د. سعيد الشهابي
ارتفعت في الاسابيع الاخيرة دعوات من جهات مختلفة لاعادة الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية بعدما ما بدا من مؤشرات لتقلص ذلك الاهتمام نتيجة العديد من العوامل. وليس من المبالغة في شيء القول بان العامين المقبلين في العالم العربي سوف يحددان مدى الاهتمام الشعبي والرسمي بقضية فلسطين، وما اذا كانت قوى الثورة المضادة قد نجحت في تطويع الظاهرة الثورية ام انها هزمت امامها. وستكون قضية فلسطين من اهم مؤشرات ذلك. فاذا عادت القضية الى محور الاهتمام ليس الشعبي فحسب، بل السلطوي كذلك، فان ذلك يعني ان قوى الثورة المضادة فشلت في التأثير الحقيقي على القوى السياسية الناهضة في الدول التي تشهد حراكا ثوريا. اما اذا بدت ‘اسرائيل’ مرتاحة من الوضع وصامتة على نتائج الثورات وما يتمخض عنها من انظمة، فان ذلك يعني انتصارا لقوى الثورة المضادة. ماذا يعني ذلك؟
يمكن القول ان ‘اسرائيل’ في الوقت الحاضر تشعر باطمئنان كبير ازاء الوضع السياسي العربي وتطوراته، والموقف الغربي بشأن الصراع حول فلسطين. فالكيان الاسرائيلي اطمأن منذ عقود الى النظام الرسمي العربي، بعد ان تصدت الولايات المتحدة للوضع وتبنت سياسات تضمن أمن الكيان الاسرائيلي، سياسيا وعسكريا وامنيا. ولكن هذا الشعور تغير بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، وبروز ملامح وضع جديد قد يكون للاسلاميين فيه نصيب الاسد. وبعد عام واحد يبدو ان قلق ذلك الكيان تراجع لاسباب عديدة، من اهمها شعور قادتها باستعادة قوى الثورة المضادة جانبا من المبادرة، وقدرتها على القيام بهندسة الثورات او ما يتمخض عنها من انظمة. وتعيش واشنطن هواجس عديدة تتراوح بين الرغبة في تقليص تواجدها على المسرح الدولي نتيجة المشاكل المالية وتراجع اداء النظام المصرفي الغربي الذي يمثل عمود النظام الرأسمالي، والاستمرار في ذلك الدور من اجل حماية ‘اسرائيل’ بشكل اساسي. برغم ذلك ليس من الممكن بعد، اصدار حكم نهائي بشأن طبيعة الانظمة التي تمخضت او التي سوف تتمخض عن الثورات العربية. وسوف تبقى التطورات في مصر المعيار الاساسي لذلك التقييم. فاذا استطاع المجلس العسكري وأد الثورة بتحجيم نتائجها ومنع تحول مصر الى بلد ديمقراطي حقيقي، فسوف يكون ذلك انتصارا لقوى الثورة المضادة، وثمة مؤشرات قوية لذلك. ولكن روح الثورة ما تزال متقدة في نفوس الكثيرين، ولذلك فان مستقبل المجلس العسكري ليس محسوما حتى الآن برغم تصريح الاخوان المسلمين بانهم سوف يتعاونون معه ولن يقاطعوه، الامر الذي يطالب به شباب الثورة. المسألة الاخرى في المسألة المصرية التي يمكن اعتبارها المعيار الاكبر لقياس نتائج الثورة واستشراف مستقبل الوضع الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي، يتمثل بموقف الاخوان المسلمين الذين اصبحوا القوة السياسية الكبرى في مصر. وليس معروفا بشكل حاسم حتى الآن، ما اذا كانت التصريحات المنسوبة لبعض رموزهم تعبيرا حقيقيا عن سياساتهم المركزية بعد امساكهم بزمام الامور. وهنا لا بد من الاشارة الى الصراع الدائر تحت السطح بين اللوبي الغربي الذي نشط بشكل خاص في العام الاخير والذي يروج مشروع التطبيع مع الكيان الاسرائيلي في مقابل الدعم الامريكي للطرفين (الاسرائيلي وانظمة الحكم العربية المحسوبة على واشنطن) والقوى الثورية التي تدعو لتغييرات جذرية في النظام السياسي العربي، والسماح بانتخابات تتمخض عن انظمة مختلفة عن الحكومات المدعومة امريكيا. الاخوان المسلمون المصريون اصبحوا الآن ‘العامل المرجح’ في تحديد مستقبل الثورات العربية من جهة والموقف ازاء الكيان الاسرائيلي من جهة اخرى. وحتى الآن اتسمت تصريحات الجماعة بشيء من الغموض ازاء مسألتين جوهريتين: اولاهما: الموقف من الثورات العربية، وبالتحديد من السعودية ودول مجلس التعاون التي تمثل جوهر قوى الثورة المضادة، وثانيتهما: السياسة المصرية المستقبلية ازاء ‘اسرائيل’ وبالتحديد ازاء اتفاقات كامب ديفيد والتطبيع مع قوات الاحتلال الاسرائيلي، ومدى ضرورة اقامة محور عربي اسلامي مناهض للكيان الاسرائيلي. الواضح ان الجماعة تمارس سياسة حذرة في هذه المرحلة، لكي لا تعطي اعداءها مبرر اجهاض الثورة والقضاء على ما تحقق من انجازات حتى الآن في بلد سيظل بوابة التغيير او عدمه في العالم العربي. الاخوان كانوا مرفوضين حتى وقت قريب من قبل القوى الغربية، فلم تمض على تصريحات وزير الخارجية البريطاني، ويليام هيغ، الا بضعة شهور عنمدما قال انه لا يفضل فوز الاخوان نظرا لما يمثلونه من مشروع يعتبر في جوهره مضادا لتوجهات الغرب. كما ان خيارات الامريكيين لم تشمل في السابق التقارب من الاخوان. كل ذلك بسبب سياستين أصر الاخوان على اعلانهما طوال العقود الثمانية من وجودهم: الاول شعار ‘الاسلام هو الحل’ والثاني رفض الكيان الاسرائيلي ورفض الاعتراف به او التطبيع معه او اقرار اتفاقات كامب ديفيد التي وقعها انور السادات قبل 32 عاما. هذه السياسات الاخوانية، يطرحها الامريكيون على الطاولة عندما يلتقون مع قيادات الاخوان في مصر وسواها، ليس للاستيضاح فحسب، بل لطلب الالغاء الكامل لكافة السياسات التي اعلنها الاسلاميون مما لا يتوافق مع تصورات الغربيين او اولوياتهم. ولكن الاخوان انفسهم يعانون من مشاكل داخلية وظرفية. فالجماعة التي حصدت 39 بالمائة من مقاعد البرلمان جديرة بتشكيل الحكومة. ولكن وضع الاقتصاد المصري صعب جدا ومن شأنه ان يفشل تجربة الاخوان فيما اذا تشبثوا بالشعارين المذكورين، لسبب بسيط ان المعونات الخارجية سواء من الغرب ام الدول النفطية لن تقدم لهم. يضاف الى ذلك ان الاخوان، وهم الذين رفض النظام المصري الاعتراف بهم على مدى ستين عام، لم يتوقعوا ان يجدوا انفسهم في غضون عام واحد، قادرين على تشكيل الحكومة، ولذلك لم تكن لديهم سياسات جاهزة خصوصا للتعاطي مع تحديات الاقتصاد والعلاقات الدولية. فحتى وقت قصير كان الاخوان يرفعون شعار التصدي للوجود الامريكي في المنطقة، خصوصا بعد حرب الكويت قبل عشرين عاما وحرب العراق قبل عشرة اعوام. والامر نفسه ينطبق على الوضع في تونس حيث اصبحت حركة النهضة هي الجهة الحاكمة في بلد بقي حاكمه يستهدف الحركة واعضاءها وينكل بهم ويعذبهم ويصدر احكام السجن بحقهم. وحتى العام الماضي كان الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، ممنوعا من دخول الكثير من الدول العربية، خصوصا السعودية التي منعته قبل ثلاثة اعوام من دخول اراضيها لاداء فريضة الحج وبقي المنع سائر المفعول. وثمة مشكلة اخرى تواجه الاخوان لا تظهر للعيان ولكنها تفرض نفسها على جمهورها، وهي مشكلة لا تنفك عن التحديين الاساسيين المذكورين. فالشيخ يوسف القرضاوي الذي يعتبر المرجع الروحي للحركة، يطرح سياسات ومواقف لا تنسجم مع ما يطرحه الاخوان المصريون على الاقل. ومن ذلك مشاركته في 1990 بمؤتمر مكة مع 400 من علماء الدين الذين افتوا بجواز استقدام القوات الاجنبية لما سمي وقتها ‘تحرير الكويت’ بضرب القوات العراقية التي اجتاحت اراضي تلك البلاد. كما انه افتى مؤخرا بجواز الاستعانة بقوات حلف الناتو لضرب ليبيا واسقاط نظام القذافي. ويتمثل الموقف الثالث لفضيلة الشيخ بالاشارات المتعددة لامكان التعايش مع ‘اسرائيل’ واحترام المعاهدات الدولية (الامر الذي يتضمن امكان اقرار اتفاقات كامب ديفيد) والانفتاح على الولايات المتحدة. هذه القضايا لا تنسجم مع ما هو معلن من سياسات الاخوان، وبالتالي فهي مصدر ارباك فكري وسياسي لدى قطاع واسع خصوصا بين الجيل الشاب من الاسلاميين. يضاف الى ذلك ان الاخوان اصبحوا في موقع يفرض عليهم التفاوض مع جماعات اسلامية اخرى تعتبر مناوئة لهم، وفي مقدمتها الاتجاه السلفي الذي يمثله حزب النور، وهو القوى السياسية الثانية بعد الاخوان من حيث نسبة الاصوات وعدد المقاعد التي حصلوا عليها في الانتخابات الاخيرة. وثمة مشكلة اخرى لا تقل احراجا للقوى الاسلامية التي وجدت نفسها متصدية للعمل السياسي في بلدانها نتيجة ظروف الثورات. تتجسد هذه المشكلة بتحديد الموقف من ايران، سواء في سياساتها المعلنة بعدم الاعتراف بـ ‘اسرائيل’، ودعمها المكشوف للقوى المقاومة للكيان الاسرائيلي مثل ‘حزب الله’ و حماس والجهاد الاسلامي، ام العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية والسعودية وبقية انظمة جناح الاعتدال العربي، ام شعار الوحدة الاسلامية. وتواجه ايران معارضة من قبل الانظمة التي تواجه ثورات شعبية في المنطقة العربية، فضلا عن مواقف امريكا و’اسرائيل’ وبعض دول الاتحاد الاوروبي. ويفترض ان يكون الاخوان المسلمون منسجمين مع ايران في جميع هذه المواقف والسياسات. ولكنهم يعون ايضا ان الاعلان عن ذلك سوف يشيد جدارا عازلا بينهم وبين القوى الغربية التي تعتقد ان بامكانها تعقيد الاوضاع امام الجماعة بتحريض المجلس العسكري على مواجهة التيار الشعبي وتعطيل التحول نحو الديمقراطية. والامر نفسه ينطبق على حركة النهضة في تونس، التي يفترض انها لا تتعارض في اطروحاتها ورؤاها السياسية مع مواقف اخوان مصر لانهم جزء من جماعة الاخوان، ماضيا وحاضرا. وليس معروفا بعد ما الذي تمخض عن زيارة الشيخ الغنوشي في مطلع الشهر لدولة قطر بحثا عن دعم مالي لخزانة بلده التي وجدها خالية بعد فوز حركة النهضة في الانتخابات. في الاوضاع العادية يفترض ان يكون هناك انسجام بين قوى الثورة او الانظمة التي تتمخض عن نتائج تلك الثورات، مع نظام الحكم في ايران، لاسباب ايديولوجية واهمها الانتماء للمشروع الاسلامي، ولكن الغربيين يبذلون جهودا مضنية لمنع هذا التقارب خصوصا مع تخطيطهم لاستهداف ايران عسكريا من قبل المحور الامريكي الاسرائيلي. وعلى صعيد آخر عمدت قوى الثورة المضادة لترويج المشروع الطائفي كواحد من اسلحتها لاجهاض الثورات، وهي خطوة حققت شيئا من التقدم، واحدثت شروخا داخل جسد الامة الواحد وفق خطوط الانتماء المذهبي الذي يفترض ان لا ينعكس على اي من القضايا التي تمثل معالم المشروع الاسلامي سواء الذي طرحته ثورة ايران ام الذي رفعت شعاره الحركات الاسلامية في العالم العربي خصوصا الاخوان المسلمين. ويمكن القول ان عدم وضوح رؤية واشنطن وتل ابيب ازاء موقف الاسلاميين العرب تجاه اي عدوان ضد ايران، يعتبر عاملا مقلقا للولايات المتحدة. فبرغم اشاعة الفوضى السياسية من جهة والتحريض الطائفي من جهة اخرى، فان اية حرب ضد بلد عربي او مسلم من شأنه ان يعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة لغير صالح الولايات المتحدة، وقد يؤدي الى تجديد روح الثورة لدى شعوب الدول التي تحالفت حكوماتها مع واشنطن. وبرغم استيعاب رموز الحركة الاسلامية بشكل عام خطر المشروع الطائفي الهادف لتشطير الامة وفق خطوط الانتماء الفقهي، الا ان زخم طرحه على ايدي قوى الثورة المضادة، والتمويل الهائل المتوفر لحملات التحريض، والتشويش على حقائق الثورات، ساهم في تشويش الصورة لدى بعض الرموز الاسلامية. فما ان تتحدث عن ثورة البحرين مثلا حتى يطرح الاشكال الطائفي حولها، وكأنها حرب داخل البيت الاسلامي بين اتباع مذهبين دينيين. وفي غياب وعي القيادات الاسلامية بخطط مشاريع الثورة المضادة، كثيرا ما يقعون ضحية هذا التحريض والخطط، فينظرون لها من زاوية الانتماء المذهبي. وخطر هذه النظرة لا ينحصر بانعكاساته السلبية على الثورة البحرانية فحسب، بل ان الثورات الاخرى سوف تتضرر من ذلك ايضا لان قادتها قد يقعون في الحفرة التي اعدتها قوى الثورة المضادة لهم. فليس هناك مشكلة طائفية حقيقية في نفوس الثوار، اينما كانوا، بل انطلقوا جميعا على خلفية الاستبداد المفروض عليهم، وسياسات القمع والبطش التي يمارسها ذلك الاستبداد، وليس على اية خلفية اخرى. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن