‘فن الشارع’ العربي: من الاحتفاء بالحج إلى المطالبة بسقوط الأنظمة!

حجم الخط
0

هاني الحوراني شهد فن الشارع Street Art ازدهاراً وانتشاراً استثنائياً في العديد من المدن والحواضر العربية خلال السنوات الماضية، وقد التفت الإعلاميون والدارسون لحضور ‘فنون الشارع’ إبان ثورات الربيع العربي، من رسوم وشعارات مكتوبة على الجدران، وإدخال أشكال فنية وتحويرات مقصودة على الصور واستخدام رموز ووسائل غير مألوفة في التعبير عن المطالب السياسية. وقد ترافق هذا الشكل من الفنون البصرية مع أشكال أخرى من التعبير الفني، مثل الموسيقى والغناء وفنون الأداء المسرحي، ليضفي على هذه الثورات طابعاً ثقافياً وإبداعياً، ولينسب إلى الربيع العربي المسؤولية عن انبعاث نهضة فنية جديدة، وظهورمواهب وإبداعات شبابية غير معروفة من قبل.

لكن قبل أن نمضي قدماً في استقراء مشهد ‘فن الشارع’ العربي، دعونا نتوقف قليلاً أمام هذا الشكل من الفنون الذي اكتسح العالم وتحول إلى حقل قائم بذاته، متنوع المدارس والاتجاهات، له نجومه وأعلامه ومريدوه ونقاده، فضلاً عن وجود جمهور ساعٍ وراءه للاستمتاع به، واقتناء الكتب المتكاثرة التي باتت تصدر عنه.

إن فن الشارع هو أحد الفنون البصرية التي نمت في الأماكن العامة والشوارع، وهو فن ‘غير رسمي’ ترعرع خارج الحاضنات الحكومية والمؤسسات الثقافية الخاصة التي ترعى الفنون، ليضم خليطاً من أشكال التعبير الفني، مثل فن الغرافيتي التقليدي، والذي كان أسبق تاريخياً إلى الوجود، إضافة إلى النحت والجداريات والطبع من خلال شرائح مفرغة (الستانسل) واستعمال اللاصقات (Stickers)، والملصق (Posters) وفنون التجهيز في الفراغ (Street Installutions) والفنون الجماعية (Corporate Art) وغيرها.

لقد غيَّر فنانو الشارع النظرة إلى الفنون عن طريق وضع أعمالهم خارج المحتوى التقليدي، أي خارج صالات العرض والمتاحف والغرف المغلقة، وذلك باللجوء إلى الأماكن العامة والمفتوحة. وبعبارة أكثر دقة فإنهم لم يغيروا تعريف العمل الفني بقدر ما أعادوا النظر في البيئة المحيطة بالفن من ناحية، وتطوير تقنيات ولغة تشكيلية خاصة بهم، بهدف تحقيق التواصل بينهم وبين رجل الشارع، كما أنهم غالباً ما تناولوا موضوعات ذات علاقة بالمجتمع دون الاخلال بالقيم الجمالية لأعمالهم، وفي الوقت نفسه دون أن يكونوا أسرى لهذه القيم الموروثة.

وفي الوقت الذي اشتهرت فنون الغرافيتي باستخدام عبوات الصباغ المضغوطة في تنفيذها، فإن فن الشارع أدخل مواد وتقنيات جديدة مثل LED Art، فن القص عن طريق الموزاييك، الرسم الجداري، فن الطباعة على الستانسل، اللواصق، أعمال التجهيز في الشوارع، والفيديو آرت وغير ذلك.

ومثلما كان الغرافيتي التقليدي قد نشأ واستخدم بكثرة في تحد واضح للقانون، ولتنفيذ أعمال ذات طابع سياسي، فإن فنانو الشارع ما زالوا في معظم الأحوال يقومون بتنفيذ أعمالهم في الشوارع دون موافقات رسمية، ولهذا السبب أُطلق على فن الشارع ‘ما بعد الغرافيتي’ أو ‘الجرافيتي المحدث’. واليوم بات فن الشارع، مثله مثل الغرافيتي التقليدي، فناً منتشراً عبر مدن العالم، كما أن فناني الشارع أخذوا بالتنقل ما بين مختلف المدن لنشر رسومهم وتصاميمهم، باحثين عن أفضل الأماكن لتنفيذها.

وبطبيعة الحال فإن حوافز وأهداف فناني الشارع تتعدد وتتنوع تبعاً لطبيعة الفنانين أنفسهم، فقد اقترن هذا النوع من الفن بقوة بالحركية والنشاطية التي أطلقها الفن الحضري (The Urban Art)، حيث استخدم فن الشارع كمنصة مؤثرة للوصول إلى الجمهور. فبعض الفنانين لجأ إلى جدران الشوارع للتبشير بقضايا اجتماعية أو سياسية، بينما نظر البعض الآخر منهم إلى الشوارع كأماكن مفتوحة للتعبير الذاتي عن النفس من خلال الرسم، وثمة منهم من يرى الرسم في الأماكن والساحات العامة وسيلة لتحدي النظام أو المؤسسة أو للتعبير عن رفضها.

وكما أشرنا من قبل فإن فنون الشارع لم تنشأ داخل حواضن رسمية أو أطر مؤسسية وإنما نشأت وازدهرت بعيداً عنها، وغالباً كنقيض لها، إلا أن هذا لم ينتقص من أهميتها أو من الاعتراف بها كأحد روافد الفن المعاصر، تماماً كما حصل مع الفن الحضري وفن الغرافيتي، حيث اشتهر عدد من المدن والبلدات والحواضر الغربية، وباتت محجاً للزائرين والسياح، بسبب انطلاق فنون الشارع فيها أو في أحياء منها، ومن ثم استفادت من هذه الظاهرة الثقافية الجديدة لاكتساب ميزة ثقافية إضافية. ولعل أشهر المدن الحواضن لفن الشارع مدينة برلين الألمانية التي تحولت إلى مركز عالمي للفن الحضري منذ إعادة توحيد برلين. وهناك مدينة بريستول البريطانية والتي أشهرها بانكسي Banksy، أحد نجوم فن الشارع، والأمر نفسه مع لندن التي تعتبر أكثر مدينة متحيزة لفن الغرافيتي، وميلبورن الاسترالية التي تعد موطن أكبر حركة عالمية لفن الشارع، وأكثر مدينة تستقطب الفنانين النجوم الذي كرسوا الاعتراف بهذا الفن مثل Lerat و BlekوBanksy وفي أمريكا اللاتينية اشتهرت بيونس أيرس الأرجنتينية التي تضم أهم جداريات فن الشارع في العالم، وسان باولو البرازيلية التي استبدلت اللوحات الإعلانية التجارية بمشاهد رائعة من فنون الشارع، هذا بالإضافة إلى باريس ونيويورك ولوس أنجلوس التي تعتبر من أهم حواضن فنون الشارع في العالم.

ككل الموجات الفنية الحديثة فقد تحول عدد متزايد من فناني الشارع إلى نجوم متوجين لهذا الفن الذي كان خارج الشرعية ويتحدى التنظيم الحضري وحتى الذوق العام، أصبحت المتاحف وصالات العرض الفني تتهافت على عرض أعمالهم، وحقق العديد منهم مثل جيف اسيرسول، بانكسي، بلو، مات بينوت، كارترن، Ces53، دان وتنر، D*Face، تود هنسن، أنفيدور، ميشيل كربي، نيك فيس، أليس جاليجر، فيهل، أوس جميوس، سوون، Twist 108، ستين ليكس وغيرهم، نجاحات تجارية كبيرة.

ربما كان العرض الذي رعاه مشروع واشنطن للفنون، والذي أقيم عام 1981 تحت عنوان ‘أعمال الشارع’، من أقدم المبادرات التي تنبهت إلى أهمية هذا الفن، وقامت بالاحتفاء به. وخلال العقود الثلاثة التي انصرمت باتت أعظم المؤسسات الفنية قاطبة تحتفي بفن الشارع، هذا هو حال صالة تيت Tate للفنون الحديثة في لندن، التي أقامت له معرضاً كبيراً عام 2008، وفي 13 أيار/ مايو 2011 افتتحت مدينة لوس أنجلوس أكبر غاليري عالمي لفنون الشارع في منطقة لابريا بمساحة 600 متر مربع. حيث يضم الغاليري، وهو LAB ART، 300 قطعة فنية، إضافة إلى أعمال التجهيز في الفراغ تعود لأكثر من ثلاثين فناناً معروفاً من فناني الشارع.

وغني عن البيان أن فن الشارع بات موضوعاً لتأليف عشرات الكتب الدراسية والأشرطة السينمائية الوثائقية ومئات المقالات الدراسية. ولا غرابة فقد أخرج فن الشارع (وقبله فنون الغرافيتي والفن الحضري وأعمال التجهيز في الفراغ وفن الفيديو) الفن التشكيلي الغربي من أزمته الخانقة وفتح آفاقاً جديدة غير محسوبة له.

إن فن الشارع ليس جديداً على العالم العربي، فقد كان الفنانون الشعبيون في مصر وفلسطين وبلدان عربية أخرى يقومون بتزيين جدران بيوت العائدين من الحج برسوم تصف رحلة الحج وتصور الكعبة المشرفة وهي محاطة بالحجيج، وكان هؤلاء الفنانين يضيفون إلى الرسوم عبارات التهنئة والتبريك وزخارف تزيينية أخرى. ولا يزال هذا النوع من الرسوم منتشراً في مدن الصعيد المصري، كما يشاهد في جدران بيوت “القدس العربي”ة وفي البلدات والقرى الريفية السورية، وربما في مدن عربية أخرى، علماً بأن تزيين جدران البيوت والأبواب لا يزال يسم بعض الحواضر العربية، ولاسيما في البلدات التي ما زالت تحافظ على طابعها الريفي.

خلال العقود الأخيرة إزدهر ‘فن الشارع’ في عدد من المدن والحواضر العربية، لاسيما في لبنان وفلسطين، وذلك تحت تأثير احتدام الصراعات السياسية والاجتماعية وتحول إلى وسيلة تبشير بالمواقف التي يحملها فنانو الشارع، فإبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية تحولت الأماكن والساحات العامة في المدن والمخيمات إلى جداريات تمجد الشهداء وتحمل صورهم وأسماءهم وتندد بالاحتلال الاسرائيلي، أو تعبر عن الانحيازات السياسية لهذا الفصيل أو ذاك، وخلال السنوات الأخيرة تحول الجدار العازل الذي قامت إسرائيل ببنائه ليطوق القدس والأراضي الواقعة على الخط الأخضر، إلى مساحة حرة للرسم الجداري الذي شارك فيه فلسطينيون وفنانون عالميون.

وبالمثل فقد ترافقت الحرب الأهلية في لبنان مع ازدهار أشكال التعبير عن الانحيازات السياسية من خلال الرسوم اليدوية والملصقات والكتابات (graiti) التي كانت تملأ الأزقة والساحات الفارغة وجدران الأبنية المهدمة. ومع احتدام الصراعات الاجتماعية في لبنان وتواصل حالة الانقسام السياسي فقد استمرت ظاهرة الرسم على الجدران في بيروت والمدن الأخرى إلى يومنا هذا، من خلال لجوء الفنانين ذوي الولاءات السياسية لتدوين رسومات وأشكال وعبارات لتعكس اهتماماتهم المتنوعة، والتي تجمع ما بين الاهتمامات الثقافية والكونية وبين الدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة أو للتعبير عن التضامن مع غزة، بعد غزوها الأخير من قبل اسرائيل (2008)، أو للتطرق إلى موضوعات ذات صلة بانتفاضات الربيع العربي.

لكن القفزة الكبرى لفنون الشارع جاءت مع موجة المطالبة بالتغيير التي عمت عدداً من البلدان العربية، وأطلق العنان لحرية التعبير الفني، وحطم الحدود ما بين أشكال التعبير الفني والتعبير السياسي، وتسبب بازدهار أساليب تعابير فنية تنسب إلى الفن الحضري (Urban Art) وفنون التجهيز في الفراغات العامة، والحروفية أو الرسم بالحروف (graiti) الذي كان قد انطلق من شوارع المدن الغربية الكبرى منذ عدة عقود ليتخذ طابعاً عالمياً. ففي شوارع القاهرة، وليس فقط ساحات ميدان التحرير تحولت الفراغات إلى جداريات للتعبير الفني الحر، الذي انخرط فيه فنانون محترفون وآخرون هواة، إلى جانب أساتذة وطلبة كليات الفنون الجميلة.

وبالعودة إلى فن الشارع وعلاقته بالربيع العربي، فإننا نجد عدة ملاذات لهذا الفن في بعض مناطق القاهرة وبيروت، وبدرجة أقل في عواصم عربية أخرى. ففي القاهرة نجد رسوم الشارع في ميدان التحرير، ولاسيما على جدار الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفي منطقة الزمالك وقرب كلية الفنون هناك، وعلى جدران الكباري (الجسور) والفراغات العامة التي تتخلل أحياء القاهرة الأخرى. أما في بيروت فتتركز رسوم الشارع في جدران العمارات القديمة في شارع عبد العزيز، منطقة الحمرا، وبعض أسوار ذلك الشارع، وكذلك في منطقة عين المريسة، والأدراج التي تهبط منها لجهة البحر.

ما يمكن قوله عن أهمية الرسوم في شوارع القاهرة انها لا تكتفي بالاحتفاء بثورة 25 يناير وتدعمها، وإنما كونها قد كشفت عن تقنيات ومهارات عالية وقوة تعبيرية جديدة أغنت حرية التعبير الأخرى في الموضوعات السياسية. إن معظم رسوم الشارع يعتمد على أساليب مبسطة تقوم على استعمال علب رش الألوان لطباعة الشعارات أو العبارات الثورية، وهناك رسوم أكثر تعقيداً وأكثر أهمية من الناحية الفنية قام بها طلبة الفنون أو فنانون وفنانات شابات.

أما بالنسبة إلى رسوم الشارع في بيروت فقد جاء بعضها كصدى لأحداث الربيع العربي، أو للتعبير عن موضوعات اجتماعية، أو لتخليد قادة مثل كمال جنبلاط، أو لمجرد التعبير عن الآراء الشخصية أو الترويج لشارات حزب سياسي. وهناك أعمال أكثر تعقيداً وأهمية فنية مثل رسم الوجوه بأساليب تشابه الطباعة الالكترونية القائمة على تراصف نقاط ملونة كبيرة، أو طلاء جدار بشعار كبير مثل: ‘يا شارع الحمرا يا شارع الألوان’ أو ‘تحية من بيروت إلى غزة’ … إلخ.

وفي عمان، رغم انتشار المبادرات والجماعات الفنية والشبابية فإن حضور الفنون في الحركات الشعبية يكاد لا يكون ملحوظاً، اللهم بعض أشكال التطوير البلاغي والتعبيري على الشعارات المرسومة على اليافطات، أو استخدام العلم الأردني بمقاييس كبيرة في المظاهرات السياسية للمعارضة. ومع ذلك فقد شهدت عمان، على خجل، ظاهرة فن الشارع من خلال عدد من الرسوم الممتازة هنا وهناك، لعل أبرزها رسم بأسلوب الرش بالألوان يمثل المناضل الليبي الكبير عمر المختار مرتدياً قميصاً عليه صورة لتشي غيفارا!

وعموماً فإن من المتوقع أن تشكل أحداث الربيع العربي قوة دفع جديدة لأشكال وأساليب فن الشارع، خاصة وأنه يستجيب لروح الشباب ولتطلعاتهم نحو أنماط جديدة من التعبير، ولاخراج الفنون التشكيلية العربية من الرتابة والعروض النمطية. وإذا صدق الاعتقاد بأن العالم العربي لن يكون هو نفسه بعد الربيع العربي، فإن فنون العالم العربي لن تعود كما كانت من قبل.’ كاتب وفنان تشكيلي من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية