خالد يوسف: مع زوال أنظمة الاستبداد العربية ستزول إسرائيل

حجم الخط
0

بدأ حياته ممثلا وانتهى مخرجا مميزاالتقته فاطمة عطفة: أجمل الأزهار، ليس فقط في مشاهدة العروض الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، وإبداعات العاملين في هذا الحقل، بل هناك قطاف آخر وهو لقاء هؤلاء النجوم من مخرجين وممثلين ونقاد سينما وأدباء. والمنافسة الإعلامية للحصول على مثل هذه اللقاءات لا تكون سهلة في الغالب، إلا أن المخرج السينمائي الكبير خالد يوسف عند التحية وطلب اللقاء منه لتحديد موعد للحوار رحب قائلا: أهلا ب“القدس العربي” مع سلامي الحار إلى الأستاذ الأخ عبد الباري عطوان. وبعد دقائق، ورغم وقته الضيق، كان لقاؤنا هذا في بهو الفندق حيث يقيم، فشكرا جزيلا لهذا المبدع العربي الذي عمل في رفع الفيلم المصري والعربي إلى أرقى مستوى متميز. خالد يوسف درس الهندسة قبل الإخراج السينمائي، لذلك استطاع أن يبدع تصاميمه الخاصة ويشيد صروحا فنية شامخة متينة ستبقى في ذاكرة الأجيال وسجل تاريخ السينما المصرية زاهية متجددة. وقد بدأ حياته السينمائية ممثلا في فيلم روائي قصير هو ‘القاهرة منورة بأهلها’ ليوسف شاهين، ثم توالت إبداعاته وحصل على العديد من الجوائز العربية والعالمية التي لا يسمح المجال لذكرها. ويكفي هنا أن نشير إلى أن مسيرته الإبداعية استمرت في صعودها الجميل، في عام 2010 أنجز فيلمه العاشر ‘كلمني شكرا’ وهو يطرح من خلاله رؤيته العميقة الخاصة حول ثورة الاتصالات وتأثيراتها الجذرية في تغير منظومة القيم والتحولات التي اجتاحت المجتمع العربي. وفى نفس العام أنجز عمله السينمائي الحادي عشر ‘كف القمر’ الذي عرض في مهرجان وهران السينمائي وحصل على جائزة أفضل إخراج. وتمتاز أعماله بالتركيز على الجانب البائس المؤلم في الواقع الاجتماعي المصري والعربي بوجه عام، وكأنه برؤاه العميقة وقراءته العلمية للواقع وإخلاصه لعمله الإبداعي كان يمهد لثورة الشباب العربي، ونترك قراء القدس مع المبدع السينمائي خالد يوسف.

ـ سنبدأ من فيلم ‘كف القمر’ الذي عرض في مهرجان وهران، ما بين الأعمال السينمائية السابقة، والعمل الجديد ‘كف القمر’ أين يوجد تغير سواء بالموضوع أو من الناحية التقنية؟*’الجديد فيه أنه يناقش قضية جديدة، أنا لم أناقشها قبل ذلك، فيما يتعلق بالبحث عن أسباب الفرقة التي بيننا، وبحث عن سبل للخروج من هذه الفرقة والوصول للوحدة، سواء على مستوى الأسرة البسيطة المكونة من أب وأم وأخوات وأخوة، أو على مستوى الأسرة العربية بكاملها، هذا الجديد الذي أطرحه في موضوع الفيلم’. ـ شاركت معك بالعمل نجمة سورية جومانة مراد، عندما يكون الممثل قادرا على تأدية الدور بشكل جيد، ماذا يضيف للعمل السينمائي؟* ‘ما بين السماء والأرض، لما يكون ممثلا موهوبا وكبيرا يعمل شخصية، يرفع لك الفيلم كله ليس فقط الشخصية، لما يكون الممثل ضعيفا ويعمل الشخصية يوقع الفيلم كله، أنا أرى أن الممثل أهم أداة من أداة المخرج لإيصال رؤيته، ولضمان وصول رسالته لا بد من أن يكون الممثل جيدا، من أجل ذلك أنا أحرص على العمل مع مواهب كبيرة، ليست فكرة نجومية، أنا الحمد لله لم أعتمد على نجومية أبطالي في الترويج لأي عمل، وإن كانوا كلهم من النجوم أو غير ذلك، إنما أعتمد على الممثل العظيم، الممثل الموهوب والكبير، والموهبة الكبيرة هي التي تهمني بالنهاية’. ـ البعض يطلق على المخرج صفة دكتاتور، أنت كيف يكون تعاملك مع فريق العمل؟ هل يحتاج العمل والإدارة أحيانا، مثل كل شيء، إلى الحزم؟ أم أن التفهم والحوار في العمل هو الأفضل؟ * ‘ يعني أعترف لك بأن شغلة المخرج عموما فيها شيء من الدكتاتورية، السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، إلا في الفنون وفن السينما، أنت تقدمين رؤية مخرج، الفيلم يكون فيه أكثر من عشرين إنسانا وكلهم يعملون ويتناغمون ويبقى فيه هارموني لهخم، أي تناغم وانسجام بينهم من أجل أن يقدموا رؤية فرد واحد اسمه المخرج. هذا ليس انتقاصا من قدر أي واحد من صناع العمل، ولكن العمل لا بد من أن يكون فيه رؤيا واحدة، يعنى أنا أرى المنظر أمامنا من هذه الزاوية، أنا أقول للناس كلهم تعالوا شوفوا المنظر من هذه الزاوية، لا يأتي ممثل ويقول لي لا أنا عاوز أشوفه من الزاوية الثانية، وبالتالي يعمل فيلما ثانيا ومختلفا. لكن أنا عندي ديمقراطية في الحوار مع الممثلين ومع عناصر العمل قبل التصوير، نجلس شهورا نتكلم ونتناقش، ولهم أن يضيفوا لو عندهم إضافة تتلاءم مع رؤيتي وتتسق معها ولهم أن يتساءلوا، ولهم أن يقترحوا ويمكن أن تكون هناك تناقضات بيننا نحاول حلها، لكن متى بدأ العمل شأنه شأن المعارك الحربية، لا بد أن يكون فيها قائد واحد يعطي الأمر وينفذ، لأننا في قلب التصوير لا يجوز أن يجيء ممثل ويقول لي أنا أريد أن أعمل الدور بالشكل التالي، عندئذ أكون خسرت المعركة. يمكن أن يكون رأي الممثل أو رأي العسكري في المعركة أصح من رأي القائد، لكن لو كل واحد عسكري في المعركة اعتبر رأيه هو الأصح ونفذه من وجهة نظره سوف نخسر المعركة. لكن لا بد من الالتزام بخطة واحدة ورؤية واحدة في الفن السينمائي’. ـ الفيلم قدم رؤية كأنه ثورة من خلال إظهار العشوائيات التي يعيش فيها الفقراء المهمشون وما يتعرضون له، وكأن المخرج خالد بدأ ثورته قبل أن يبدأها الشباب في الشارع المصري، هل بدأت عمل الفيلم قبل الثورة وخاصة أن رؤيتك كانت تكشف القادم، أو أن العمل ليس له علاقة بما حدث في الشارع المصري؟* ‘طبعا له علاقة، أنا كنت عملت فيلما قبل الثورات العربية وحتى قبل ثورة تونس، ومن شاهدوا الفيلم من النقاد قالوا لي: ‘أنت ليه مستبشر كدا؟ وليه مستشرف إعادة بناء وإعادة اللحمة؟’ لأنهم قرؤوا الفيلم على هذا المنحى. قلت فعلا أنا أشعر أن هناك بعثا جديدا وعندنا بناء جديد لأننا نحن العرب بالمنحنى التاريخي أصبحنا في أسفله، ولا يمكن لهذه الأمة وبكل ما تمتلكه من مكونات حضارية وثقافية وأرث ديني وثروات مادية وكل هذا التراث الموجود فيها وكل الإمكانيات الموجودة لا بد من أن تنهض مرة أخرى، طبيعة الأمور تقول أنها تنهض، أنا كنت أشعر أننا في أسفل المنحنى وكنت أدرك أنه لا بد أن نصعد مرة أخرى. على شان كدا كنت مستشرف بحسي وبميلي لحركة التاريخ بأن الأمة ستنهض وتعيد البناء مرة أخرى’. ـ الثورة حديثة في مصر، لكن رغم ذلك تم انجاز عدة أعمال سينمائية بعد الثورة لشباب جدد في تاريخ السينما وغيرهم أيضا، هل ترى أن الرؤية الزمنية بالنسبة للثورة أصبحت واضحة لإنتاج أعمال سينمائية أو أن العمل الفني يحتاج لوقت كاف؟* ‘الأحداث الحضارية أو الإنجازات في حياة الأمم، أو أي حدث تاريخي سواء كان هزيمة أو إنجاز حدث تاريخي، لا يمكن تلقفه لمجرد حدوثه وعمل فيه فيلم سينمائي، العمل السينمائي أحد أدوات التعبير التي ينطبق عليها فكرة الهضم والاستيعاب وأخذ مسافة بعيدة عن الحدث كي تستنفد الوقت، بمعنى لم نجد أي فيلم عمل عن الحرب العالمية الثانية إلا بعد انتهائها بسنوات، لأنه لا يمكن ونحن في قلب الحدث أن نقدر أن نرى الأمور بشكل جيد، لا بد من أخذ مسافة، لذلك أنا لست مع الأفلام التي تتلقى الحدث بشكل مباشر’. ـ لو طلب منك أن تعمل فيلما عن عائلة مبارك، بشفافية ومن دون رؤية المخرج الخاصة بمشاعره، من هو الشخص الذي كان له التأثير الأكبر الذي أوصل إلى تدمير هذه العائلة، هل الزوجة مع سيطرتها على الزوج تشارك، أو هو طمع الابن بالسلطة، أو عناد الرئيس نفسه وعدم رؤيته المصيبة بحكم مصر أم هو المحيط؟.* ‘أنا غير مهتم أن أعمل فيلما عن هذه العائلة، لو سألتني أقول إن الطموح والطمع هو الذي دمر هذه العائلة، هم طمعوا جدا في كرم الشعب المصري، الشعب المصري سكت عنهم ثلاثين سنة، لم يكن هذا يكفيهم، هذا إنتاج الطمع، عاوزين كمان ثلاثين سنة للولد، سواء كان الأب أو الأم أو الولد نفسه، هذه ثيمة طمع أكثر منها ثيمة أخرى’. ـ الانتخابات التي جرت في مصر وفوز الإسلاميين، كيف تنظر لها؟*’ الانتخابات التي حصلت عندنا حرة ونزيهة، وأي انتخابات حرة هي تعبير عن إرادة شعب لكن ليس بالضرورة أن تبقى عادلة. ضوابط اللعبة الديمقراطية ساعات تؤدي إلى خلل في المشهد نفسه، سوف أعطيك مثالا: لو عبد الناصر بعد ثورة يوليو 52 راح مباشرة وعمل انتخابات، كان أعضاء المجلس سيأتون من الإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لأنهم هم الذين يترشحون وهم ينجحون ديمقراطيا، لماذا؟ لأنه لم يغير التركيبة الاجتماعية التي تحرر الفرد نفسه من سطوة رأس المال، وقتها كان انتخب الإقطاعي الذي يملك الأرض ومن عليها من الفلاحين الذين كانوا يشتغلون تحت سيطرته، ولا بد أن ينتخبوا الإقطاعي، وتكون انتخابات نزيهة وغير مزورة، ولكنها انتخابات غير عادلة. هذا تقريبا ما حصل في انتخابات مصر بعد الثورة، هي انتخابات نزيهة إلى حد كبير. طبعا فيها شوائب وتعبر عن رغبة الشعب المصري، لكنها غير عادلة، لأنها لم تعط فرصة مثلا للجيل الذي صنع هذه الثورة، لأن يوقف على قدم وساق مع هذه التيارات العتيدة في الحياة السياسية والمنظمة بشكل كبير. لكن هذه إحدى ضرائب الديمقراطية التي لا بد أن ندفعها، ولا بد أن لا نحزن على هذه النتيجة. أنا بتصوري الشعب المصري قادر أن يصحح طول الوقت، لأنه شعب عريق، وهو اليوم انتخب التيار الإسلامي وأعطاه توكيلا بإدارته، بما يلائم هواه، لو حكم بما لا يلائم هواه يسحب منه هذا التوكيل في الانتخابات القادمة’. ـ طبعا أنت تعلم أن موقع مصر كالمرآة بالنسبة للمنطقة كلها، ومن أهم القضايا موقع القضية الفلسطينية، كيف ترى تأثيرات الثورة في مصر وبقية الدول العربية على هذه القضية ووضع الكيان الإسرائيلي المحتل؟* ‘أنا أرى أن أول خطوة في تحرير فلسطين هو تحرير مصر، عندما تحرر مصر تحرر شقيقتها العربية، وعندما تتحرر الأمة العربية بكاملها تحرر فلسطين تلقائيا، أنا لو موجود في مجتمع عربي ديمقراطي الشعب فيه هو السيد ستسقط فيه إسرائيل من دون حرب، ستنتفي إسرائيل أصلا، لأن من أسباب وجود إسرائيل أو هذا الكيان المهووس في وسط الأمة العربية هي فكرة الدكتاتوريات الموجودة والأنظمة المستبدة الموجودة. إسرائيل بالنسبة للرأي العالمي هي الدولة الديمقراطية في وسط هؤلاء الهمج، هؤلاء الذين يحكمون بالحديد والنار. عندما تصبح هذه البلاد ديمقراطية، الرأي العام نفسه الذي أسقط جنوب أفريقيا، وهي لم تحرر بحرب ولم تحرر بالدبابات، ولا حتى بثورة شعبية لكنها حررت فقط بالضمير العالمي، أدرك أن هذا النظام عنصري فسقط النظام العنصري. نحن مهمتنا أن تكون بلادنا ديقراطية كي تحرر فلسطين، ومهمتنا إيصال صوتنا للرأي العالمي الذي هو حتى هذه اللحظة شايف أن قضيتنا غير عادلة. نحن مخطئين وغير عارفين كيف نوصل عدالة قضيتنا له، وهم يعرفون كيف يزيفون هذا الوعي لهذا الضمير العالمي. علينا مسؤولية كبيرة، أن نحرر أنفسنا من الاحتلال الداخلي لأننا ما زلنا محتلين كلنا. إذا كانت فلسطين محتلة فمصر كانت محتلة، النظام المصري الذي كان يحكم مصر هو كان الاحتلال. لو تلاحظين أيام الاحتلال الفرنسي أو البريطاني كنا نقول الاحتلال الأجنبي، عمرنا لم نقل احتلال فقط لأننا في احتلال داخلي، الأنظمة محتلة لهذه البلاد ولما نحررها، هذه هي أول خطوة في طريق تحرير فلسطين’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية