من شاعر المليون إلى شاعر… الساحة الثقافية العربية تحتضر

حجم الخط
0

عبد الحفيظ بن جلوليجرت العادة أن يكون الشاعر نظاما لوحده لكن ضمن الرؤى المنتجة لفضاء الشعر، الإنساني والكوني بطبيعته، حيث يفجر كل الأطر التي تخلق له حواجز وحدودا تمنعه من التواصل مع المعاني المطروحة في الطريق كما عبّر ذات يوم الجاحظ، فالشعر يمقت كل تمركز مرضي حول الذات، لأنّنا في مقولتنا إن الشعر فردي، أي إنه ينطوي على تجربة ذاتية قابلة للإندماج في أفق التجارب الفردية الأخرى، فهي مفتوحة على المتعدّد واللامعلن، وفي ذلك سر الشعر الذي ينطلق ولو لم يقصد إلى متاهة الآخر الذي يفترض فيه الترصد للصور، فباشلار، ذلك الذي يقول عنه لوي غيوم: ‘أكثر الشعراء فلسفة..’ يقول عن نفسه: ‘بالنّسبة إلي كل شيء يوجد في تواصل مع الصور التي يقدمها إلي الشعراء، وفي اتحاد مع عزلة الآخرين..’. أردت بهذه المقدمة أن ألج لحظة الثقافة العربية وخصوصا الشعرية التي درجت ومنذ فترة على تسمية شاعر المليون وتسميات أخرى، والحق يقال إن هذا التقليد أراه ضد طبيعة الشعر التي لا تتحمل مثل هذه الهبات، التي تجعل التجربة رسمية وتحيطها بخيلاء تمنعها من التواصل مع المجتمع ومع الأفراد كعوامل لنشر الحلم التغييري الذي ينشده الشاعر من خلال الفرح الجوهري الذي ينتابه وهو يسمع مفردا قصيدته تتداولها الألسن والقراءات المتربصة بالدلالة والعاشقة للتأويل، فالشعر الحقيقي هو الذي يخلق لك حتى من العلاقة رمزا كما يرى أدونيس.

مؤخرا وفي الجزائر أعلن عن مسابقة ‘شاعر الجزائر’، لكن ما فتئت أن توالت انسحابات شعراء بادروا بالمشاركة ثم لأسباب ذكرها كل منهم اضطر إلى الامتناع عن مواصلة مراسيم ترسيم الشعر، حيث يوسم الشاعر بلقب يجعله حتى ولو تعرّض لانتكاسة شعرية، بل أقول إنسانية، كما حدث لرامبو الذي انتقل من باحات الشعر الفسيحة إلى مواخير النخاسة والمنحى الإنساني الحقير، حيث لا علاقة تربط بين الحلم للإنسان وصنع القيد له، وتخيّلوا لو كان المجتمع الثقافي الفرنسي قد منح رامبو لقبا ما مضافا إلى شاعر؟

الشعر لا يمكن أن تستقيم بوادره الداهمة والداهشة مع التّسميات الاعتباطية وعبث التكليف، أن تمنح الشاعر تسمية، معنى ذلك قتله وترتيب جنازة له لا تليق بمقامه كمقاوم شرس للموت، الشاعر في حقيقته يهزم الموت، فبقاء القصيدة لا يعني أن الكلمات مستمرة فحسب، بل معناه الأصيل هو انبناء الهوية التي تشرق في مدارات القراءة المستمرة للغامض الشعري، أي ارتحال الشاعر بين هويات قرائية تساهم في انخلاقه الدّائم عبر العطش التخييلي الذي لا تطيقه الكينونة الإنسانية فتبادر إلى إطفائه عن طريق الشعر، والأمة العربية ككينونة، مرتبطة بالصحراء مرتع الخيال حيث الاتساع والامتداد والفراغ المقدس يمنح العقل رشده العاطفي، فيندمج دون ترتيب ولا رسميات في رسم الرّغبة الاحتياجية للقصيدة المباغتة والراعشة برشد البراءة.

لعل العربي القديم وهو يرسم حدود القصيدة الكونية تعالى عن التسميات، وتنازل عن كينونته الخاصة لصالح كينونة جمعية تتنصل من القبيلة لتبني جوهر المسلك المقولي في روعة القوافي حين يتجمّع القوم المدللون بالاتّساع والفضاء الحالم والفراغ المجيد ليقولوا ما لم تقله القبيلة في جحر خيمتها، حينذاك كان المربد الشعري وعكاظ ملاذات تحريرية للمبادرات.

لم يكن الشاعر العربي يرجو تمثيل إسميته على الواجهة الواحدية، بل راح يؤسس للفعل الشعري عبر الجماعة الفاعلة في ميدان تحرير الكلمات، وكانت جدارية الكعبة كفيلة بأن تنتج الفعل الجماعي التاريخي الذي ناضل عبر هذا المد من الزمن المتدحرج في التاريخ ليوصل المبادرة إلى نضجها الخلاق واستمراريتها في الوعي، لأن الفعل الفردي في الشعر يورّث الزّهو، والعجب بالقصيدة الاستثنائية، حين تُفرض مقاييس فوزها من خارجها، فالفعل الشعري عبر تاريخه العربي كان دوما ينتج إواليات نضاله وديمومته من داخله، لذلك سمّيت معلقات أجود الشعر العربي في جمعيتها التي تروم التأسيس وليس مجرّد التعبير.

إذا، حين تقبل الساحة العربية الثقافية على إبرام عقد إنتاج للشاعر المقدام، يعبّر ذلك في حد ذاته عن إفلاس في الرّؤية، لأن مقاييس إنتاج الدّهشة كانت دوما خارج أطر الحسابات المعلقة على ترتيب المعايير، فالإبهار الجوهري كامن في داخل العمل الذي يشع من خلال المعنى في انحناءات الخط أو دلالات السياق المنتجين للتصور الخارق، وكان دوما هو مدار العملية الإبداعية التي تنبني في ظلال أسطورية غامضة تلم شتات التجربة الإنسانية دون أن تخطط لذلك، فالتخطيط هو العدو الأساس لعدم وصول المرود إلى رائعة العين الإبداعية.

إن معايير القول في القصيدة، أي عملية تقييمها في غضون عملية إلقائها تنطوي على الكثير من الالتفاف حول العملية النّقدية التي تتطلب في النص المجالسة والمؤانسة والمدارسة، أو القراءة التذوقية المتبوعة بالقراءة النقدية، وهو ما تتجاوزه متابعة الأعمال المطروحة للمسابقة، حيث تفقد ألقها القرائي في زحمة المشاركات التي لا يراد منها إلا الإزاحة للإراحة، فتغيب بذلك الأطروحة النقدية ومعها تضيع معالم الإنتاجية الشعرية المناضلة ضد التعتيم القرائي والمزاحمة في المشهد الإنتاجي الكوني.

ما زال السّقف القرائي منخفضا، أقصد بالقرائي النقدي، فلكي يتم الترويج للعمل لا بد و أن تتكرّس تقاليد إعلامية تفسح الأعمدة التقديمية للأعمال عن طريق ما يعرف كونيا بالنقد الانطباعي الذي ينبّه إلى العمل الأدبي أو الفكري، وهو ما تعمل به الحلقات الإعلامية في الفضائيات وخصوصا الفرنسية التي نتابعها، فما القصد من ‘دائرة منتصف الليل’ أو ‘حساء ثقافة’ او’ميديسيس’ والعديد من الحصص الثقافية التي تتناول كل أسبوع الجديد من الإصدارات في كافة الميادين، إن لم يكن الهدف الأساس منه التنبيه إلى الأعمال الإبداعية.

مع كل هذا الفشل في الوصول حتى إلى خلق تقاليد دائمة للقراءة، والتنبيه الدوري لفعاليات الولادات الإبداعية على مستوى النص، تتجه دون ذلك الساحة الثقافية إلى شل الجوهر المنتج للفعالية النصية عن طريق إذكاء نزعة استهلاكية تمنح اللقب كي تعيّن إشارة للمرور عبر هذا اللقب وليس عبر الفعل الإنتاجي في صيرورته التاريخية، كما فعلت القصيدة العربية عبر تاريخها الطويل، ولعلني لا أكون مغاليا إذا أشرت إلى مسلسل ‘ذاكرة الجسد’ الذي لم يكتب له النجاح لأنه اعتمد فعالية المهرجانية المنتجة في اختيار الممثل وليس الصيرورة المكابدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية