رسالة إلى زميل مُبتَهِج : الربيع العربي وإعادة إنتاج الدولة

حجم الخط
0

د. ناجي الخطيبعزيزي وزميلي المحترم ….. ، يُؤسِفني أن أقول لكَ رغم تقديري لشخصك الكريم بأنني لا أشاركُكَ البتة، ولا أشارِك القرضاوي، بمشاعر البهجة والسرور لصعود الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم في تونس وليبيا والمغرب ومصر وغداَ في سورية.وسوف تسألني مُحِقاً لماذا هذا الخروج عن إجماعِ ما قرره الناخب العربي وفقاً لأصول العملية الديمقراطية؟ جوابي وبكلمات معدودة يتلخصُ بالقول بأن اللجوء إلى وسائل ديمقراطية ليس بضمانة كافية ولا يحكُمُ سلفاَ وبطريقة اوتوماتيكية على التزام هذه الأحزاب الفائزة بأصول العملية الديمقراطية التي وضعتها على سدة الحكم ففي التاريخ أمثلة عديدة على انقلاب بعضها على شروط هذه العملية واستلزاماتها.بالطبع، التنصل من العملية الديمقراطية قد يجلب انتقاضاً من مصداقية هذه الأحزاب ولكن، قد تكون نشوة الانتصار سبباً كافياً لنكثها بوعودها وذلك لاستغراقها في بحور الأيديولوجيا فها نحنُ وبعد مضي أيام معدودة على الانتخابات المصرية، يُطالعنا ‘حزب النور’ بأنواره القائلة بأن برلماناً مُنتخباً من قبل الشعب لن يكون مُعتَرفٌ بأحادية تمثيله للإرادة الشعبية بشكلٍ حصري إذ يجبُ أن تخضعَ قراراته لسلطة مجلس ديني أعلى. وهكذا، ووفقاً لـِ ‘حزب النور’ السلفي، سوف يقودُ هذا ‘المجلس الديني الأعلى’ الغير ـ مُنتخَب شؤون ‘الأمة’ وسوف يتقدمُ كمرجع أخير وكمُقرر أخير لقضاياها الكبرى.حري عن القول هنا بأن هذا الحزب العتيد ليس سوى وجه آخر لحركة الإخوان المسلمين فهو قد انبثق من رحم أيديولوجية الإخوان ويتقاسم معها مجمل المواقف السياسية والمعتقدية وسوف يُشاركها في الحكم قريباً وإن برزت بعضُ الصراعات فيما بينهما بخصوص تقاسم حصص كعكة السلطة القادمة في مصر. القاسم المشترك الأعظم ما بينهما هو الاتفاق على ضرورة بناء الدولة كدولة إسلامية حصراً وليس كدولة مدنية. إسلامية الدولة وفقاً لمبدأ أن الإسلام هو ‘دين ودنيا’وتطبيقاً لشعار ‘الإسلام هو الحل’ يتناقض جوهرياً وضرورات بناء نظام سياسي عربي ـ إسلامي حديث للخروج من متاهات الاستبداد والديكتاتورية التي أذلتنا منذ عقود وعقود، تارةً باسم محاربة الاستعمار وتحرير فلسطين وتارة أخرى باسم القومية والإشتراكية.دولة مدنية ديمقراطية أم دولة دينية؟التيار السلفي يقول جهراً ما يقوله التيار الإخواني بصوت منخفض مراعاةً لشروط محض تكتيكية. الدولة الإسلامية في فهم الحزبين هي الدولة التي تُطبق مبادئ الشريعة الإسلامية في خضم تنظيمها للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مجمل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة. هي الدولة التي لا تعترفُ بالفصل ما بين السلطات التشريعية والتنفيذية فالدين والدولة يمتزجان ولا يتمايزان وذلك كون هذه الدولة هي أداة تطبيق وتنفيذ الإرادة الربانية في عِبادها. قوانين الإرث والطلاق والزواج والمعاملات الاقتصادية وإقامة الحدود ومضمون البرامج التعليمية وأحكام القضاء هي من اختصاص الدولة الإسلامية بامتياز.هذه الدولة الدينية لابد وإن تتحول إلى دولة شمولية وديكتاتورية فهي دولة لا تقبل بالتعددية ولن تسمح بحكم طابعها الديني لأحزاب أخرى غير دينية من الوصول للسلطة إذ أن احتكار السلطة سوف يكونُ مُمَارساً باسم الحفاظ على جوهرها الإسلامي. وهكذا، سوف نكون أمام طابع ديكتاتوري إضافي يرفض فكرة تداول وتناوب السلطة السياسية في هذه الدولة اللامدنية. المجتمع المدني المتنوع الأطياف والمعتقدات لن يكون له الحق بقول كلمته بصدد حقوقه الأساسية ولن تكون هناك من قيمة سياسية لفكرة الانتماء إلى الوطن والمواطنة الفعلية.الدولة الدينية لن تكون دولة مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو الفلسفية.’أهل الذمة’ ومهما قيل حول تسامح الدين الإسلامي معهم هم مواطنو درجة ثانية ضمن المقاييس الحديثة للمواطنة.حقوق المرأة لن تجد أذنا صاغية فهي قاصرة وناقصة عقل ودين وليس بوجه الغرابة بشيء أن يكون قانون ‘تعدد الزوجات’ هو أول قانون يسنه الحكم الليبي الجديد.الحريات العامة والحريات الفردية والشخصية لن تُحتَرم في هذه الدولة الدينية إذ نحن بانتظار تشكيل هذه الحكومات القادمة لـِ’هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’ الوهابية.’الفرد’ سوف يُسحقُ بقوة أكبر في الدولة الدينية التي سوف تسعى لإعادة أسلمته وفقاً لمقاييسها ومواصفاتها الجاهزة سلفاً بل وإن ‘نساء السلفيين والإخوان قد تبرأنَ سلفاً من غادة كمال، فتاة التحرير التي أهانت قوات الأمن المصري كرامتها’ (‘القدس العربي’ 25 كانون الاول/ديسمبر2011). على نفس المنوال، تغاضت الحركات الإسلامية في مصر، إخوانية وسلفية عن مقتل حوالي 60 متظاهراً ممن يحتجون على بقاء العسكر في الحكم وذلك احتراماً لاتفاق ضمني على تقاسم ثمار الثورة ما بين المجلس العسكري الحاكم والحركات الإسلامية المنتصرة انتخابيا.انسحاب الإسلام السياسي من الحركة الشعبية المطالبة بالديمقراطية ورفضها المشاركة بمظاهرات ميدان التحرير في مصر يتطابق بالكامل مع انسحاب ‘حزب العدالة والتنمية’ في المغرب من الحركة الشعبية وما تبعه لاحقاً من انسحاب الحركة السلفية (جماعة العدل والإحسان) من ‘حركة 20 فبراير’ المنادية بضرورة الحصول على نظام سياسي ديمقراطي فعلي في المغرب.هذه هي أولى ملامح السلوك اللاـ ديمقراطي لحركات سوف تعتلي قريباً سدة الحكم عبر وسائل انتخابية ديمقراطية. باختصار، ألسنا بصدد ولادة الدولة الاستبدادية الجديدة والمعادية للديمقراطية باسم الدين الحنيف ومبادئه السامية؟ألا يحملُ تسييس الدين هذا انتقاصاً من سمو مبادئه الأخلاقية وروحانياته بإقحامه في متاهات السياسة والحكم والمصالح الدنيوية المتضاربة والمتناحرة؟ما هو جوهر تلك ‘الخوافات’ من الديمقراطية؟ وما هي الديمقراطية المخيفة هذه؟الديمقراطية: مركزية الفرد الحرـ الواعي ـ الفاعلالديمقراطية: مركزية ‘ العقد الاجتماعي’ المُنَظِم لعلاقة المواطن ـ الفرد بالسلطة السياسيةالديمقراطية: قبول التعددية أن القبول بمبدأ التعددية هو تكريس لشرعية ‘الذات المُفَكِرة الفردية’ القائلة برأيها وإن كان خارجاً عن رأي الجماعة وقبول ‘الفرد’ هذا كصانعٍ لتاريخه وكمشارك في صياغة مصيره الفردي (بل ومصير الجماعة ايضاً) هو تكريس لمبدأ التعددية بمواجهة ‘الشمولية الجمعية’ لـ ‘الجماعة’ أو لـِ ‘الأمة’ من جماعة المؤمنين والتي ترفضُ الاعتراف بموقف ورأي الفرد وتعتبره خروجاً عن الجماعة ومُهدداً لوحدتها وتماسكها. إن جوهر الديمقراطية السياسية وما تفترضه من ضرورة ‘دَمَقرَطةِ’ العلاقات الإجتماعية والإقتصادية وصولاً للعلاقات ما بين الجنسين من رجل وامرأة، تتمثلُ في القبول بـ ‘الآخر’ المُختَلِف والمُتفرد في خصوصياته الفردية والنفسية والشعورية والمُعتقدية. قبول هذا الآخر في اختلافه هو الترجمة الحية لمبدأ التعددية المشروعة التي لا بُدَّ وأن تُمَيز كل مجتمع حديث ومعاصر وذلك في ظِلِ حماية القانون ومؤسسات الدولة العامة. ترتبط التعددية السياسية بقضايا الديمقراطية والعقلانية والتعددية الفكرية، فاعتماد ثقافة الحوار الفكري السياسي هي الوجه الآخر للاعتراف بالتعددية السياسية وإمكانية تداول السلطة بأسلوب ديمقراطي منظم وهي النتاج الطبيعي لنمو حس النقد والبحث عن الحقيقة ليكون الخيار والرأي عقلانيان. هذه التعددية هي تحريرٌ للوعي وتجاوزٌ لإشكاليات المركزية وعقلها التسلطي، والتحول من معقولية الحقيقة ‘الأحادية’ إلى معقولية التنوع و’التكيف الإيجابي’ مع معطيات هذا العالم، وبالتالي الانخراط في مقتضياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. التعددية الفكرية والسياسية تُرَسِخُ مبدأ القبولِ بِـ’الرأي الآخر’، ‘الرأي المُخالِف’ وهذا القبول هو تصحيح للشك المُزمن الذي تحتضنه الثقافة العربية بشأن ‘الرأي المُخالف’ الذي نُظِر له تاريخياً كسببٍ من أسباب ‘الفتنة’ والحروب الأهلية الداخلية. القبول بمبدأ التعددية الفكرية هو دفعٌ للثقافة العربية لإحترام ‘العقل النقدي التحليلي’ ولِضرورة وضعه في مكانه الملائم في سيرورات إنتاج الفكر. هذا العقل النقدي التحليلي كان ولا يزالُ مُغَيباً أو على الأقل مُتَهَماً بالخروج عن الأعراف وذلك بسببِ المعارضة التي ابدتها بوجهه المؤسسة الثقافية العربية على مر العصور والتي رَسَخَتْ قواعد ‘التلقين’ و’الحفظ’ عن ظهر غيب دون إبداء الرأي بشأن ما لُقِنَ أو ما حُفِظَ. و هكذا لا يسعني إلا القول بان الفكر السلفي الذي انتصرت بعض تياراته في الانتخابات المصرية والتي سوف تنتصر قريباً في انتخابات عربية قادمة، هو فكر ظلامي خاضع لأعراف العادة وثوابت التقليد ولا يمكنه التحاور إلا مع أشباهه، إذ يرى في الاختلاف شذوذاً وفي التباين ضلالاً وفي التغيير خطراً داهماً، فيظل الوعي متقوقعاً على مفرداته التي تحددها مرجعياته الفكرية التي تفتقد التحديث والتجريب وتلغي سلطة العقل، لذلك يكون قياسها على الدوام جامداً لا يعرف التغير، أسيراً لماضٍ أصولي في الآليات والتأويلات. فكراً معادياً للاختلاف السياسي والفكري. إنه ذلك الفكر الذي يعيد إنتاج مقومات الأزمة العامة والتخلف على جميع المستويات .من أجل الخروج من أزمة الركود الفكري والتقهقر السياسي ومن أجل تعزيز قدراتنا على المقاومة لا بدّ لنا من بناء عقل حديث. عقلاً قادراً على استيعاب تراث التنوير الأوروبي استيعابا منهجيا، نقديا، جدليا، رافعا بذلك من قدرات المجتمعات العربية على مواجهة التحديات الكبرى التي تُواجهُها وناقلاً لِنُخبها المثقفة إلى مستوى يمكنها من أداء دور أساسي في إنجاز التقدم والتحرر من قوى الظلم والطغيان الغربية والإسرائيلية.ومن أجل الوصول إلى هذه المرحلة المُبشِرة بغدٍ أفضل لا مَفَرَ من تنمية الفكر الإنسانوي أي الإيمان بالإنسان وقدرته الخلاقة واستقلاليته وحريته الذاتية واعتباره مصدراً وأساساً لكل قيمة أي قيمة الروح النقدي المتواصل: رفض سلطة المألوف وسلطة السلف وسلطة الغيب،، ونزع هالة القدسية عن الأشياء والعلاقات والالتزام بالعقل العلمي كسلطة رئيسية للأحكام وكمعيارٍ أساسي للاستحكام. إنَ الفكر السلفي هو فكر خاضع لأعراف العادة وثوابت التقليد ولا يمكنه التحاور إلا مع أشباهه، إذ يرى في الاختلاف شذوذاً وفي التباين ضلالاً وفي التغيير خطراً داهماً، فيظل الوعي متقوقعاً على مفرداته التي تحددها مرجعـــــياته الفــــكرية التي تفتقد التحديث والتجريب وتلغي سلطة العقل، لذلك يكون قياسها على الدوام جامداً لا يعرف التغير، أسيراً لماضٍ أصولي في الآليات والتأويلات. فكراً معادياً للاختلاف السياسي والفكري. إنه ذلك الفكر الذي يعيد إنتاج مقومات الأزمة العامة والتخلف على جميع المستويات .أمام هذه الحقائق المُعاشة لواقعنا الثقافي والمعرفي والسياسي والاقتصادي المأزوم، يبقى العلم النقدي، التركيبي، الجدلي هو مُنقِذُنا من ضلال الحاضر والمستقبل. لن يُشكل ‘ابن تيمية’ نبراساً لخروجنا من أزماتنا المستفحلة ولن يقدم لنا ‘محمد بن عبد الوهاب’ نموذجاً للدولة الإسلامية الوهابية والتي لا تزال ترفض حق المرأة بقيادة سيارتها إلى يومنا هذا. هذا العلم المتخلص (أو الساعي قدر الإمكان للتخلص) من شوائب الأيديولوجيات ليس له هوية قومية وليس بعلمٍ غربيٍ محض ولن يكون علماً عربياً إسلامياً محضاً. العلم النقدي، التركيبي، الجدلي ليس علماً لتكريس هيمنة الغرب أو علماً للعودة بالمجتمعات العربية والإسلامية لتتطابق ومثالاً أعلى وضعته مدارس الفقه السالفة. إنه بالتأكيد، علم دراسة الواقع لتغييره نحو الأفضل وهذا العلم ‘المُفيد اجتماعيا’ لا يُمثل انفصاما فكرياً عن الواقع أو اغترابا عن ثقافة هذه المجتمعات وإنما ارتباطاً حميماً بأكثر قضاياها مصيريةً. ليس بلبس الجلباب الأبيض وإطلاق اللحى وحلق الشوارب وفرض زي على المرأة بحيث لا نرى منها حتى العيون خلف البراقع هو ما سوف يُحقِقُ تقدمنا وتحررنا من أغلال الاستعمار الحديث والعولمة الليبرالية والتبجح الإسرائيلي واحتلاله لأرضنا.’حزب النور’ في مصر لن ينير دروبنا وأن فاز بانتخابات ديمقراطية و’حزب الحرية والعدالة’ ألإخواني لن يحقق لنا الحرية ولا العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات الاقتصادية ولن يبني ‘دولة القانون’ ولن يحترم ‘حقوق الإنسان’ و’حقوق المرأة’ وفقاً للمواثيق الدولية. أجلاً أم عاجلاً سوف يتحالف الحزبان لكي يهيمنا على الحياة السياسية في مصر فما يجمعهما هو المبدأ القائل بضرورة ‘دمج الدين بالدولة’ وأن اشتق كلِ منهما استراتيجيات متباينة للوصول إلى هذا الهدف المشترك. الإستراتيجية ‘الناعمة’ للإخوان لا تختلف في الجوهر عن الإستراتيجية المتطرفة للتيار السلفي التي تطالب ومنذ الآن بتشكيل ‘مجلس إسلامي أعلى’ لمراقبة البرلمان ومؤسسات القضاء والتعليم لكي تتطابق الممارسات اليومية لأجهزة الدولة مع مبادئ ‘ابن تيمية’ و’محمد ابن عبد الوهاب’. لِمَ لا؟ وكيف سيرفض الحزب الإخواني تطرف هؤلاء وهو من غذى وجودهم ونَظُر لدعواتهم. على نفس هذا المنوال يمكننا أن نرى خروج إحدى الجماعات السلفية في غزة عن سيطرة حماس ودعوتها لتحويل غزة إلى إمارة إسلامية وقتلها لمتضامن إيطالي ليست بجنون مطبق وإنما نتيجة ‘طبيعية’ لمبدأ ‘دمج الدين بالدولة’، أي مبدأ إنشاء ‘الدولة الدينية، بالضبط، كما تهاجم الجماعات السلفية في تونس محطات التلفزة والجامعات ومعارض الفنون التشكيلية فالفن والتسلية واللعب هما من إثم الشيطان وليس هناك من وسيلة رادعة سوى حد الحريات و’برقعة’ النساء. ‘ استاذ في العلوم الإنسانية، ‘الكونسورسيوم الجامعي الأوروبي ـ المتوسطي’ـ ايطاليااستاذ زائر في العلوم الإجتماعية، ‘جامعة النجاح الوطنية’ـ نابلس ـ فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية