د. يحيى مصطفى كامل ما من أحدٍ إلا و يحبس أنفاسه ترقباً لما سيسفر عنه يوم الخامس والعشرين المقبل القريب جداً… الكل يجزم بأنه لن يكون عادياً مملاً كإخوةٍ له سبقوه طياة ثلاثين عاماً هي عمر حكم مبارك البليد وأن شيئاً ما لابد أن يحدث… إلا أن هذا الشيء مثار تكهناتٍ متباينة ورهاناتٍ تتفاوت وفق رؤى وأماني الفرق المختلفة بمصالحها المتضاربة التي لم يعد إلى التوفيق بينها من سبيل.
عامٌ كاملٌ إذن مر على الثورة، وإذ تحل هذه الذكرى الأولى تجد مجتمعاً مقسماً بين شق ٍ يرى أن الثورة تمت وأنجزت المرجو منها داعياً إلى الالتفات إلى ‘عجلة الإنتاج’ المتوقفة والاقتصاد الموشك على الانهيار مؤكداً على كون الوقت والتطور الطبيعي الهادئ كفيلين بتحقيق الأماني المنشودة، لسان حالهم في ذلك ورقيتهم ‘يا رب!… مرر يومي الأربعاء الخامس والعشرين والجمعة السابع والعشرين على خيرٍ وسلام!!’ … و شق ٍ آخر يؤمن بأن الثورة لم تبدأ بعد وأنها تعرضت وما تزال لعملية قرصنةٍ مسلحة من قبل القطاع المعادي لها ممن تتصادم مصالحهم معها بصورةٍ جزرية بقيادة المجلس العسكري، والفصيلان يتنازعان على حيازة الميدان وإخراج الذكرى الأولى هذه حيث يريدها الفصيل الأول احتفاليةً مبهرجة تزخر بألوان الخطابة الفارغة واللعب النارية والمفرقعات… يريدها هيكلاً مفرغاً من أي مضمون يكون في جوهره تأبيناً للثورة وشاهداً على قبرها بينما يريدها أنصار استمرار الثورة استئنافاً لثورةٍ مجيدةٍ تعرقلت وتعطلت بسبب جملةٍ من نقائص الغدر والخداع والمماحكات العقيمة… بغض النظر عن انتماءٍ لا أخفيه للمنادين باستمرار الثورة فإن التقييم الموضوعي يفرض علينا جميعاً التسليم بأن متغيراتٍ ومستجداتٍ مهمة قد حدثت على الأرض وأن بعض المكاسب قد تحققت.
أولاً، خرجت الجموع الشعبية من خانة المفعول به إلى فضاء الحراك وصنع التاريخ الأوسع وو يلحق بهذا الحراك عن قرب ويقترن به تفجرٌ في الوعي والإدراك والطاقات الخلاقة… بذا تغيرت قواعد اللعبة تغيراً جذرياً وانكسر النمط الذي كان سائداً أيام مبارك، وإذ تخلص النظام منه تحت الضغط الشعبي المستجد تماماً (وإرضاءً لمطلب المؤسسة العسكري الحثيث في دفن مشروع التوريث…) قضى على العديد من المعطيات وأولها وأهمها ذلك التعويل على الموات الشعبي الذي اتخذ حجر أساسٍ في كل ما صدر عن الحكومة من تفريطٍ في ممتلكات الشعب وتمزيق لحم مصر الحي من أراضٍ بيعت بخساً ونهبٍ وقمعٍ وتشويه… لقد مضى ذلك الزمن (وأتمنى ألا يعود) الذي لم تكن ردة الفعل الشعبية تعني فيه شيئاً بل ولا تعدم الفكرة أن تثير السخرية من أي شخصٍ تخطر على باله في المقام الأول فيتجرأ على التصريح بها في المقام الثاني، وليس أدل على ذلك التغــــير من حالة التخوف والترقب التي ذكرت في بداية المقال… ولكل ما سبق فقد بات النظام يحسب للجمهور حساباً على الرغم من انتهاجه نفس الاساليب العنيفة والقمعية بحكم المنهاج والأهداف والطبع الأصيل الذي يغلب التطبع. الأهم من ذلك أن الخامس والعشرين من يناير يعود وقد انفرط عقد الإطاحة بمبارك الذي جمع الفرقاء ووحد الاضداد فظهرت الانقسامات وانحسرت النشوة والفوران الثوري عن مكونات المشهد السياسي المختلفة، أقلها متمرسٌ في العمل السياسي والغالبية العظمى ناشئة حديثة العهد به، إذ علينا أن نتذكر دائماً أن مصر التي عرفنا طوال العقود الثلاثة الماضية لم تكن بها حياة سياسية بالمعنى المفهوم، فغيبة الجمهور التي أسلفنا اختزلت الصراع على السلطة إلى سجالٍ بين نظامٍ باطشٍ متغولٍ ذي عضلاتٍ أمنيةٍ متضخمة وتنظيماتٍ منعزلةٍ سريةٍ -مفضوحة إسلامية الاتجاه على شبه الإطلاق؛ حتى حين ظهرت تنظيمات وتشكيلات أخرى ذات مرجعية مدنية في آخر أيام مبارك كان الصراع (وإني هنا لأستخدم الكلمة بمعناها المجازي الفضفاض) ناعماً، يدور على مستوى الأفكار وطرح المشاريع ومقارعة الحجج أحياناً ووصلات الردح المتبادل أحياناً اخرى بين أطرافٍ تؤمن غالبيتها في قرارة نفسها ببعد التغيير وترى الحل الواقعي في انتظار منَّة النظام وعطاياه من الفتات… تغيرت الصورة بعد الثورة فسقطت مسلمة استحالة التغيير وتقرر إجراء انتخابات؛ وبغض النظر عما قد يكون بين الأطراف من خلافٍ حول جدواها على ضوء توقيتها والظرف السياسي الاجتماعي المحيط بها فقد لاح في الأفق ما يشبه إمكانية الوصول للسلطة وفرض الإرادة، وهو الأمر الجديد تماماً، بل وبدا ذلك قريباً بصورة مبهرة تشعل الرغبة ويسيل لها لعاب قوى الإسلام السياسي الأكثر حضوراً على الساحة، خاصةً في ضوء تحالفها مع المجلس العسكري، وقد تضافر كل ذلك على تهييج سعارها… حينذاك خرجت عن الصف فأخذت تناور وتلتف لتقويض أي حراكٍ شعبي من شأنه التصدي لحكم العسكر بما يضير بتحالفها معهم ومصالحها الذاتية الضيقة بالتبعية… لقد انفض التجمع الوطني وانتهت ما يمكن تسميتها بمرحلة الجبهة الوطنية فعاد كل فريقٍ إلى قواعده وظهر على حقيقته، عارياً من كل الأصباغ وخاصةً قوى الإسلام السياسي التي برزت في كامل عنفوانها ونهمها إلى السلطة التي اشتاقت إليها وانتظرتها عقوداً طويلة تتفاوت بحسب عمر وجودها التنظيمي، فلم تجد محيصاً عن الأسلوب الذي لا تجيد غيره: الصفقات المنفردة مع النظام والرهان على العسكر؛ وفي سبيل ذلك توظف جموع مريديها الأكثر ومواردها الأوفر بمراحل مستفيدةً بالطبع من دعم النظام.
وقد تعقدت الصورة أكثر وتعمق الشرخ بين الطبقات والطوائف المهنية حين أتت نتيجة الانتخابات صادمةً مخيبةً لآمال ذوي المطالب الفئوية من عمال المصانع ومن هم على شاكلتهم ممن يرون ثورتهم تسرق منهم بعمليةٍ ديمقراطيةٍ عاجزة وكسيحة تتجرد من أي مضمونٍ اجتماعي وتفرز مجلساً أكثر يمينيةً من سابقيه… ولا يفوتنا في هذا المقام أن نؤكد أن الضربة القاضية لمهرجان النفاق والخداع وأكذوبة نجاح ثورة الحرية والكرامة جاءت من الدكتور البرادعي الذي أسقط بانسحابه ورقة التوت الضئيلة والجافة التي كان المجلس العسكري يستر بها عريه وقمعه وقبحه كما أن بيانه كان بمثابة أكبر صفعة نزلت على وجوه المهرولين في احتفالية العبث المسماة بالانتخابات الرئاسية، ولا يسعني هنا سوى أن أؤكد أن خطوته الشجاعة والأخلاقية جاءت في وقتها لتعري الجميع وتفضح إفلاسهم… تعود الذكرى إذن وقد شبت الثورة عن طور السذاجة والرومانسية وسقطت عن الثوار أغلب الأوهام بعد أن غُرر بهم وتآمر عليهم العسكر وحلفاؤهم وتعرضوا لحملات التشويه والاغتيال المعنوي… تعود والصراع بين الطبقات والفصائل أكثر وضوحاً وحدة.. تعود والمهمة لم تنجز وعامٌ قد ضيع… تعود والنظام مازال لا يعرف سوى البطش والاعتقال والمحاكمات العسكرية للمدنيين البريئين.. باختصار، تحل هذه الذكرى الأولى وقد وصلت مصر إلى حالة إمكانية التغيير لكن التغيير الحقيقي العميق الذي يعيد صياغة وهيكلة المجتمع لم يحدث بعد وربما ما يـــــزال بعيداً… الكل سينزل إلى الميدان… شيء واحد يمكن التأكد منه، ألا وهو أن القوى الثورية سوى تنزل أمضى عزماً وأعمق تصميماً على الصمود والاستمرار برغم المصاعب ويتعين عليها أن تعد العدة لصراعٍ قد يكون طويلاً.’ كاتب مصري