المهرجان الدولي للواحات يعيد الأمل للسياحة التونسية

حجم الخط
0

تونس ـ من إياد صالح: تحت محور ‘إيقاعات الانعتاق’ نظمت المندوبية الجهوية للثقافة بتوزر الدورة الثالثة والثلاثين من المهرجان الدولي للواحات آخر شهر كانون الأول الماضي، وتضمّن برنامج المهرجان عديد الفقرات التي تنوعت على صنوف من الإبداع بمشاركة أطراف متنوعة من مكونات المجتمع المدني في شراكة مثمرة. وقد شكّلت الدورة الجديدة للمهرجان فرصة لتحريك سواكن السياحة التونسية في الجهة والتي سادها الكساد منذ انطلاق ثورة الكرامة، حيث شهدت المدينة والمدن المجاورة حضورا كبيرا جدا للتونسيين الذين فضلوا قضاء عطلة الشتاء في رحاب الجنوب والواحات.

حيث التأم يوم دراسي حول الواحات القديمة بالجريد التونسي ويوم دراسي حول آفاق السياحة الصحراوية، فضلا عن ندوات فكرية وعلمية، كما تضمن البرنامج عديد المعارض والعروض والفعاليات وأيام الصناعات التقليدية التي شارك فيه أكثر من 100حرفيّ وحرفيّة من كلّ المحافظات التونسية تقريبا فضلا عن مشاركات ليبية، وشهد إقبالا جماهيريا هامّا خاصة مع تدفق الآلاف من التونسيين من كل المحافظات على توزر خلال الأسبوعين الأخيرين من العام الماضي. وتضمن المعرض عديد الاختصاصات وخاصة منها النسيج اليدوي واللباس التقليدي والخشب والسعف، السمار والنسيج الحائطي والبلور والحرير والتزويق على المحامل.

اليوم الأول انطلق بافتتاح الندوة الدولية التي تحمل عنوان ‘توزر التاريخ والمتوسط’ حيث قدم فيها الدكتور يوسف الصديق مداخلة أتى فيها على العلاقة بين مدينة توزر وعلاقتها بالحضارتين الفرعونية والإغريقية وقد انتظمت الندوة بمشاركة فاعلة لجمعية ابن الشباط للتنمية والعدالة الاجتماعية، وتابع الندوة جمهور متنوع شارك بطرح الأسئلة على الأستاذ الصديق ومناقشة ما جاء في مداخلته وردوده في جو لم يخلو من طرافة دعابة في مواقع كثيرة وخاصة حينما يتعلّق الأمر بتفسير لبعض آيات القرآن الكريم حيث يتعمد الباحث ضرب أمثلة من واقع العرب والمسلمين اليوم.

كما تمّ في نفس اليوم افتتاح معرض لمنتوجات جريد النخيل بعنوان ‘نافذة ثقافية على إفريقيا’ بالتعاون مع جمعية صيانة مدينة توزر ويبرز استغلال جريد النخيل في كثير من المنتوجات من أهمها الديكور ووسائل الزينة. خلال اليوم الثاني من المهرجان تمّ انتظمت ندوة حول ‘الواحات القديمة بالجريد’ كان الهدف منها تدارس الوضع الحالي للواحات القديمة في شكل ورشات مفتوحة بمشاركة الفلاحين ومكونات المجتمع المدني والهياكل المعنية، وتمّ خلالها إبراز أهم الإشكاليات والعراقيل وطرح الحلول العاجلة والآجلة لمعالجة الوضع المتردي الذي آلت إليه هذه الواحات نتيجة الممارسات والسياسات الخاطئة التي انتهجت على امتداد أكثر من عشريتين من الزمن وخاصة المشكل العقاري حيث أنّ غالبية أراضي الجريد هي ملك للدولة التونسية وهو مشكل يقضّ مضجع الفلاّح والمستثمر في نفس الوقت. وتمّ أيضا افتتاح معرض للفن التشكيلي الإيراني بمشاركة أربعة فننين وهو الأول من نعوه في تونس.

هنا يولد الربيعفي ثالث أيام التظاهرة انتظمت ليلا سهرة الشباب مع الرقص العصري الموجهة للشباب في ثورة الشباب تتضمن فقرات من إبداعاتهم وانتاجاتهم وكانت في شكل مسابقة بعنوان Oisis Batle وذلك بربوة أبي القاسم الشابي. يوم الأربعاء يتمّ افتتاح المعرض الكاريكاتوري مشيشيات للفنان حسن المشيشي حول الثورات العربية. وفي المساء كان الموعد مع عرض فرجوي احتفالي ضخم نطلق قبل غروب الشمس ليتواصل بعد غروبها واشترك فيه عدد ضخم من الفرق الفنية والتنشيطية والمطربين التونسيين حيث شارك الفنان منير الطرودي والفنان آمال الحمروني فضلا عن مشاركة العديد من الوجوه المسرحية والموسيقية على المستوى المحلي والوطني. وجمع العرض انطلق بقصيد من الشعر الشعبي التونسي والذي ساهمت فيه وفود من مصر وليبيا وأندونيسيا بين التراث في استلهام عناصره الحية والحداثة والمعاصرة بكل قيمهما الإنسانية النبيلة مع الاحتفاء بثورة شعبنا المجيدة واستشراف غدّ قادم لا يحمل للوطن إلاّ الحق والعدل وربيع يحترم الإنسان ويكرم آدميته على هذه الأرض. وتواصلت فقرات المهرجان خلال أيامه الأخرى مع لوحات الفروسية حيث تنتظم مسابقات في الفروسية وركوب الخيل وفن ‘المداوي’ بمشاركة شعراء شعبيين وهو ما أبرز تجذر هذه الرياضات والفنون في التراث التونسي وهو ما يتطلب اليوم مزيد تطويرها واستغلالها كشكل فرجوي أصيل ينمّ عن قيم حضارية تؤصل لكيان هذا الشعب فيستلهم منها نبل المعدن وطهارة الأصول، فضلا عن إبراز البعد الثقافي والسياحي من خلال هذه الفرجة التي تتراوح بين الأصالة والمعاصرة. هذا بالإضافة إلى فقرات تقدم الأصالة التي تُعنى بالسياحة الثقافية، وهي فقرة ‘الأصالة والتجذر’ والتي شهدتها بالمدينة العتيقة بتوزر وتحديدا ‘أولاد الهادف’. كانت ليلة من ألف ليلة وليلة، حيث سحر الفضاء ودفء اللقاء في أحضان الساحات الصغيرة والأزقة والمنعطفات والأقواس والعتبات، حيث عبق التاريخ وألوان الفنون. حيث يتوقف الزمن على أعتاب المواويل والحكايات القديمة لنقف عند العادات والتقاليد وحيث الأفراح والحلقات بكل مفرداتها بنكهة الماضي وبطعم الأكلات الجريدية الأصيلة وبرائحة البخور والند والعنبر على إيقاع الغناء القادم من أرحام الزمن الجميل. هي فسحة للسائح والزائر يقف فيها على زمن ولّى، يمدّ يده إلى زمن حاضر ليفتحا كوة للنور والضياء يحملها زمن الجريد القادم الرّاني إلى غد مزهر وربيع غارق في لجج الحريّة وهي مخصصة بالأساس للسياح وضيوف المهرجان لإبراز جوانب هامة من سياحتنا الثقافية. آخر أيام المهرجان كان حافلا منذ الصباح بعروض فرجوية وموسيقية من تونس ومن عديد الدول المشاركة مثل مصر وفلسطين وإيران، فضلا عن عرض عددا هامّ من الأشرطة السينمائية في أماكن عديدة من المدينة. أمّا الفقرة الأهم في يوم الاختتام فكانت مع عرض توزر بالليل، وهو عرض يسهم في دعم سياحة الواحات، وهو عبارة عن رحلة الحلم الجميل على المطايا وموكب الهازجين ليلا بين أحضان الباسقات. توزر بالليل قافلة تنتعل البساط وتركب الريح، قافلة لم تدونها الكتب أو المجلدات القديمة وإنما تكتبها ليالي المهرجان لتطوف الواحة وتجوب منعطفاتها تحت ضوء المشاعل مهتدية بنور نار الفطرة لتزرع البهجة في طهر البراءة وتضع بصمة تبقى مع الذكرى وتضرب في ختام المهرجان موعدا للقاء قادم في سنة قادمة…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية