هذا الخامس والعشرون من كانون الثاني

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

كانت تونس، وليس مصر، حاضنة شرارة الثورة العربية، التي تكاد أن لا تترك حجراً بدون أن تقلبه في أنحاء المجال العربي كافة. ولكن الثورة المصرية هي من استقطب قلوب العرب وأنظارهم، كما لم تستقطب منذ أكثر من جيل. لتونس فضل السبق، موقع الضمير العربي الذي أصبح عليه أن يستيقظ وإلا جر العرب جميعاً إلى هاوية النسيان. ولكن مصر هي مركز الثقل، هي شرط وجود العرب وصعودهم، وهي حارسة تاريخهم ومستقبلهم. كانت الثورة المصرية الأكثر استقطاباً لسبب بسيط وواضح؛ فقد أدرك العرب، حتى بدون أن يصرح أحدهم بذلك، أنه كما كان ماضيهم القريب، فإن مستقبلهم يرتبط إلى حد كبير بما سيحدث بمصر. ولم يكن غريباً في مساء 11 شباط/فبراير الحاسم أن تخرج المدن العربية كلها، من الدار البيضاء إلى الدوحة، للاحتفال بانتصار أشقائهم في القاهرة وفي مدن أرض الكنانة الأخرى. وهذا ما يجعل الخامس والعشرين من كانون ثاني/يناير يوماً عربياً بحق، وليس يوماً مصرياً وحسب.

مصر، على نحو ما، مدينة للمجموعة الصغيرة من الشبان التي قررت أن يكون 25 كانون ثاني/يناير يوماً للاحتجاج الشعبي، المجموعة التي لم تفقد أملها مطلقاً في الشعب وقدرته على أن الوقوف في وجه نظام الاستبداد والظلم والفساد. ولكن العرب مدينون لمصر، مدينون لخروجها التاريخي يوم الخامس والعشرين، وكل الأيام التالية، إلى أن سقط نظام الاستبداد والظلم والفساد، وانتشرت حركة الثورة سريعاً لتصل عاصمة عربية وراء الأخرى. واليوم، وبعد مرور أكثر من عام على اندلاع رياح الثورة العربية، ربما بات من الضروري إلقاء نظرة سريعة على حساب هذا العام العربي المصري، عام الشعوب والشهداء، الانتصارات والآلام المستمرة، الآمال الكبرى وخيبات الآمال.

كما الثورة التونسية، كانت الثورة المصرية حصيلة سنوات من القهر السياسي والاقتصاد النيو ـ ليبرالي والضغوط الاجتماعية. لم تفجر الثورة جماعة سياسية بعينها، بالرغم من أن أفراد مجموعة الشبان التي نظمت مظاهرات 25 يناير/ كانون ثاني كانوا من المنتمين لجماعات سياسية، وأن أغلبهم لم يكن جديداً على النشاط السياسي والاحتجاجي. ولكن القراءات التي تضع فاصلاً بين القوى السياسية والثورة هي بالتأكيد قراءات تبسيطية. فمنذ اليوم التالي لانطلاقة الثورة، سواء في السويس، التي انتقلت إليها حركة الاحتجاجات، أو في القاهرة، التي عادت للاشتعال في يوم الجمعة 28 يناير/ كانون ثاني، يوم الغضب، وأصبحت مركز الثورة ومعيارها، لعبت قيادات وشخصيات عامة، ونشطون سياسيون ومثقفون معروفون، وأحزاب سياسية، الدور الرئيسي في استمرارية الثورة، في اشتعالها، وفي تطوير الصورة الوطنية الإجماعية التي أصبحت الشرط الحيوي لتقدم الثورة نحو الانتصار. ولكن حالة الإجماع السياسي والشعبي التي استندت إليها حركة الشعب المصري طوال أيام الثورة الثمانية عشر، وما بعدها بقليل، سرعان ما انتهت، وحل مكانها مناخ من التدافع السياسي. ولا يتعلق الأمر بضعف بنية جماعات الشبان التي قادت مظاهرات اليوم الأول ونظمت ميادين الثورة في المدن المختلفة. فالحقيقة أن هؤلاء الشبان ينتمون إلى خلفيات سياسية مختلفة، وبعضهم إلى كيانات حزبية، وكان طبيعياً بعد انهيار نظام مبارك أن يختلف هؤلاء الشبان هم أيضاً حول مسار الثورة وأهدافها التالية. ولكن مشكلة الثورة المصرية الكبرى، لم تأت من انفراط عقد إجماع أسابيع الثورة القليلة وحسب، بل من الدور الذي لعبه الجيش في تحقيق هدف الثورة الأولي، والذي أهله للتحكم بمقاليد الدولة كلية، تشريعياً وتنفيذياً، في المرحلة الانتقالية بين سقوط النظام وولادة نظام حر، ديمقراطي، وتعددي جديد.

خلف المشهد الداخلي، كان وضع مصر وأهمية موقعها ودورها يشكل الثابت غير المصرح به في جملة التدافعات والجدل حول مسار المرحلة الانتقالية واتجاهها. وبالرغم من أن صعوبات لا تقل ثقلاً واجهت وتواجه المرحلة الانتقالية في تونس وليبيا واليمن، فإن تعقيدات الانتقال المصري كان من نوع آخر؛ ليس فقط لحجم البلاد الكبير نسبياً والتقاليد الراسخة وثقيلة الخطوات للدولة المصرية، ولكن أيضاً لأن أطراف التدافع الداخلي، والأطراف الإقليمية والدولية الرئيسة، تعي من البداية أن نجاح عملية التغيير في مصر سيترك آثاره على المجال العربي كله، وأن الإخفاق في مصر قد يعيد المجال العربي إلى أوضاع سياسية قد تكون أسوأ من أوضاع ما قبل 2011. تجلى التدافع والجدل المصري بعد إطاحة النظام في الموقف من الطبقة الحاكمة السابقة، التي بدا وكأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، التي تولى مقاليد الحكم في المرحلة الانتقالية، يريد تجنب المس بها، والرئيس مبارك على وجه الخصوص. نجحت الضغوط الشعبية سريعاً في إطاحة حكومة أحمد شفيق، الذي كان كلفه الرئيس مبارك بتشكيل حكومة بديلة لحكومة أحمد نظيف. ولكن تقديم أفراد الطبقة الحاكمة السابقة للمحاكمة، سواء على الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب أثناء الثورة أو على ميراث الفساد الثقيل للنظام السابق، تطلب ضغوطاً شعبية أكبر. وسرعان ما احتدم جدل من نوع آخر يتعلق بالخارطة الدستورية للمرحلة الانتقالية وللنظام الجديد على السواء. وليس ثمة شك في أن هذا الجدل، الذي يبدو الآن غير ذات معنى ولا أثر على المرحلة الانتقالية، استهلك الكثير من طاقة الثورة ومن حالة الإجماع الوطني التي ظللتها، ورسخ أول الانقسامات المتتالية بين القوى السياسية. وما أن أخذت البلاد في التحرك نحو أولى الانتخابات البرلمانية لعهد الثورة، حتى اندلع جدل آخر حول موقع الإسلام في مصر الجديدة، والدور الذي يمكن للقوى الإسلامية أن تتعهده، وما إن كانت مدنية الدولة ونظامها الحديث باتا مهددين بما أتاحته الثورة من حرية ومساحة عمل للقوى الإسلامية. ولم يتعلق تباطؤ المجلس العسكري في الاستجابة للمطالب الشعبية بالصلات الوثيقة التي ربطت المجلس بقيادات سابقة في نظام مبارك وحسب، ولكن أيضاً في أن الجيوش هي بطبيعتها كيانات محافظة. روج المجلس الأعلى للقوات المسلحة من البداية لدور الجيش الحاسم في انتصار الثورة وحمايتها، وتصرف المجلس بالتالي باعتباره وصياً على مسار الثورة واتجاهها. وربما راودت دوائر معينة في المجلس الأعلى أو من حوله تصورات حول إمكانية أن يعيد الجيش توليد دوره التاريخي في قيادة شؤون البلاد، أو احتلال الموقع المرجعي للدولة الجديدة. وقد ساعد التدافع المتصاعد بين القوى السياسية، وتشظي مجموعات شباب الثورة، في تعزيز موقع المجلس الأعلى، على الأقل فترة معينة، سيما أن شخصيات من النخبة السياسية المصرية أبدت استعداداً، وتعهدت بالفعل، العمل من أجل تأسيس موقع مرجعي للجيش في الدولة الجديدة.

في النهاية، كان العامل الأكبر في ميزان القوى الداخلي هو الشعب وروح الثورة التي لم تخمد. وقد ساعد الحراك الشعبي في يوليو/ تموز وفي نوفمبر/ تشرين أول، بالرغم من الخسائر المؤلمة في الأرواح، التي تكبدها الناشطون الشبان بعد سقوط النظام، في توكيد إرادة الشعب وفي فرض التراجع على المجلس الأعلى للقوات المسلحة. حسم موعد الانتخابات التشريعية، وعدل قانون انتخابات مجلس الشعب بما يرضي القوى السياسية، وأعلن موعد قاطع ونهائي للانتخابات الرئاسية، وأصبح على المجلس الأعلى التفاوض مع القوى السياسية الرئيسية حول شؤون الجيش ووضعه الدستوري، بدلاً من سياسة فرض الإرادة التي اتبعها المجلس الأعلى طوال أشهر الصيف القلقة. وقد شهدت مصر بالفعل انتخابات تشريعية نزيهة نسبياً، ربما الأكثر نزاهة في تاريخها، بالرغم من إرهاق فترة الانتخابات الطويلة، وعقد مجلس الشعب أخيراً جلسته الأولى في مشهد تاريخي لا ينسى. وبالرغم من الشكوك المحيطة بمدى السلطة التي يتمتع بها المجلس طبقاً للوضع الدستوري القائم، فالأرجح أن هذا المجلس سيفاجىء الكثير من المشككين في مدى قدرته. لم تعرف مصر في تاريخها الحديث، منذ العشرينات من القرن الماضي، برلماناً يتمتع بهذا القدر من الشرعية، ولابد أن النواب الخمسمئة الذين التقوا يوم 23 يناير/ كانون ثاني يحملون ذات المشاعر التي عبر عنها رئيس المجلس المنتخب، سعد الكتاتني، عندما أعلن في كلمته أن الثورة مستمرة.

باجتماع مجلس الشعب، يكون المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد خسر سلطاته التشريعية، ويتبقى في عهدته السلطة التنفيذية والسيادية لموقع رئاسة الجمهورية. وسيكون على مصر ربما خلال الأسابيع القليلة الماضية حسم المعركة الرئيسية الأخيرة من معارك المرحلة الانتقالية: إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية بغض النظر عن عملية كتابة الدستور، وليس الانتظار حتى تنتهي الجمعية التأسيسية من وضع مسودة هذا الدستور كما ترغب بعض دوائر المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبعض القوى الليبرالية قصيرة النظر. فهل تغيرت مصر بالفعل، هل تشهد مصر تحقيق الآمال التي حملتها الجموع الباسلة يوم اتخذت قرار الخروج يوم 25 من يناير/ كانون ثاني؟ مصر تتغير بدون أدنى شك، وقد لعبت القوة الشعبية، التي لم تخمد طوال العام التالي لسقوط نظام مبارك، وتصميم بعض من القوى السياسية، دوراً رئيسياً في حسم العديد من تدافعات المرحلة الانتقالية، التي بدت في بعض اللحظات وكأنها توشك أن تخضع مصر الثورة لوصاية عسكرية مقنعة. بيد أن طريق التغيير لم يزل طويلاً، وسيتطلب الانتقال بمصر إلى نظام سياسي حر وبالمصريين إلى حياة كريمة، استعادة قدر أكبر من التوافق السياسي، وإرادة سياسية وتنموية هائلة. لقد تركت الفئة الحاكمة السابقة البلاد كومة هائلة من الخراب، خراب في مؤسسات الدولة، في الثقافة والتعليم، في البنية الاجتماعية، في البيئتين الريفية والحضرية، وفي منظومة القيم والأخلاق. وسيحتاج الخروج من هذا الخراب سنوات من العمل الدؤوب، وثورات صغيرة مستمرة، لإصلاح أجهزة الدولة وإصلاح دوائر الاجتماع والاجتماع السياسي المصري.

بيد أن من الضروري أن لا ننسى أن معركة بناء مصر هي معركة المصريين والعرب جميعاً. ليس لأن العرب يرجون أن تحمل مصر الجدية أعباء نهوضهم، بل لأن نهوضها الشرط الضروري لنهوض المجال العربي كله. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية