‘نقلب الصفحة ولا نمزقها’، كلمة تاريخية تحفظها الأجيال عن الراحل بومدين، ردا منه على كلمة الرئيس الفرنسي جيسكار دستان سنة 1975 ‘فرنسا التاريخية تحي الجزائر المستقلة’. ورغم مرور ما يقارب الخمسين عاما (2012-1962) على خروج فرنسا التاريخية من أرض الجزائر المستقلة، إلا أن سياسييها لم يكتفوا بعدم الاعتراف بجرائم الإبادة الجماعية التي إقترفتها دولتهم، رافعة شعار’الحرية والعدالة والمساواة’ في حق إنسانية الجزائري، بل سنت جمعيتهم العمومية (البرلمان) قانون 23 /02 /2005، والذي يمجد ما فعله أسلافهم من دعاوى تكسير قيود التخلف وبسط معالم الحضارة والتمدن في مستعمراتهم السابقة.
وتستمرالإبادة تلك، لتطال هذه الأيام الذاكرة الجمعية لشعب مازال لم ينل حقه بعد من جلاديه مجرمي الحرب، حيث أضحت المطالبة بتجريم الاستعمارالفرنسي في الجزائر تحجرا وبكاءا على الأطلال، لا يسمن ولا يغني من جوع، وأن ‘الأحفاد غير مطالبين بالإعتذار عن ما بدر من الأجداد’، وأنه يؤمل في ‘تأسيس علاقات جزائرية فرنسية مبنية على المستقبل وليس على الماضي’. هذا هو منطق ساسة فرنسا الحاليين في التعاطي مع تاريخهم الملطخ بدماء شعب أعزل، عانى من أخبث إستعمارإستطاني، دام مدة 132 سنة، في الوقت الذي لم يتوقفوا فيه لحظة – منذ أن طردوا من أرض أحرار وثوار الجزائر قبل نصف قرن من الزمان – عن تمجيد ووضع النياشين والنصب التذكارية لجنود وساسة متهمين بجرائم حرب وبجرائم ضد الإنسانية وفق معايير الأمم المتحدة لسنة 1948. إن فرنسا اليوم مطالبة بمراجعة تاريخها الإستعماري، لأن في ذلك تحقيق لمصلحتها ومصلحة الشعوب المتحررة، أما الجزائر فهي تملك كل أوراق الضغط الرابحة لتجسيد مطالب شرعية، تقرها القوانين الدولية والمنظمات الإنسانية، في الاعتراف الفرنسي بالجرائم والاعتذار، ومن ثم رد الاعتباروالتعويض. ومقابل أي تعنت فرنسي أمام الإقراربهذه الحقوق، يمكن التهديد بالمصالح الإقتصادية والتلويح ببدائل ألمانيا والمملكة المتحدة؟ وهي اللتان أبديتا إهتماما كبيرا لشراكة استراتيجية مع المتعاملين الجزائريين، وبهذه الخطوة فقط يمكن للمفاوض الجزائري أن يضع حدا لحرب إبادة الذاكرة كما أوقف أجداده الثوار حرب الإبادة الجماعية التي مازالت آثارها ماثلة إلى يومنا هذا في الإنسان والعمران.
عبد الحميد فطوش