب الذي يجعلها منسجمة مع رؤيتها، متراوحة، كما قلنا بين عالمين: الغنائي ـ الملحمي، والواقعي، ما جعل ألفاظها جزلة متخيّرة، وعبارتها متسقة تهب لكل مقام مقال، وفق شروط الفصاحة والبلاغة العربية (الكلاسيكية)، لغتها منخولة قلّ أن تجد لها نظيرا في لغة هذه الأيام، تعيد للعربية اعتبارها، وتذيب الحدود بين القديم والحديث. تجد للصحراء أسلوبا وخطابا، وللحاضرة وأهلها لغة مناسبة، وتذهب في الصوفي إلى نسغه، وتنهل العاطفي من معينه، وفي هذا كله وسواه، أي تقلبها بين سجلات لغوية، تتنقل فيها على رسلها، تصنع أسلوبها المخصوص، وإنه لاختبار لمن يطرق باب الرواية للمرة الأولى وأي اختبار، كأن تراه يجدل النثري والشعري في ضفيرة واحدة، ويحكي بروح جذلة. 14ـ لنقل على سبيل التركيب بأن هذا العمل، بالأدوات والمواد المرصودة لكتابته، والبيئة المحتفى بها، والرؤية الصادر عنها، بطرائق الحكي المعتمدة لتوصيلها، يمكن إدراجه في سلك سردية مغايرة عن الرواية العصرية المتعارف على كونها حضرية بالدرجة الأولى، وهو ما يعترض عليه واحد من أبرز كتابها (إبراهيم الكوني) المشتهر باشتغاله الدائم على عالم الصحراء، يعتبر أن الرواية مهيأة لاستيعاب ما هو خارج وأبعد من الشروط الغربية التي أنجبتها. نحن نعتقد أن المشكل في مكان آخر، أي في مدى مهارة الكاتب لتحويل الساكن إلى متحرك، والمجرد إلى محسوس، والبسيط إلى مركب، والهلامي إلى مشخص، أي إلى نقل مواد الحياة ومعضلاتها، أيا كان مصدرها وعالم الصحراء منها، في قالب ورؤية روائية الزمن الحديث. هذا رهان نعتبر أن الرواية العربية المعاصرة تقدمت فيه ببعض التجارب الجيدة منها روايات علي المقري، ويحيى امقاسم.. والأنصاري اليوم بهذا النص الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية