د. عبدالوهاب الأفندي(1) ليس هناك جدال بأن حادث اغتيال العالم الإيراني مصطفى روشان في طهران هذا الأسبوع كان عملاً إرهابياً بأي تعريف للمصطلح، وليس هناك كبير شك في من هو المسؤول عن هذا العمل الإرهابي. فالمجرم له سجل طويل من الأعمال الإرهابية المماثلة، بدءاً من اغتيال الشعراء والكتاب الفلسطينيين في لبنان، وعلماء العراق ومصر في أوروبا، ثم علماء إيران في السنوات القليلة الماضية.(2)ليس هناك كبير شك كذلك في أن حادث اغتيال الصحافي الفرنسي جيل جاكييه، مراسل محطة فرانس 2 التلفزيونية في حمص أمس الأول وسبعة آخرين هو أيضاً عمل إرهابي. وهناك أيضاً ترجيح شبه مؤكد لهوية الفاعل، وهو أيضاً ذو سجل طويل في القتل والإرهاب، من اغتيال كمال جنبلاط إلى اغتيال الحريري، وبين ذلك وبعده اغتيالات ومجازر لا حصر لها، من تل الزعتر إلى حماة، وما زال العداد يعمل، والحساب لم يدفع بعد.(3)هناك أيضاً توافق بين طرفي الإجرام في الاستغلال المزدوج للجريمة، مع اختلاف في التوازن. الفاعل الأول، وهو إسرائيل ومخابراتها بغير كبير شك، يصور نفسه في الأغلب على أنه ضحية الإرهاب، ويصور ممارسته له على أنها ضرورة يلجأ إليها مكرهاً. أما الفاعل الثاني، وهو النظام السوري عند أي مراقب عاقل، فسمعته أنه يستخدم الإرهاب كسلاح ضد خصومه، ولا يكون ضحيته إلا نادراً، عندما تكون هناك ‘حاجة’ ملحة لتبرير مجازر. ولهذا فحين يأتي الحديث عن الإرهاب نجد سوريا دائماً في موضع الدفاع والتبرير، بينما إسرائيل في موضع الهجوم.(4)كلاهما يفهم تماماً أن الإرهاب سلاح ذو حدين، ولكن الجانب الإسرائيلي لا يسوؤه أن تنسب إليه عملياته الإرهابية، وإن كان لا يتبناها علناً، لأنه نجح سلفاً في وصم خصومه بجرير الإرهاب. وعليه فإنه يتحصن وراء حجة محاربة الإرهاب حتى وهو يرتكب جرائمه الإرهابية في وضح النهار. أما الجانب السوري فهو لا يتبنى جرائمه، ويتستر دائماً وراء نقاب ‘الفاعل المجهول’ أو الإرهابيين بالوكالة. فخصوم النظام السوري يقتلون بقنابل تفجر عن بعد، أو عبر ميليشيات موالية، أو يؤدون الواجب بأنفسهم حين ‘ينتحرون’، تماماً كما أن ‘العصابات المسلحة’ في حمص وغيرها تطلق النار على نفسها.(5)عرف عن النظام السوري أنه لا يتورع عن كبيرة. ويروي أهل العلم أنه بعد احتلاله لبنان ظهرت بعض الجماعات الإسلامية الجهادية في محيط بيروت، فتلقت تحذيراً من المخابرات السورية لمغادرة العاصمة اللبنانية. رفضت المجموعة الانصياع، فالقوم جهاديون يطلبون الشهادة، فمم يخافون؟ بعد برهة يسيرة، هجم ‘مجهول’ على منازل بعض قيادات الجماعة في غيابهم، فذبح كل من وجد من النساء والأطفال. في اليوم التالي، لم يبق في بيروت ‘مجاهد’ واحد.(6)لم يكن مستغرباً إذن ما لجأ إليه النظام في الأيام السابقة من فبركة تفجيرات لم يكن يبالي من يكون ضحاياها.
فهذه ملامح ‘الخطة ب’، على ما يبدو، بعد أن أدرك النظام أن ظهره إلى الحائط، ولم تترك له المعارضة باباً يهرب منه. فالشعب يريد إعدام الرئيس، والمعارضة ترفض الحوار والحلول الوسط. ومن هنا جاء الخطاب المعمري (نسبة إلى معمر الفقيد) الذي توعد فيه أن يزحف على المعارضة بالملايين، ويطهر البلاد منهم زنقة زنقة. ولا شك أن دماء سورية غزيرة سوف تسيل قبل أن يصل السيد الرئيس إلى جحره الأخير. والإرهاب هو حجر الزاوية على ما يظهر في استراتيجية البقاء بأي ثمن.(7)ليس النظام السوري أول من مارس الاستخدام المزدوج للإرهاب، لأن الميليشيات الإسرائيلية كانت سباقة إلى هذا، حيث استخدمت الإرهاب سلاحاً ضد خصومها من الفلسطينيين والقوات البريطانية، كما حدث في دير ياسين وتفجير فندق الملك داوود وغيرها. العصابات الصهيونية اتهمت أيضاً بتفجيرات ضد اليهود في العراق ومصر من أجل إجبارهم على الهجرة إلى إسرائيل، وبالفعل نجحت تلك التكتيكات. الدكتاتور الفلبيني الأسبق فرديناند ماركوس قام أيضاً بتنفيذ هجوم مصطنع على موكب وزير دفاعه (كما اعترف الوزير لاحقاً) في عام 1968 حتى يتسنى له إعلان حالة الطوارئ. وفي نهاية حكمه أيضاً دبر اغتيال خصمة بنينو أكينو، في وضح النهار لدى عودته للبلاد من المنفى، فعجل هذا بنهايته.(8)من المفترض أن يختلف التعامل الدولي مع الإرهاب جذرياً في حقبة ما بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، حيث تبنت معظم الدول قوانين صارمة تجاهه، إضافة إلى أكثر من 12 معاهدة أممية. وهذا يتيح لإيران وكذلك للسوريين حق المطالبة بتفعيل الإجراءات المستحقة والمطلوبة ضد مرتكبي العمليات الإرهابية، بما في ذلك فتح تحقيق دولي فيها. وقد لحظنا أن الولايات المتحدة سارعت إلى التبرؤ من عملية طهران الإرهابية، وهو دليل كاف على بشاعة الجرم والإدراك بخطورة هذا المسعى. لأن تشريع الإرهاب ضد إيران أو غيرها يسقط كل حجج مكافحة الإرهاب، لأن أساس هذه الحجج أن الإرهاب (وهو مهاجمة المدنيين والأهداف المدنية خارج ساحة الحرب) لا مبرر له تحت أي ظرف وأي ذريعة.(9)الحديث هنا بالطبع عن الإرهاب الصرف، العاري من كل غلالة وستار، وليس عن تنويعاته المختلف عليها، ومنها ‘إرهاب الدولة’ الذي يتخذ أشكالاً عديدة، أدناها الاستهداف التعسفي والقمع والتعذيب، ويتدرج إلى الاغتيالات، والصورايخ والقنابل ‘الذكية’ والطائرات من غير طيار، حتى يصل إلى المجازر. ولم يترك النظام السوري صنفاً من صنوف الإرهاب هذه إلا وكان له منه نصيب، إلا أنه لا يملك القنابل الذكية أو الطائرات الآلية.(10)الاستخدام المزدوج للإرهاب، والتصميم على التبرؤ منه ومن فاعليه قبل غيرهم، تذكير لمن نسي بأن الإرهاب يدين نفسه بنفسه، قبل أن يدان كما ينبغي. وبالتالي يكون اتهام الخصم بالإرهاب أقوى سلاح يمكن أن يستخدم ضده. ومن يتورط في الإرهاب حقيقة يهزم نفسه قبل أن يهزم. ومن هنا يمكن أن نتنبأ بمصير مماثل لإرهابيي إسرائيل وسورية، وهو مصير لن يكون مشرقاً.