عولمة الأزمات وتصدير الفقر

حجم الخط
0

لا يمكن التغافل في الإطار الحالي للأزمات السياسية والاقتصادية التي تمر بها الكثير من دول العالم على اختلاف حجمها الجغرافي وقوتها الاقتصادية والمالية ومرجعيتها السياسية، لا يمكن التغافل عن النظر في أسباب وتداعيات تنامي النظم الاقتصادية والمالية الليبرالية المتعامل بها حاليا في أكثر دول العالم والمناهج التي تم إتباعها. يمكن في البداية أن نستحضر شعارات التيارات الليبرالية في بداية الثمانينات ودعمها الشرس لتحرير التجارة العالمية الأنظمة المالية وتبادل المنتجات والخدمات ورفع الحواجز الجمركية والإدارية أمامها وتسويقها لفكرة العولمة وهيكلتها في إطار المنظمة الدولية للتجارة التي لُقنت سياساتها وبرامجها بطريقة مبهمة إلى أغلب دول العالم النامي والفقير خاصة وفُرضت على حكوماتها من خلال برامج المؤسسات الأممية والدولية التي تشرف على تمويل اقتصاديات هذه الدول كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمات الأخرى التي ترجع بالنظر إلى منظمة الأمم المتحدة.

كان التركيز منذ انتشار مبادئ وأفكار العولمة في منتصف الثمانينات من القرن العشرين على إظهار مزايا هذه الظاهرة فحسب دون التعمق في ما يمكن أن تسببه من مخلفات سلبية على الدول التي نهجت نهجها خاصة الصغيرة منها. وقد دأب مُنظرو العولمة من رجال اقتصاد ومن السياسيين الداعمين لليبرالية، دأبوا على إبراز الآثار الإيجابية للعولمة على مستويات عدة أهمها المستوى الاقتصادي حيث تُمكن هذه الظاهرة من إنشاء سوق عالمية مشتركة تعتمد على حرية تبادل البضائع ورؤوس الأموال وكذلك على المستوى الصناعي من خلال إنشاء أسواق إنتاجية عالمية خاصة في الدول ذات اليد العاملة الزهيدة والأهم على المستوى المالي عن طريق إنشاء أسواق مالية عالمية تتيح سهولة أكثر في حصول المقترضين على التمويل الخارجي من خلال أسواقهم المالية المحلية وأيضا على المستوى الثقافي من خلال تطوير قنوات الاتصال بين الدول والإشتراك في الوسائل والأساليب التكنولوجية الحديثة خاصة الانترنت والمواقع الاجتماعية المعروفة.

فانتقال هذه الأزمة من السوق المالية الأمريكي إلى الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية أثر جذريا على اقتصاديات هذه الدول ومجتمعاتها ودفع قادة هذه الدول إلى دق ناقوس الخطر والتعجيل في تفعيل قرارات ومبادرات تميزت خصوصا بتدخل السلطات المالية من جديد ومراقبتها لسير هذه الهياكل والأسواق المالية. الأزمة المالية التي انطلقت منذ أواخر سنة 2008 مازالت مخلفاتها تمتد إلى هذه الأيام بل أن تداعياتها في هذه الفترة بالذات هي أكثر شدة خاصة على بعض دول الاتحاد الأوروبي التي اضطرت إلى اعتماد سياسات تقشفية حادة خلقت ضغطا اجتماعيا كبيرا بسبب تراجع مستويات التشغيل وارتفاع نسبة البطالة وتدني القدرة الشرائية للمواطنين ودفعت النقابات إلى تحريك الشارع بوتيرة لم تشهدها هذه الدول منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. هذه التحركات الشعبية وإن كانت مؤطرة من خلال العمل النقابي أو بصورة عفوية والتي وصلت في سابقة إلى شوارع نيويورك وولايات أمريكية أخرى تعكس بصورة واضحة القلق الشديد الذي يشعر به المواطن العادي من تفاقم هذه الأزمة المالية وتداعياتها على عمله ومستوى عيشه.

تداعيات هذه الأزمة لم تتوقف عند حدود الدول الكبرى بل امتدت إلى الدول النامية ودول العالم الثالث التي لم تُمنح فرصة اختيار الانضمام من عدمه إلى منظومة العولمة بل اقتيدت إليها تحت ذريعة الانتفاع بقروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أجل تمويل برامج التنمية المحددة لها مسبقا. انتقال الأزمة المالية بهذه السرعة وبهذا الحجم هي دلالة واضحة على ازدواجية هذه المنظومة من حيث الانتقال والانتقال المعاكس من جهة للبضائع والخدمات ورؤوس الأموال ومن الجهة المعاكسة للأزمات والضغوطات خاصة الاجتماعية منها. ما تمر به العديد من المجتمعات هذه الأيام من تحركات شعبية حادة أخذت صبغة المقاومة المسلحة في بعض الدول العربية وتميزت بالاعتصامات الجماعية في الساحات والميادين العامة في دول أخرى يعكس بكيفية جلية هذا التواصل اللاّإرادي الذي يحمل الكثير من الدلالات. انتقال الأزمات إذا لم يكن حكرا على المجال الاقتصادي والمالي فحسب بل أيضا امتد إلى المجال السياسي والاجتماعي وهو ما ترجمه بصورة مذهلة ربيع الثورات العربية التي انطلقت شرارتها الأولى من تونس وامتدت إلى الدول العربية الأخرى التي كان محركها اللوجيستي الأساسي الانترنت والمواقع الاجتماعية ووسائل الاتصال الحديثة كالهواتف النقالة والحواسيب المحمولة. هذه الوسائل والتقنيات الحديثة التي أوصلتها التجارة العالمية الحرة والمنافسة بين المُصنعين إلى أيادي المليارات من البشر على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية في كل أنحاء العالم هي التي أحدثت الفارق وقامت بدور الإعلام البديل الذي رفع من وتيرة الاحتجاجات وامتدادها بين المدن والدول عبر القارات حيث استلهمت حركات عفوية في أوروبا شعاراتها من موجة الاحتجاجات العربية وبدأت تحركاتها في ساحات اسبانيا واليونان وايطاليا لتصل إلى رمز النظام المالي الليبرالي الحالي، شارع وول ستريت في نيويورك أين وصلت صرخة المواطن العربي الثائر المنادي بالعدالة الاجتماعية والعمل والكرامة إلى مسامع أباطرة المضاربة المالية وهم في مكاتبهم لكن بلغة مواطنيهم. يبقى أن نثمّن على الدور الايجابي لهذا الإعلام البديل في إنجاح الثورات العربية وأن نقول أن العولمة وإن فتحت الحدود ولو بصفة نسبية في بعض الحالات أمام تنقل البضائع والخدمات ورؤوس الأموال فقد رفعت الحواجز ولو بصورة لا إرادية أمام انتقال الفكر التحرّري والأحاسيس بين الشعوب فهاجس الخوف قد انكسر في قلوب شعوب عدّة وأصوات المفكرين والسياسيين المنادين بتدخل الهياكل الحكومية من جديد ولو بتدرج، في مراقبة المؤسسات والأسواق المالية والتجارية قد تعالت من جديد وأصبحت مسموعة أكثر في فضاءات متعددة، عسى أن تُكبح جماح أصحاب رؤوس الأموال وتُبسط العدالة الاجتماعية التي صارت حاجة ماسة في كل مجتمعات العالم حتى الغنية منها وتبقى هذه من المفارقات التي تحسب لظاهرة العولمة لكن لا تشجع عليها.

نبيل بن عزوز – أبوظبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية