باستغراب كبير، استقبل الإعلاميّون مرسوم الحكومة القاضي بتعيينات جديدة لتسيير وكالة تونس إفريقيا للأنباء والشركة الجديدة للطباعة والصحافة والنشر، ومؤسسة التلفزة التونسية بقناتيها الأولى والثانية. وظهر ذلك الاستغراب في بيانين لنقابة الصحافيّين والهيئة الوطنيّة العليا لإصلاح الإعلام اللّذين وصفا ذلك الإجراء باعتباره ردّة إلى أسلوب الرقابة والتقييد والإملاءات السياسيّة. وعبّر البيانان ‘عن عميق الاستياء من تلك القرارات التي تم اتخاذها في غياب التشاور مع الأطراف المعنية وهو ما يتناقض مع مسار الانتقال من إعلام حكومي موجه إلى إعلام عمومي ديمقراطي، تعدّديّ ومستقلّ’. كما خصّصت نشرة أنباء الثامنة حيّزا لا بأس به لما يمكن وصفه بالاحتجاج والاستنكار على الخطوة التي أقدمت عليها حكومة الجبالي، وفي محاورة الناطق باسم الحكومة السيّد سمير ديلو أوضح أنّ تلك التعيينات جاءت لسدّ الشغورات التي عرفتها المؤسّسات المعنيّة منذ فترة وطالب بعدم تحميلها أكثر مّما تحتمل موضّحا أنّها لا ولن تمسّ من حريّة الإعلام والإعلاميّين. لكنّ السيّد كمال العبيدي رئيس الهيئة العليا لإصلاح الإعلام عقّب قائلا ‘إنّ الحكومة أقدمت على أمر خطير جعله يشعر أنّه لا يعيش في بلد ديمقراطيّ’، مشيدا بفترة قايد السبسي الذي كان ‘أكثر تشاورا مع الهيئات المعنيّة برحابة صدر واضحة’ على حدّ قوله، وأضاف العبيدي أنّ رئاسة الحكومة الجديدة اتّخذت قرارها بطريقة مخجلة ومتسرّعة وبدون تشاور.
ويتّضح ممّا تقدّم أنّ العلاقة بين حكومة الجبالي والمؤسّسات الإعلاميّة تعيش أزمة حقيقيّة بدأت منذ فترة بإبداء الامتعاض والاستغراب تجاه الدور الذي يلعبه الإعلام في فترة صعبة تتميّز بكثرة الاحتجاجات المطلبيّة التي حظيت بتغطية مستمرّة وتضخيم لا ينسجم مع حاجة البلاد إلى الهدوء والاستقرار والانصراف إلى العمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في المجال الاقتصاديّ. وفي تصريحات لافتة، أبدى العديد من الوزراء استياءهم من ‘العمل المشبوه’ الذي يظهر في بعض وسائل الإعلام ‘بابتعادها عن النزاهة والموضوعيّة ودخولها في خندق التجاذبات السياسيّة الضيّقة’ وكان آخرها تصريح رئيس الحكومة الذي أثار موجة من الاحتجاجات واعتبر تدخّلا سافرا في عمل الصحفيّين وتهديدا لحرّيّة نشاطهم.
ولعلّ الحكومة تشعر أنّها لا تتمتّع بتغطية نزيهة لأعمالها وسياساتها ما دامت الأخبار والمقالات والتحاليل تشكّك أكثر ممّا تصدّق وتنفّر أكثر ممّا تبرّر. إنّها علاقة عقوق بتوصيف أخلاقي ينسحب حتّى على المؤسّسات العموميّة التي يبقى من أوكد واجباتها خدمة الشعب الذي يموّلها. وخدمة الشعب تكون بنقل الخبر بشكل يخدم المصلحة العليا لهذا الوطن حتّى ولو كان المسيّرون لدواليب الحكم من حزب كان ومازال يُعامل بكراهيّة لا يمكن إنكارها.
وللإعلاميّين أيضا أن يدافعوا عن حقّهم في النهوض بوضع قطاعهم دون أن تكون الحريّة مرادفا لخدمة الفوضويّين المخرّبين لاقتصاد البلاد ودون أن تصبح الاستقلاليّة معارضة دائمة لعمل الحكومة التي أخذت على عاتقها مسؤوليّات جسيمة تحتاج فيها إلى المساعدة من جميع الأطراف. وبذلك يظهر الخيط الأبيض من الأسود ولا تتداخل قدسيّة الحقوق مع مبدأ العقوق.
ولعلّنا ندعو بتعبير آخر، إلى تحويل المعركة التي تعيشها بلادنا في هذا الوضع الانتقاليّ التأسيسيّ من مواجهات حزبيّة متواصلة إلى سباق حقيقيّ مع الزمن لتحقيق أهداف الثورة التي ستوحّد كلّ القوى لخدمة هذا الشعب. والشعب التونسيّ يراقب الجميع ويميّز بذكائه بين الحقّ والباطل! فحذار من الشعب!
عبد الرزاق قيراط – تونس