أين السحر؟

حجم الخط
0

ناحوم برنياع

كان فيمن كان رجل في فرنسا في خمسينيات القرن الماضي اسمه بيير ماري بوجاد. افتتح بوجاد حانوتا لوسائل الكتابة في سان ـ سارة، المدينة التي ولد فيها. وأثقلت الضرائب عليه. في 1953 نظم اضراب تجار صغار احتجاجا على عبء الضريبة. وانتقل الاحتجاج الى مدن اخرى في جنوب فرنسا ومن هناك الى الدولة كلها. وقد رفعت الحركة التي أنشأها بوجاد راية المسألة المالية: لماذا تريد الدولة منا هذا القدر الكبير من المال ومن اجل ماذا. في 1956 حصلت الحركة على 12 في المائة من اصوات الفرنسيين. وأصبح عدد اعضاء الكتلة في الجمعية الوطنية 52 عضوا منهم جان ماري لبان الذي أصبح بعد ذلك زعيم حزب يميني عنصري.

في غضون سنتين انتقضت عُرى الحركة ولفظها التاريخ. وخلفت مع موتها كلمة عار في المعجم السياسي هي: البوجادية، وهذا المصطلح يصف حركة ذات ايديولوجية برجوازية صغيرة وسوقية وغوغائية، حركة غير قادرة على اخراج رأسها من المحفظة.

في يوم الجمعة الاخير نشر في ملحق ‘سبعة ايام’ عمود صحفي موسع ليئير لبيد وضع فيه أساس مشروعه السياسي. ‘لماذا أتوجه الى السياسة’، سأل لبيد وأجاب.

في انتقال لبيد الى السياسة كثير من الاشياء الايجابية: فمن الجيد أن يجرب ناس موهوبون حظهم في الخدمة العامة، ومن الجيد ان يُعرضوا لشعاع الشمس ما كان موجودا حتى الآن مستخفيا. ان لبيد يغامر مغامرة غير صغيرة. وهذه الجرأة تستحق التقدير.

قرأت عموده الصحفي وأصابني الأسى. ‘هذه هي الكلمات التي يجب ان نبدأ منها التباحث في الاتجاه الذي تتجه اليه دولة اسرائيل’، يكتب. ‘هاتان الكلمتان هما: أين المال؟’. ثم يكرر هاتين الكلمتين بحروف أكبر وأفخم ويقول مرة اخرى: ‘أين المال؟’ ويضيف الجملة الساحقة: ‘أُهنيء نفسي فقد أوجدت الآن ملصقي الاول. وكل التباحث المعقد في مستقبل دولة اسرائيل موجود بين هاتين الكلمتين’. ما كان بوجاد ليقول هذا بصورة أفضل.

ان التباحث في مستقبل اسرائيل معقد، هذا صحيح. لكن من يعتقد انه كله (كله!) ممتد بين كلمة أين وكلمة المال يخطيء فهم الواقع هنا. قد يكون حانوتيا ممتازا لكن يُشك في ان يكون عنده ما يقدمه من اجل قرارات حاسمة على مستقبل دولة اسرائيل.

اليكم قائمة اسئلة مصيرية مستقبلية يعرفها الجميع يتجاوز الجواب عنها الجانب المالي وهي: هل يجب على اسرائيل ان تستمر في حكم المنطقة بين الاردن والبحر أم أنه يحسن بها ان تسعى الى انشاء دولة ثانية؛ وما هي حدودها في المستقبل؛ وكيف يجب ان ترد على المشروع الذري الايراني، أتهاجم أم تبتلع؛ وما هو المكان الذي تريد ان تتبوأه في العالم، هل ان تكون جزءا من الغرب أم جزءا من التراث اليهودي؛ وكيف تريد ان تصوغ علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي؛ وبالجيل القادم من يهود العالم؛ وأي مستقبل تخططه للوسط العربي في اسرائيل؛ وما هو مكان الدين في الفضاء العام؛ وكيف ستحافظ على قواعد اللعب الديمقراطي وعلى حرية التعبير وحرية التنظيم وعلى سلطة القانون؛ وما هو مكان الجيش الاسرائيلي في المجتمع.

لا يوجد مجتمع ولا توجد دولة لا يواجهان معضلات تتجاوز المال فضلا عن اسرائيل التي ولدت عن فكرة غير اقتصادية بصورة سافرة وغير حانوتية بصورة بينة وهي موجودة بخلاف كل منطق مالي. فاذا أصبح المال هنا هو المشهد العام فان اسرائيليي المستقبل سينتقلون وراء المال الى اماكن اخرى أكثر راحة وربحا.

يمكن ان نقول للدفاع عن لبيد انه ليس السياسي الاول الذي يحاول ان يروج لفكره الغوغائي هذا. فقد سبقه مناحيم بيغن الذي اعتاد في سنوات معارضته ان يُحمس سامعيه بحكايات أين المال. وقد كرر الخطب في الميادين قائلا: ‘يقولون انه لا شيء يغرق في البحر الميت. وبرهنت حكومة اسرائيل على عكس هذا فقد أغرقت كذا وكذا ملايين الدولارات في البحر الميت. وكل واحد منكم أيها المواطنون والمواطنات كان سيحصل على كذا وكذا من الجنيهات لو لم تغرق حكومة مباي اموالكم في البحر الميت’. كانت احدى الزيارات الاولى لبيغن حينما أصبح رئيسا للحكومة الى مصانع البحر الميت التي كانت آنذاك تحت ملكية الحكومة وكان تأثره غير متناهي.

صحيح توجد اعوجاجات في ترتيب الافضليات الميزانية؛ وصحيح انه تسهم مجموعات قوة مصلحية وسياسية واقتصادية في هذه الاعوجاجات لكن هذا مرض واحد فقط من أمراض الجهاز السياسي وليس الأهم بينها.

عندنا في الكنيست غوغائيون كثيرون. وعندنا ايضا حانوتيون كثيرون. اذا أراد لبيد ان يأتي الى الجهاز السياسي ببشرى جديدة فيفضل ان يخرج رأسه من المحفظة.

يديعوت 16/1/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية