توفيق العيسى رام الله ـ من توفيق العيسى: لم يتفاجأ شادي زقطان حين وصفناه بالفنان الرصيفي، وعلى الرغم من كونه يفتخر بكونه رصيفيا، إلا أنه لا يرى في كلمة فنان اضافة جديدة لشخصيته وفنه، فهو يفضل أن يبقى شادي زقطان كاتب الكلمات ورفيق الغيتار، يغني لأصدقاء تساقطوا، ‘مثل السجع’. في مقهى المغارة التقينا شادي زقطان لمناسبة اصدار ألبومه الأول وكان هذا اللقاء. في بداية العام الجديد، ومع اصدار البومك الغنائي الجديد، ماذا سيقدم شادي زقطان اضافة للألبوم الاول؟ كما قلت في بداية العام الجديد سيكون هناك ألبوم، من انتاج محلي، بمعنى انه من انتاج مجموعة من الاصدقاء، تبرعوا لدفع تكاليف الانتاج، وليس من انتاج مؤسسة، أحاول أن اقدم في هذا الألبوم ما هو اجتماعي اكثر منه سياسيا، شعرت بأنني تحدثت في الالبوم الاول مع الجمهور عن مواضيع مشتركة بيني وبينهم، في العمل الجديد سأحاول ان اتكلم عن مواضيع أنا أراها مهمة، البداية كانت دعوة او استدراج المستمع لمنطقة وسط، بالحديث عن مواضيع مثل الاسرى والفلتان. يعني هل تريد أن تتخلى عن المنطقة الوسط بينك وبين المستمع؟ وكيف؟ ما أقوله اني في الالبوم الجديد سأذهب إلى قضايا اكثر اجتماعية، سياسية اجتماعية ولكن ليست ثورية، لأن من يدعو الناس إلى ثورة الآن هو شخص رومانسي (زيادة عن اللزوم، او غير واقعي، أو شخص زهقان). لكن من المفترض أن الفنان رومانسي؟ صحيح ولكن اذا استطعت ان تكتسب ثقة الجمهور واستمالته فيجب أن تكون حريصا على ألا تسمعهم ما يريدون أن يسمعوه فقط، أو المفروض ان يغنى، لكن عندما تكسب ثقة الناس فيجب أن تغني لهم ما تفكر به أنت، فالفنان اما ان يغني ويتحدث بأمور غير متوقعة، وإما ان يغني بما يتوقعه الناس، أنا سأحاول ان أجمع بين الجهتين، في الألبوم الاول، غنينا من خلال الواجب الوطني، طبعا من دون ان نرغم انفسنا على ذلك، ولكن هكذا كان الواقع الذي فرض نفسه في تلك الفترة، الآن هناك اسئلة كثيرة يجب أن تطرح، خاصة اذا كنت اعتبر نفسي مسؤولا وأقدم أغنية مسؤولة، الهدف هو ألا نتحول إلى التجارة بمشاعر الناس، وبالثورية، لأننا بذلك لن نختلف كثيرا عن اي فنان آخر، هذا فن يتاجر برغبات ومشاعر الناس والمتاجرة بالوطنية نفس الشيء. هل توضح الفكرة أكثر؟ ما هي المواضيع التي ستتطرق لها؟ سنغني مثلا عن النقابات، وعن حق ساعات العمل. لكن حتى في ألبومك الاول انت لم تقدم شعارات وأغاني صارخة وتقليدية، تحدثت عن قضية الأسرى بأغنية (احداشر ألف محل فاضي) بطريقة انسانية أكثر منها شعاراتية؟ التفاصيل لم تكن شعاراتية ولكن من السهل أن يتورط المحتوى بالشعاراتية، فمن السهل جدا على الفنان أن يهرب إلى الأغاني الوطنية، في الكتابة او الفن او الشعر، أعتقد ان الفلسطيني بحاجة إلى أن ينضج شخصية ليست بمعزل عن الوطنية والقضية السياسية، ولكن بوجه آخر غير الوجه النمطي والشعاراتي المعروف به أمام العالم، نحن شعب حضاري، وهذا لا يعني أني لا اعتبر الثورة حضارة، ولكن قصتنا في الحياة أكبر من اسرائيل، وسؤالنا الكوني في الحياة اكبر بكثير من اسرائيل، اسرائيل شوكة لا أكثر، وهي ليست أول احتلال ولا آخر احتلال، فاذا تمحور الفن حول اسرائيل فقط، فماذا سننتج بعد زوالها وهي ستزول حتما، عندما نصل إلى هذه الحتمية سنعود للبدء من الصفر. * اذا كنت تريد أن تقدم هذه الأفكار والحقوق البسيطة التي لم يتطرق لها أحد، ولا تريد ان تهرب إلى الوطنية، فلماذا لا تغني للحب أيضا، ليس حب الوطن فقط ولكن الحبيبة.. المرأة.. ابنة الجيران. لا الغي هذا الجانب ولكن أرى أن هناك أولويات، وبصراحة أولوية الحب لدي من واحد إلى عشرة، عندما قدمنا الألبوم الاول أنا وصديقي عماد احتوى على تسع أغاني، واحدة منها فقط عن الحب، لا أستطيع أن امنهج مشاعري، هناك حب بالتأكيد ونعيشه ويعيش بيننا ومعنا ولكن يكسوه الغبار، يضيع أحيانا بين كل هذه التفاصيل، ومرتبط عادة بالأغنية القديمة المتمثلة بفيروز وأغان غبية حديثة، هناك حب بالتأكيد، لكن لا أستطيع أن أقرر اني سأغني للحب، هناك الكثيرون في العالم العربي الذين يغنون للحب. لكن في فلسطين قليلا جدا؟ ربما لم تتح لنا الفرصة الحقيقية، حتى أن الحب لدينا مختلف. حب على طريقة زياد الرحباني. حتى ليس بطريقة ـ بلا ولا شيء ـ حب بصمت ومن دون كلام، أشبه ما يكون بحالة انكسار، فقدنا معها لغة التواصل، نبحث عن الحياة بالحب وبالأشياء الصغيرة. كم أغنية سيحتوي ألبومك الجديد؟ سبع أغانيات وقطعتان موسيقيتان. تعودنا على شادي زقطان الذي يكتب أغانيه بنفسه، هل سيكون هناك تعاون مع شعراء أو كلمات ليست لشادي؟ لا هذه المرة خرجت من هذه القوقعة، أنا لا ألحن كلمات لغيري لأني لا أريد ذلك، ولكن أخاف من تلحين نص جميل، بطريقة سيئة تسيء للنص، أنا أثق بموسيقاي ولكن الأشياء التي نحبها عادة ما نخربها، من فرط حبنا لها، النص الجميل محايد موسيقيا، فإما أن يرفعه اللحن او يهبط به، وهناك تجارب لموسيقيين كبار وهم أساتذتي لكنهم شوهوا بعض النصوص الجميلة، في هذا الألبوم لحنت قصيدتين لشاعرين، للشاعر الراحل يوسف الخطيب، بعنوان ‘قبرة’، وكنت أتمنى لو انهيت تلحينها قبل وفاته، وقصيدة أخرى بعنوان ‘نحب البلاد’، للشاعر التونسي زغير ولاد احمد، وهو شاعر الثورة التونسية، مطلعها يقول فيها نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد صباحا مساء وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الاحدولو قتلونا كما قتلوناولو شردونا كما شردوناولو ابعدونا كما أبعدونا لعدنا غزاة لهذا البلد بهذه القصيدة عدت للوطني؟ هي التي جاءت ولست أنا من ذهب إليها، مهما حاول الفنان فالموضوع الرئيسي هو الذي يفرض نفسه. * لما لا تستعين بشعراء شباب؟ هناك محاولة لجمع سبعة نصوص لشعراء محليين، منها نص جميل للشاعر فارس سباعنة، ونص آخر لجدي المرحوم خليل زقطان كتبه عام 1954. ومع الشاعرة أسماء عزايزة؟ سنقدم تجربة جديدة وهي قصائد موسيقية، أن تجعل النص هو الذي يغني بتركيب الموسيقى على الكلمات وليس العكس، ونطمح لأن تكون التجربة أشمل من ذلك عن طريق تصوير الفيديو، كقصيدة مصورة أيضا، الفن تطور الرسم والنحت والموسيقى إلا الشعر. نستنتج من ذلك أن مشروعك اكبر من اصدار ألبوم؟ احب ان يكون كذلك، مشروعي هو كل ما استطيع فعله، وليس محصورا في الموسيقى والاغنية فقط، ففي المحصلة مشروعك هو كل ما تنجزه، وأنا اؤمن ان الموهوب بالكتابة هو موهوب بمجالات مختلفة أيضا، ويستطيع أن يغرب كما يشاء، لماذا مثلا نرى فيديو كليب للأغنية ولا نرى (كليب) للقصيدة؟ الشعر هو صورة، وصناعة الصورة، حاليا أصبح على أي انسان ان يصنع فيلما، فلماذا لا نعزز الصور الشعرية لتكون مرئية أيضا؟ تعتقد ان هذا العمل من الممكن أن يكون مكملا للصورة الفنية في القصيدة؟ قبل قليل تحدثت عن الموسيقى وكيف يمكن لها ان تهبط بنص شعري، الا يمكن ان نواجه نفس المشكلة هنا؟ نعم، لذلك لن يكون العمل عشوائيا، بل مدروسا ومنظما، وفي النهاية النص يحتفظ بقيمته الفنية والادبية كنص، كل ما سنفعله هو ان نظهر صفاتها، يمكن أن تكون خسارة فادحة وتدمر النص وأنا لا أنكر ذلك، ولكن هكذا هو التجريب، وأعتقد أن الحركة الابداعية الفلسطينية والسينمائية خصوصا تأسست على قواعد متينة في العشر السنوات الأخيرة، وخلال الفترة المقبلة سنقطف ثمار هذه التجارب في كل الوطن العربي. في الحديث عن التجريب والتجديد، شادي زقطان معروف انه رفيق الغيتار، هل ستكون هناك آلات أخرى غير الغيتار؟ معظم الأغاني والمقطوعات الموسيقية ستكون على الغيتار أيضا، مع اضافة بسيطة لبعض الآلات، فأنا لست موسيقيا، أنا عازف غيتار، وكاتب أغنيات لم أدرس الموسيقى ولن أدرسها، لكن سأجرب بمساعدة أصدقائي منهم مهندس الصوت والموسيقي زاهر رشماوي وصديق آخر أن ندخل الموسيقى الإلكترونية، عن طريق الكمبيوتر، ولكن الأساس سيكون انا والغيتار. قبل قليل ذكرت أنك ستغني من كلمات جدك خليل زقطان، وعائلة زقطان معروفة بقدرة أفرادها على كتابة الشعر وكلمات الأغاني، كوضاح وغسان زقطان، ولهما قصائد وكلمات مغناة، لسميح شقير وبشار الزرقان وغيرهما، لماذا لا تكتمل تجربة العائلة الفنية، وتغني من كلماتهما؟ هذا صحيح ولكننا نحاول أن نفتح طرقا جديدة، أن ألحن من كلمات غسان زقطان وبعيدا عن كونه والدي، وأنا احب شعره فعلا، ولكن علي ان أكون واثقا اكثر بمقدرتي، ربما بالمرحلة الثالثة، المرحلة الاولى كانت تقديما، الثانية هي تأكيد على الوجود، الثالثة أستطيع ان أفعل ما يحلو لي ولكني سأكون عندئذ اكتسبت خبرة كافية لأتعامل مع نص غسان زقطان. اذا افترضنا قوة الكلمات في القصيدة هو ما يخيفك من تلحينها، فأنت أيضا تمتلك نفس الموهبة لكلمات برأيي الشخصي لا تخطر على بال كل شياطين وادي عبقر، ففي أغنية ‘يا ذيب’ عندما تقول ‘وصحابي ماتوا مثل السجع’ تعاملت مع كلمة تصعق مستمعيها؟ لأنهم هكذا ماتوا مثل السجع، تساقطوا كالقصص وابطال الروايات، ويا ليتهم ماتوا بالمعارك قبل ان يشهدوا هذه ‘الأيام السودة’. على ذكر ‘الأيام السودة’ قلت إن البومك ممول من تبرعات أصدقائك، لا نريد أن نسأل السؤال التقليدي حول صعوبات التمويل، لماذا لا يتجه شادي زقطان إلى العالم العربي والفضائيات؟ باعتقادك، من سينشر أغاني لشاب فلسطيني يغني للفلسطينيين؟ أنا دعيت لاكثر من مهرجان في اكثر من دولة، منها ما هو رسمي ومنها ما هو مؤسساتي، ومع ذلك لم أستطع الحصول على تأشيرة دخول لأي بلد عربي، وحرمت من عدة مشاركات رغم وجود دعوة رسمية من هذا البلد، كمهرجان الصوت العربي في القاهرة في العام الماضي مثلا.* هل تمنع لأنك شادي زقطان أو ان هناك أسبابا أمنية مثلا؟ لا، فقط لأني فلسطيني. هل هذه الدول تخاف من الفن الفلسطيني أن يطغى على فنهم مثلا؟ ليس بالضرورة، ولكن نحن ندعى إلى هذه المهرجانات فقط لإكمال المشهد، وأنا سعيد جدا لأني منعت انا وفنان عراقي من حضور مهرجان الصوت العربي في القاهرة، وقطع عنا التمويل أيضا، من شروط الاشتراك في المهرجان ان نقدم أغانينا مسجلة، وبعد تقييمها يتم اختيار الأغاني ومن ثم انتاجها، في البداية اعتذروا لي لعدم تمكنهم من الحصول على تأشيرة دخول لاقدم أغنيتي أسوة بغيري، التي كان من المفترض ان تبث على اكثر من 20 قناة فضائية، لم اكترث لذلك، وكان من المفروض ان تقدم الأغنية مع فيديو كليب كما انتجوا لكل الاغاني المقدمة، ثم تعذروا بعدم قدرتهم على انتاج الفيديو الكليب لعدم وجود ميزانية، وكان ذلك بمثابة سحب ترشيحي من المهرجان، وتكررت هذه الحادثة لاكثر من مرة وفي اكثر من مهرجان، لدرجة اني لم اعد اهتم لكل الدعوات التي تصلني حتى الآن. لماذا لا نقول إن الأغنية الفلسطينية لا جمهور لها في الخارج، هناك مواصفات للأغنية عربيا، لماذا لا نتعاطى مع هذه الاشتراطات من دون أن نقع في المبتذل، وهذا ممكن؟ نعم من الممكن ذلك، حتى أني احيانا افكر في ذلك فقط من أجل أن أفرض نفسي، ولكن هذا يجعل من الفنان يقدم أعماله من دون ان يشعر بها، وبصراحة أكثر أنا اكتفي بالجمهور الفلسطيني، وليذهب الذوق التجاري إلى الجحيم. يمكن أن تقرر ذلك الآن، ولكن مستقبلا من حقك كفنان ان تعيش من فنك؟ هذا طموح أي فنان وأي كاتب وأي مبدع، أن يتفرغ لفنه، يمكن ان لا يعجب فني الذائقة العامة أو المؤسسات، ولكن التمويل أيضا فخ، من الممكن لهذا التمويل أن يجمد مشروعك الفني، وليس بالضرورة أن يطوره، هناك مبدعون متوقفون عن العمل بانتظار التمويل، الذي قد يأتي وقد لا يأتي، بالنسبة لي هناك مجموعة من الأصدقاء مقتنعون بفني ويثقون به، قرروا مساعدتي، لاعتقادهم أني أستطيع ان امثلهم وأمثل وجهة نظرهم. إلى أي مدى توافق على الرأي القائل إن شادي زقطان فنان رصيفي؟ بالنسبة لي لم يستفزني هذا الوصف على العكس يسعدني جدا، ذاكرتي عن الرصيف هي جريدة الرصيف في بيروت، الفنان اذا اشتغل فنانا، أو اذا اشتغل العبقري عبقريا، سيكون هذا مقتله، لنبقى على الرصيف، ولتكن ادواتنا بسيطة، وبالمحصلة لن تكون فنانا اقليميا إن لم تكن محليا، ولن تستطيع ان توصل رسالتك إلى العالم قبل ان تصل إلى أبناء حارتك وشارعك، وهذه مشكلة المؤسسات التي اخرجتنا إلى العالم وباسم العالمية من دون جذور. بذاكرتنا نجد ان معظم الفن الفلسطيني هو فن رصيفي، نتيجة لواقع الاحتلال والحالة النضالية وتاريخها، كمصطفى الكرد وجميل السايح بالتعاون مع حسين البرغوثي ويعقوب اسماعيل. وحتى المغنون العرب كسميح شقير والشيخ امام الذين نعتبرهم فلسطينيين أيضا هم فنانو رصيف. أنا لا أعتقد أن حالنا اليوم أفضل من حالهم قديما رغم كل ما عانوه، أعتقد ان حالهم كان أفضل، وحفروا أسماءهم في ذاكرة الناس البسطاء، مهمتنا الآن وهي أصعب أن نكمل من حيث ما انتهوا، ولا مانع لديهم أن نصعد على أكتافهم ولكن أكتافهم عالية جدا، الرصيف هو الذي يجمع كل الناس، لا يوجد رصيف فلسطيني وآخر مصري، الرصيف هو الرصيف، سواء بمصر او تونس أو لندن، الرصيف هو الرصيف، واذا كان هناك رصيف و’روف’ فأنا أفضل أن أبقى على الرصيف. هل أصبح الرصيف عاصمة الفنان؟ لا احب كلمة فنان ولكن نحن نعيش على الرصيف، كنا ننتظر الحافلة على الرصيف، وأثناء انتظارنا، بنينا مظلة، للانتظار، وصار هناك من يبيع القهوة والسجائر للمنتظرين، فأصبح عاصمة لنا، ليس عاصمة للفنان ولا اقول لليسار، اليسار انتهى أيضا، واختلطت كل المصطلحات، وأوضح مفهوم بين كل المفاهيم هو الرصيف، لأنك من خلاله ترى الناس جميعا، أما في الغرف المغلقة فأنت تتكلم مع نفسك فقط.