رياض معسعس بدأت أكثر من جهة تطرح تصورات ما بعد انهيار نظام العهد الأسدي، وأول المتصورين إسرائيل التي صرح رئيس أركانها بيني كانتز أن على إسرائيل أن تهيء نفسها لاستقبال مجموعات كبيرة من الطائفة العلوية الهاربة، خوفا من بطش الثائرين على حكم الأسد. وهذا التصريح جاء بعد خطاب بشار الأسد الرابع والأخير مباشرة، وتصريح آخر من وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك الذي قال بأن نظام الأسد آيل إلى السقوط في غضون أسابيع. أو تصريحات مطران حلب للروم الكاثوليك يوحنا جنبرت الذي قال بأنه ‘قلق جدا من انعكاسات احتمال سقوط النظام على المسيحيين، وأنهم يضطرون للهجرة كما حصل في العراق وأكد ضرورة إعطاء بشار الأسد فرصته، وأن المسيحيين لا يثقون بسلطة سنية متطرفة ويخشون هيمنة اخوان مسلمين دغمائيين’. وهناك من سرب بعض المعلومات وعلى رأسهم نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام بأن عائلة الأسد تحضر نفسها للتحصن في جبال العلويين وهم بصدد بناء معقل الأنصـــارية للانطلاق من هناك في حرب طائفيــة لا تبقي ولا تذر.
إن مثل هذه التصورات، أو المعلومات التي تسبق الحدث، وتتكهن بنتائجه، ليس من شأنها أن تتحقق. وإثارتها الآن ما من شأنها إلا أن تصب الزيت على النار المتأججة في سورية. وتصوري شخصيا هو: أولا: في اللحظة التي يسمع فيها الشعب السوري، ويتيقن، من سقوط هذا النظام الاستبدادي الذي خنق أنفاسه منذ عقود، سيملأ شوارع المدن السورية، وفي طليعتها دمشق وحلب اللتان لم تشاركا بهذه الثورة على النحو المنتظر، نظرا لقمع النظام الرهيب لهما. وسنرى الملايين في مشهد لا نظير له في تاريخ الثورات العربية والعالمية. وأنا أتوقع نزول ما لا يقل عن خمسة عشر مليون شخص إلى الشوارع، أي مجمل الشعب السوري بقضه وقضيضه، في يوم سيكون من أكثر أيام تاريخ سورية إشراقا، ليقول للعالم أجمع بأن الشعب السوري بأكمله يؤيد هذه الثورة المباركة. ثانيا: إن الشعب السوري وبوعيه، وحسه الوطني العالي، سوف يطمئن كل من يخشى، من مكونات الشعب السوري، على نفسه من عمليات انتقامية، بأن ابقوا فوق تراب هذا الوطن آمنين، وأن عمليات الانتقام المزعومة لن تحدث، وسيؤكد على أن جميع مكونات المجتمع السوري ستعامل بشكل متساو، وستكون كأسنان المشط أمام القانون، والحقوق، والواجبات. ولن يضطر أحدهم للنزوح إلى الجولان وغير الجولان للحماية. وعلى أية حال، فإن الإخوان العلويين الشرفاء هم أكبر، وأعقل من أن يلجأ أحدهم إلى الجولان المحتل ليكون تحت حماية إسرائيل. ثالثا: إن نجاح الثورة لن يدع مجالا لعائلة الأسد بأن تلعب لعبتها الطائفية، لأن الثوار سيعملون جاهدين على إجهاض مثل هكذا مشاريع طائفية تقسيمية، ولن ينجروا وراء حرب طائفية ضد كائن من كان، ويضاف إلى ذلك أن شرفاء الطائفة العلوية وهم الأغلبية لن يساهموا في هكذا مشروع يسلخهم عن سورية الأم، ويضعهم في موقع القاتل، والمقتول، مع مكونات شعبهم الذي هم جزء لا يتجزأ منه. رابعا: في هذا اليوم المنتظر، والآتي قريبا، سيخرج المعتقلون من معتقلاتهم بعشرات الآلاف وسيكتشف العالم بذهول إلى حجم هذه المعتقلات، وإلى عمليات التعذيب التي تعرضوا لها، وستفرغ السجون من ساكنيها الذي قضى بعضهم عشرات السنين في أقبيتها، تماما كما حصل في سجن أبوغريب في العراق. وسنرى رجال الأمن والمخابرات والشبيحة يبحثون عن أي ملجأ يلجأون إليه، وربما هؤلاء الذين تحدث عنهم رئيس الأركان الإسرائيلي، ولا يعرفون أي منقلب ينقلبون. ولكن من سيغيث القتلة وقتئذ. خامسا: سنرى الانشقاقات الكبيرة في الجيش السوري والتي ستلتحق بجيش سورية الحر، وتضع نفسها تحت تصرفه لحفظ أمن سورية ومواطنيها. سادسا: ستتقدم المعارضة بأطيافها المختلفة وعلى رأسها المجلس الوطني السوري، بمشروعها لبناء سورية الجديدة على أسس ديمقراطية، ودولة المؤسسات التي تضمن صياغة دستور جديد للبلاد، وإجراء الانتخابات الحرة الديمقراطية بعد فترة انتقالية لا تزيد عن ستة أشهر، ريثما يتم ترتيب البيت الداخلي. إن أي تصريح أو كلام يؤجج الصراع الطائفي في سورية، ويزرع بذور الفتنة بين فئات شعبها ليس سوى محاولة للاصطياد في المياه العكرة، و محاولة للإطالة في حل الأزمة السورية. لقد عانى الشعب السوري ما عانى من سنين حكم عائلة الأسد، وهو يقدم قوافل الشهداء كل يوم في سبيل نيل حريته، وهو غير مستعد لأن يتخلى عن هذا المطلب الأساسي الذي سيبنى عليه مستقبل أولاده لوعود خلبية فاض فيها خطاب الوداع لرئيس مخلوع عمليا.’ كاتب سوري