عزيز الحدادي
كان المفكر الراحل محمد عابد الجابري يدعو إلى ضرورة التحرر من ‘الصواب الموروث’ الذي يتلقاه الناس ويتداولونه فيما بينهم بوصفه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا تخضع للحوار، ولعل هذا هو العائق الإبيستيمولوجي أمام نهضة العقل العربي، ولذلك يتساءل الجابري قائلا كيف يمكن تحقيق نهضة عربية بعقل غير ناهض، أي بعقل محروم من ملكة الشك والنقد، لأنه ورث الحقيقة مكتملة؟.
نحن إذن أمام معرفة جاهلة تجهل أنها جاهلة، ويطلق عليها الجابر ‘الجهل المركب’، أو الإيديولوجيا التي تقدم نفسها على أنها هي العلم الحق الخالد، الذي اكتسب شرعية الرد على الفلاسفة واضطهاد الفلسفة في الثقافة العربية منذ زمن الغزالي إلى يومنا هذا، وأصبح السؤال يصاغ بطريقة استفزازية، أي: لماذا الفلسفة؟ ولماذا الفلاسفة؟ وكما لاحظ ابن خلدون فقد ‘توغل المتأخرون في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحدا من اشتباه المسائل فيها’، ولعل ما كان يهم ابن خلدون هو الانتصار إلى أهل الحق ضد أهل الكفر، وبعبارة أخرى الاختفاء وراء علم الكلام من أجل تدمير الفلسفة، واتهام الفلاسفة بالتهافت، ولذلك نجد ابن خلدون يعتز بهذا الانتماء قائلا: ‘علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة؟ هل يتعلق الأمر بمشروع ثقافي وفكري، أم أنه مجرد إيديولوجيا تسعى إلى إقصاء المخالف لها في الرأي؟
لم يكن الجابري مطمئنا للمستقبل الذي ينتظر العقل العربي، لأنه عقل يتهيأ للانتحار مهما طال الزمن، ولذلك كان يردد قولة ابن تيمة الشهيرة: ‘شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما استطاع’. ولعل هذا هو واقع العقل العربي الذي يخشى النقد وهزة الشك، لأنه مطمئن للإيديولوجيا السائدة في عصره.
نعم لقد طلب المفكر يوما رفاقا له وفتش عن أبناء آماله فأدرك أنه لن يجدهم إذا هو لم يخلقهم خلقا.. ولكن كيف يتم له ذلك في عصرنا هذا؟.
إذا كان الفيلسوف يختصر حياته في النظر ويهبها للفلسفة ولا يتلقى من الناس أجرا ولا جزاء، لأنها تستولي عليه ويجد سعادته الكبرى في الاشتغال بها والاخلاص لمحبتها، فإن السياسي يبيع معرفته ووقته للدولة بأثمنة باهظة، إنه يشبه السوفسطائي الذي يعلم الشباب مقابل أجر، فكلما زاد في تعليمهم زادوا في أجره، ذلك أن المعرفة عنده تحولت إلى مقاولة للاستثمار ينبغي أن يحصل من خلالها على ثروة تؤهله إلى الغنى، ثم بعد ذلك يتبوأ مكانة رفيعة في السلطة، لكن ما الذي نريده من خلال هذه المقارنة بين الفيلسوف والسياسي؟
، هل نسعى إلى حرمان السياسي من السلطة العلمية والمدنية أو منحها للفيلسوف باعتباره قد تمكن من امتلاك أشرف العلوم وأصبح يقيم بالقرب من السعادة؟ ام لأن السياسيين الذين يفتقدون إلى التعقل ولا يصلحون إلى تدبير الناس بل إلى نسف كينونتهم؟
من المؤسف أن الناس لا يدركون مصلحتهم ويعشّمون أنفسهم الجهد والمشقة في سبيل أشياء عقيمة وعاطلة من كل قيمة، ولذلك تجدهم يتصارعون حول الثروة والسلطة واللذة إلى درجة أن السياسيين والعوام يشتركون في مؤامرة ضد النـزعة الإنسانية مفضلين الغنى والقوة على تهذيب النفس وامتلاك المعرفة، لأن السعادة عندهم هي اللذة التي يوفرها المال والسيطرة، هكذا نجد معلم الإنسانية يقارن بين الحياة العاقلة وبين الحياة الجاهلة، اي حياة الناس الذين يقصرون همهم على مجرد الحياة وبأي ثمن، عندما: ‘تفاجئنا نظرة النسر الحزين الذي يطل على وادي الأشباح، فالأشياء التي تبدو في أعين الناس عظيمة ليست في حقيقتها إلا ألعاب ظلال. ولما كانت هذه النغمة السوداء تهدد بانهيار تلك النغمة المتألقة بالبهجة والفرح، فمن البديهي أنها تؤكد على أن الحياة التي تخلو من التأمل لهي حياة تخلو من كل قيمة ولا تليق بإنسان خير وفاضل، بل هي عبارة عن تكفير عن ذنب يتم ارتكابه في حق الروح التي تضطر لتقتحم أعماق القتامة لتستمع إلى اللحن المكتئب الذي يحركها نحو شقاء الأيام الأخيرة قبل أن يلقى بها في المخبأ الرفيع. لكن هل أراد الفيلسوف أن يستثمر أرواحنا ويتحكم في قدرها عندما ينفرنا من حياتنا العادية المشغولة بالنهم إلى الثروة والغنى والشهرة وغيرها من الخيرات الظاهرية الخادعة لنحقق العلو فوقها على جناح التفلسف والإدمان على النظر والتأمل؟
، أم أنه كان يسعى إلى الحفر الأركيلوجي في النفس. من أجل الوقوف على صخرة العقل التي لا يحركها الألم واللذة؟ من أجل بهجة الرؤية والنظر. لابد أن يصيبنا بريق المثل والحقائق الخالدة، وبخاصة حين تتحول إلى مثل الإصلاح السياسي والتربوي في زمننا هذا، وفي مدننا هذه التي لا تتحمس كثيرا إلى التأمل العقلي، بعدما أصيبت بهزة عميقة في برجها الميتافيزيقي الذي كان يوجه سفينة العقل نحو الإنصات إلى نداء الوجود المتحرر من أنغام الاكتئاب وقتامة التراث. لأنه في ظل الشعور بهزيمة العقل أمام تاريخه، يصبح الانزلاق في الكينونة المنكسرة، والعودة إلى الهوية الجريحة هما طريقا الحقيقة بالنسبة للإنسان العربي. فإلى متى سيظل هذا التفسير للتفسير هو السائد؟. ولماذا تم الصمت على مشروع نقد العقل العربي بعد موت صاحبه منكسرا حزينا على هذا الزما؟.