من ‘ آخر النهار’ الى ‘ ناس بوك’

حجم الخط
0

سليم عزوز

خسرت الجزيرة حسين عبد الغني، وكسبته قناة ‘النهار’، وهي واحدة من الفضائيات الجديدة التي حصلت على الرخصة القانونية بالبث بعد الثورة، ضمن عشرات القنوات الأخرى، والتي قيل أنها من ضمن فضائيات الفلول، وذلك قبل أن يتدخل أهل الحكم ويقرروا وقف الترخيص لقنوات جديدة، وهو قرار متعسف ينتمي الى زمن العهد البائد، وجعل من يملك ترخيصاً بفضائية كأنما هبطت عليه ثروة من السماء، فمن يريد أن يطلق محطة تلفزيونية ليس أمامه إلا أن يشتري رخصة زهد فيها أصحابها، أو وجدوا أن المعروض عليهم كثمن لها أكبر من أن يقاوم!. ليست كل القنوات الجديدة محسوبة على الفلول، فالإخوان المسلمون حصلوا على رخصة بفضائية أطلقوها، لكن من الواضح أنها محطة سرية، كمطار إمبابة السري، الذي هو على الرغم من انه سري، إلا انه صار معروفاً للجميع بهذا الاسم، فسائق الأتوبيس يقول لك المحطة القادمة هي محطة ‘مطار إمبابة السري’، وزميلك في العمل يقول انه يسكن بجوار ‘مطار إمبابة السري’، وقبل سنوات تم إلغاء المطار السري بعد ان تحول اسمه الى نكتة.

الإخوان محظوظون في هذه الأيام إلا في مجال الإعلام، ولست بحاقد عليهم، فقد سعت لهم السلطة مشتاقة تسعى الى مشتاق، ومن حقهم أن يأخذوا ‘عشرتهم’، و’العشرة’ مصطلح يعرفه أبناء الريف المصري من أمثالي، وهو الخاص بالرقص في ‘الطبل البلدي’، وان كان الرقص مرتبطا بالنساء، أما من يأخذ ‘عشرته’ في هذا الطبل فانه يقال انه ‘تحنجل’، والإخوان الآن ‘يتحنجلون’ في ‘عشرتهم’. وهي تسمى ‘عشرة بلدي’ اشتقاقاً من الطبل البلدي، و’عشرتي’ أنا لم تأت بعد، وأنا في انتظارها منذ أن اخبرني مهتم بكتب التراث انه قرأ عبارة ‘سيتولى امر مصر واحد من جهينة ويل لمصر ولشعبها منه’، ومنذ هذا الحين وانا انتظر’عشرتي’.. بفتح العين، فأنا من جهينة!

الإخوان المحظوظون في كل شيء ليسوا بمحظوظين في مجال الإعلام، ولذلك فلم تترك محطتهم التلفزيونية بصمة على أي مستوى، على الرغم من ان أحمد منصور هو من درب عناصرهم في مكتب ‘الجزيرة مباشر مصر’ قبل ان يتعرض للتجريدة الأمنية إياها.

الإعلام لا يحيا إلا مع الحرية، ولا حرية في ظل قوانين ‘السمع والطاعة’ المعمول بها اخوانياً، وقديماً قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه (والد الشيخ حازم المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية) رداً على الإعلان المتكرر، بمناسبة وبدون مناسبة، من قبل قادة الجماعة بأنه ليس منهم: ‘ان الإخوان يريدونني ان اسمع وأطيع، وأنا أريد أن أُسمع وأطاع’، وقد اقترحت على احد الزملاء من الإخوان ان يعيدوا إنتاج تجربة جريدة ‘المصري’ قبل ثورة 1952، والتي كانت مملوكة لمحمود أبو الفتح، وكانت مع ذلك تعبر عن حزب الوفد ولا تصدر منه، وكانت في بعض الأحيان تنتقده بعنف.

قناة الفلول’النهار’ صنفها البعض ضمن قنوات الفلول، وليست لدي معلومات في هذا الشأن، ولا اعرف من أصحابها، ولا اعرف ما إذا كان أصحابها الظاهرون هم أصحابها الحقيقيون أم أنها تدار على قاعدة ‘اللهو الخفي’، ونجل الرائد متقاعد صفوت الشريف شريك في احدى الصحف ومنذ أيام ملك أبيه، لكن لا وجود لاسمه على الورق، ولعل السبب في القول ان هذه القناة ضمن محطات الفلول مرده الى أنها قامت في الأساس على عدد من الإعلاميين المرتبطين بشكل أو بآخر بالنظام البائد، لكن هذه القنوات جميعها تبارت في جلب من يتم حسابهم على الثورة للعمل بها، وبعضهم ليست لهم سوابق في العمل التلفزيوني، وقد صاروا مذيعين بقدرة قادر (عبد الرحمن يوسف القرضاوي نموذجاً). لا نعرف ما إذا كان جلب هؤلاء يأتي من باب غسيل السمعة، أم لأسباب مهنية بحتة، وبعضهم نجوم وان كانت ليست لهم سابقة أعمال في مجال الإعلام.

ولست ممن يرهقون أنفسهم في التفتيش عما في الصدور، فليس للإعلامي إلا ما سعى، وكل إنسان معلق من ‘عرقوبه’ ولا تزر وازرة وزر أخرى.

على قناة ‘النهار’ يقدم حسين عبد الغني برنامجه ‘آخر النهار’، وهو مهني في المقام الاول فضلا عن انه كان في ميدان التحرير كل أيام الثورة، وعندما قيل ان المجلس العسكري سيختار الحكومة من الميدان قلت انه من اقرب الإعلاميين لمنصب وزير الإعلام، لكن أهل الحكم ولأنهم امتداد للعهد البائد فقد حرصوا على أن تكون خياراتهم جميعها بما يؤكد أنهم امتداد لنظام مبارك. ولم يقدم عبد الغني برنامجه في التلفزيون المصري كما كنا نتوقع، ولم يعد برنامج ‘رئيس التحرير’ لحمدي قنديل الذي تم منعه في عهد النظام القديم.. وهل هناك نظام جديد؟!

، فالذي حدث ان رأس النظام فقط هو الذي سقط وبقي جسمه يقود البلاد الى الهاوية، ويمارس عملية شيطنة الثورة، وتشويه الثوار على نحو يذكرنا بأيام ‘سيئ الذكر’ حسني مبارك.

أهل الحكم اختزلوا الثورة المصرية، التي هي ثورة شعب، في عدد من الأشخاص، ظلوا طوال العام الماضي يقدمونهم إعلاميا على أنهم أصحاب الثورة، ومن قاموا بها، وعندما أصبحت أسماؤهم تتردد على أنهم مرادف للثورة، تم الحديث عن أنهم حصلوا على تمويلات خارجية، وأنهم كانوا من ضيوف السفارة الأمريكية بالقاهرة، مع أن هذا لم يتم ذكره وهم يخرجون من لقاء عصام شرف رئيس الوزراء، الى اجتماعات مع المجلس العسكري.

ما علينا، فبرنامج ‘آخر النهار’ لحسين عبد الغني يأتي ليكمل منظومة البرامج التي تقوم على أسس وقواعد مهنية في الفضائيات المصرية المختلفة، والتي يقدمها إعلاميون في الأصل، عملوا في هذا المجال قبل ان يصبح سوقاً مفتوحاً لكل من هب ودب، على نحو نشاهد مذيعاً يتحدث من انفه، ومذيعة تتحدث من بطنها، وتمثّل الفقر اللغوي وقد أصبح من دم ولحم، فتغيب عن الوعي لكي تمسك مفردة من قفاها.

مؤخراً استضاف حسين عبد الغني المستشار طارق البشري الذي اختاره المجلس العسكري عقب تنحي مبارك رئيساً للجنة التعديلات الدستورية، وسأله سؤالاً أغضبه، وجعله يبدي أسفه لأنه حضر ليشارك في البرنامج إذ تمثل السؤال هل كنت في قرارة نفسك وأنت تعد التعديلات تضع مصلحة مصر أمامك أم مصلحة تنظيم بعينه.

التعديلات الدستوريةالإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وكثيرون ومن بينهم فقهاء في القانون الدستوري يرون أن هذه التعديلات قد خدمت جماعة الإخوان المسلمين، وكانت نتاج صفقة بينهم وبين المجلس العسكري الحاكم.

ولم أكن من هؤلاء، فقد استبشرت خيراً لوجود البشري على رأس لجنة التعديلات وهو يمثل العدالة مغمضة العينين، وان كان منتمياً فكرياً لجماعة الإخوان المسلمين وقد كان قاضياً مشهوداً له بالنزاهة والاستقلال، وكتبت أكثر من مرة ان التعديلات في يد أمينة.

فقهاء القانون الدستوري قالوا ان الاستفتاء على التعديلات سيدخل البلاد في متاهة لأن الدستور القائم سيسقط بعدها، وبدا أهل الحكم ولجنتهم لا يسمعون لرأي احد. وما تم التحذير منه حدث فقد ظهروا كما لو كانوا قد فوجئوا بهذا السقوط الدستوري، فكان الإعلان الدستوري، ليكون لدينا ثماني مواد دستورية حصلت على شرعيتها من الشعب بالاستفتاء، وأكثر من خمسين مادة جاءت بالفرض وبقرار من المجلس العسكري الحاكم، ثم كانت هذه التعديلات سبباً في فتنة الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً؟

، وأناطت التعديلات بأغلبية البرلمان اختيار لجنة إعداد الدستور الجديد، بدلاً من ان يكون هذا من خلال لجنة تأسيسية، إذ كان ينبغي أن تكون البداية من خلال دستور جديد بدلاً من ان تكون البلاد قادمة على انتخابات رئاسية ولا نعلم ما إذا كان الدستور سينص على أن الحكم فيها سيكون برلمانياً أم رئاسياً؟

أهم ما لفت انتباهي في التعديلات هو الإبقاء على المادة التي وضعها نظام مبارك في الدستور، وهي تلك التي تحصن قرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية من الطعن فيها أمام القضاء الإداري، فقد بدت كما لو كانت لجنة إلهية لا تُسأل عما تفعل!. لقد غضب المستشار البشري من سؤال حسين عبد الغني، وعندما سعى لتلطيف الجو بالقول ان ضيفه قيمة كبرى قال انه لا يحتاج الى شهادته في ذلك.

بدا الرجل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء بسبب الهجوم عليه في وسائل الإعلام، وهو يتهم الصحافيين بأنهم من يهاجمونه في حين ان مطاعن كثيرة وجهت لعمل اللجنة من قبل قانونيين محترفين.

البعض اعتبر ان سؤال حسين عبد الغني للمستشار طارق البشري يمثل خروجاً على اللياقة، واعتقد انه سؤاله على حدته جاء مغلفاً وكان يمكن الإجابة عليه بهدوء لولا ان الرجل مجروح هذه الأيام.

عموماً فان برنامج ‘أخر النهار’ يعد واحداً من البرامج المهمة في الفضائيات المصرية، وان اختلفت الآراء حول حلقة المستشار البشري.

قنبلة هالة سرحانفجرت هالة سرحان قنبلة في برنامجها ‘ناس بوك’، من خلال لقطات للخيل والبغال في يوم موقعة الجمل، عندما قرر النظام السابق فض مظاهرات الميدان بالخيل والخيالة.

طوال الوقت يتم تصوير الموقف كما لو كانت الأرض انشقت وأخرجت البغال والحمير، وذلك لتبرئة جهات بعينها من التأمر على الثورة، وعندما كثر الحديث عن ان الدبابات المرابطة على مداخل الميدان اتخذت ساتراً بما يسمح بدخول الخيل بدأ يتردد بأن هذا تم من هول المفاجأة من ناحية ولأن هؤلاء كان يمكن أن يصطدموا بالقوات التي تحرس الميدان.

لقطات برنامج ‘ناس بوك’ أظهرت مشهدا جبارا للخيل وهي في طريقها للميدان وكانت على كورنيش النيل أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، وتحيط بها على الجانبين ‘تشريفة’ أمنية لا تخطئ العين دلالتها، وهي لقطات كاشفة عن انها كانت في حماية القوات.

لقد قيل من قبل ان تعليمات صدرت من الرئيس المخلوع الى وزير الدفاع باستخدام القوة ضد المتظاهرين وانه رفض، وأمام المحكمة التي تحاكم الرئيس السابق وزبانيته بتهمة قتل الثوار قال الوزير إن تعليمات لم تصدر له بهذا الشأن. وقيل ان المجلس الاعلى اجبر المخلوع على التنحي وجاء دفاع مبارك ليقول انه تنحى طواعية ولم يجبره احد.. بقي ان نعرف كيف تمت حماية الثورة إذن؟.. لكي نشكر من حموها.

صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية