جسر على حافة العالم.. صيحة تحذير من التحدي البيئي الخطير

حجم الخط
0

لم نرث الأرض من آبائنا ولكننا استعرناها من أولادنامنتصر حمادة’نقطة انطلاقي في هذا الكتاب هي التحدي البيئي الخطير الذي نواجهه، لولا أن الواقع البيئي في وقتنا الحالي مرتبط بقوة بعدة مجالات أخرى، بما فيها ازدياد التفاوت الاجتماعي والإهمال، وتناقص الإدارة والرقابة الشعبية. ولقد حاولت في الصفحات التالية إظهار كيفية ارتباط هذه المجالات الثلاثة من مجالات الاهتمام العام، والتي تبدو منفصلة ظاهريا، وحاولت بيان كيف يجب علينا كمواطنين أن نعبئ مواردنا السياسية والدينية لتحقيق التغيير والتحول الجذري في هذه المجالات الثلاثة’. بهذا التصدير المُؤطر، يفتتح الباحث جيمس جوستاف سبيث، كتابه القيّم الذي يحمل عنوان ‘جسر على حافة العالم.. الرأسمالية والبيئة وتخطي الأزمة وصولا للاستدامة’. ترجم الكتاب للعربية مصطفى المخزنجي، وصدر عن الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة، ط 1، 2010، 252 صفحة من الحجم المتوسط.

تفرع الكتاب الى ثلاثة أجزاء، جاءت عناوينها كالتالي: ‘فشل النظام’؛ ‘التحول العظيم’؛ ‘البيئة الصالحة لنشأة التحول’. تتضح نبرة النقد الذاتي بشكل جلّي في أولى صفحات الكتاب، مستهلا العمل بالتنبيه إلى أنه ليست ثمة حاجة إلى اتجاه جديد للبيئة ملحة إذا كانت الأوضاع البيئية غير ملحة، ومُقرا بأنه”إذا كانت أمريكا مكانا مريحا للكثيرين’، والكاتب واحد من هؤلاء، فإننا ‘ننخدع براحتنا’، وفي هذا السياق يأتي تأليف كتاب يتوقف عند الأخطار المتزايدة التي تُبين مدى حجم المأساة البيئية غير المسبوقة التي تحيط بسكان أمنا الأرض، ومن باب تحصيل حاصل: ‘لابد لنا جميعا أن نشعر بالقلق حيال تدهور البيئة’. تطلب العمل أيضا التوقف عند قِيَم أو مرجعية المؤلف، والتي يُدقق فيها كثيرا جيمس جوستاف سبيث، مُفضلا الاعتراف بصعوبة الوصول إلى عالم المثالية، ومقترحا الانتصار أو التأسيس لقيم تنتصر للأخلاق البيئية، مفادها أننا ‘لم نرث الأرض من آبائنا، ولكننا استعرناها من أولادنا’، مستشهدا في هذا الصدد بما صدر عن أحد أصدقائه في العمل الأكاديمي، البروفيسور ألدو ليوبولد، عندما اعتبر هذا الأخير أن الأشياء ‘تكون صحيحة عندما تنزع إلى المحافظة على الكمال والثبات وجمال مجتمع الكائنات الحية’، مضيفا بدوره أنه ‘من الخطأ أن تنزع إلى غير ذلك، لأنه إذا تركنا عالما مُدمرا لأولادنا، وأحفادنا، ودمرنا الأشكال الأخرى للحياة، فإننا نكون بذلك قد انتهكنا المبدأين الرئيسيين للأخلاقيات البيئية’، وواجبنا، برأي المؤلف هذه المرة، يكمن بالتحديد في العمل في الاتجاه المعاكس، والكفاح ضد فكرة التركيز على الاستفادة الآنية، والتركيز على الإنسان باعتباره مركز الكون، وهي أفكار تَسَيّدت الحياة’الحديثة.

من الفصل الأول، نقتبس تأكيد المؤلف على إجماع أكثر وأبرز خبراء البيئة والخاص بالخطر البيئي رقم واحد إن صح التعبير: ارتفاع درجة حرارة الأرض دون سواه، وبرأي المؤلف دائما، سوف تكون التوقعات في هذه القضية مزعجة إلى الحد الذي يجعل سير دافيد كينج كبير العلماء بالحكومة البريطانية يعتقد أن تغيير المناخ هو المشكلة الأكثر خطورة التي يواجهها العالم، بدون استثناء.

من المعطيات البيئية في هذا الصدد، مادمنا بصدد كتاب يرتحل مع المخاطر البيئية، نقرأ مثلا أن تقييم الألفية للنظام البيئي كان نتاج جهد مُكثف على مدار أربعة أعوام، اشترك فيه 1360 عالِما وغيرهم من الخبراء حول العالم لتقييم الظروف والاتجاهات الخاصة بالنظم البيئية العالمية، وفي ختام هذا الجهد غير المسبوق (كان ذلك سنة 2005)، أصدر المجلس الذي أدار الدراسة البيان التالي: ‘لقد وجد أن حوالي ثلثي الخدمات التي’تقدمها الطبيعة للجنس البشري، انخفضت على مستوى العالم’، ومن بين أبسط هذه الخدمات، يتساءل المؤلف بشكل صارخ: ‘إذا كان مُعدل استهلاكنا للمياه الجوفية العذبة أسرع من مُعدل تَجددها، فإننا بذلك نجور على الأصول على حساب أطفالنا’. لنتوقف برهة ـ على اعتبار أن أهل الاختصاص في العالم يتوقفون بتأن وتفكيك وتدقيق ـ مع سؤال اللحظة أو سؤال المواجهة العملية/الميدانية مع التحديات البيئية، ويُلخصها السؤال الكبير والمؤرق في آن: ‘كيف نستطيع مواجهة ذلك؟’، وواضح أن صيغة الإجابة تختلف من فاعل لآخر، ولأننا إزاء تحديات شاقة للغاية، مادامت تعكس حقيقة مفزعة، تبرز مثل الفطر أسئلة متفرعة، يُلخصها سؤال يهم مباشرة مواطني المعمور: ‘كيف يستطيع الناس مواجهة هذه التحديات؟’، ويُحسب للكاتب فعلا جدية اختزال أهم ردود فعل أبناء أمنا الأرض، وجاءت هذه الردود والتفاعلات في سبعة اتجاهات:

الاستسلام: لقد خسرنا كل شيء؛ العناية الإلهية: إن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى؛ الإنكار: أي مشكلة تتحدث عنها؟

؛ الشلل: إنه لأمر ساحق للغاية؛ التخبط: سيكون كل شيء جيدا إلى حد ما؛ التهرب: إنها ليست مشكلتي؛ السعي وراء الحلول: يمكننا، بل يجب علينا، أن نجد الحلول؛ ليس كل أبناء الكرة الأرضية، من الساعين بالضرورة وراء إيجاد الحلول، بخلاف موقف المؤلف، بدليل تأليفه لهذا العمل المهم، مُعتبرا أننا ‘لم ننكر وجود المشكلات ولم نفترض أنها ستحل لأننا استطعنا حل مشكلات أخرى. كذلك فإننا لم نخضع لتأثيرها الكبير ولم تعجزنا. هذا إلى جانب أننا لم نتواكل في حلها ولم نترك الأمر للقدر أو لأي شخص آخر’. في معرض توجيه النقد لصناع القرار أو المؤثرين في صناعة القرار على الصعيد العالمي، ينتقد جيمس جوستاف سبيث، تواضع أداء هؤلاء مع طبيعة التحديات، عازيا أسباب ذلك على الخصوص في ‘أخطاء الحسابات’، ويبدو الكاتب متسامحا في هذه الجزئية، قبل أن يستدرك سقطات هذا العطب النقدي، ويُعرج على ما جاء في كتاب سابق له (يحمل عنوان: ‘السماء الحمراء في الصباح’)، وجاء فيه أن ‘نصيب الأسد من اللوم يجب أن يوجه إلى الدول الصناعية الغنية، خاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهي الجانب الأساسي’، مضيفا أنه ‘إذا ما أرادت الولايات المتحدة والحكومات الكبرى الأخرى عملية دولية قوية وفعالة، يمكنهم فعل ذلك. وإذا ما أرادوا عقد معاهدات ذات مخالب حقيقية، كان بإمكانهم جعلها أكثر حدة.. إن مسألة أن هذا المنهج القاسي الذي لم يستدم لحماية البيئة العالمية تعكس قرارات واعية من الولايات المتحدة وآخرين بالالتزام بمنهج ضعيف وغير فعال بصورة كبيرة، وهي القرارات التي تم اتخاذها بصورة أساسية بناء على المصالح الاقتصادية’، وهذا هو بيت القصيد في تعامل الدول العظمى مع أسئلة التحدي البيئي. من الفصل الثاني، نقتبس هذا تنديدا صارخا ضد شتى أنواع ‘الدعابات القوية لتغيير النظام البيئي، و’الفاضحة بطريقة غير محترمة للادعاء والاصطناعية’، ويقصد المؤلف بعض المنتوجات ‘الثورية’ التي تملك نظريا، قابلية للنجاح، فقط عبر اللجوء إلى تصنيفها في خانة المنتوجات الصديقة للبيئة، وإرفاقها تجاريا بعناوين براقة، من قبيل: ‘لا شيء: مضمون بعدم إغراقك في ديون… غير سام مئة بالمئة، لا يكلفك أي أجور… لا يذر مخلفات… لا يساهم في الاحتباس الحراري العالمي… صديق للعائلة’. أما البديل العملي والأخلاقي الذي يقترحه المؤلف، فلا يخرج عن معالم المواجهة المفتوحة التي يقوم بها البعض ضد النزعة الاستهلاكية من خلال الدعوة إلى أسلوب جديد في الحياة ونضال جديد. إنهم يقولون لنا: ‘واجهوا الاستهلاك، مارسوا الاكتفاء، اعملوا أقل، استغلوا الوقت، فهو كل ما لديكم. اتركوا التقنيات انضموا إلى يوم بلا تسوق، لا تشتروا شيئا، لا للشعارات، مارسوا اليقظة واللعب، مارسوا الحياة في العالم الطبيعي. أفسحوا الطريق من أجل أن تزدهر الطبيعة، ابتكروا بيئات اجتماعية حيث ينظر للاستهلاك المفرط عن الحاجة بأنه ساذج، ومسرف في الإنفاق، ومتفاخر. وابتكروا مناطق خالية من التجارة، اشتروا المنتجات الوطنية، كلوا الطعام المطهو على مهل. يسروا حياتكم. أعزلوا الممتلكات، قللوا من مكاسبكم، ابتكروا عملة محلية. ابنوا تعاونيات مملوكة للمستهلك، واستعيدوا أمريكا’. يمكن أن نضيف: استعيدوا الغرب برمته، أو العقل الأخلاقي الغربي.

نختتم هذا العرض ببعض ما جاء في الفصل الثالث من هذا الكتاب النوعي، والفصل مُخصص لعرض معالم المرجعية المؤطرة لمواجهة التحديات البيئية، ونختزلها بدورنا في الإقرار التالي: ‘لمواجهة الأزمة البيئية، نحن مدعوون إلى وعي وضمير بين الأجيال وأن القيم والأخلاق، والدين والروحانية هم عوامل أساسية في تحويل الوعي والسلوك البشري من أجل مستقبل مستدام’. كما كان متوقعا، ولو أن ذلك جاء متأخرا، يستشهد المؤلف بالراحل إريك فروم، الفيلسوف الأمريكي الشهير، ومؤلف كتاب ‘تشريح التدميرية البشرية’، أو ‘تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير’، كما جاء في ترجمة أخرى، (صدرت ترجمته للعربية عن منشورات وزارة الثقافة السورية، ط 1 2006، وأنجزها محمود منقذ الهاشمى). يرى فروم إذن، أن الأمل الوحيد هو إنسان جديد ودعا إلى تغيير جذري في القلب البشري، إن الحاجة إلى تغيير بشري عميق لا يتطلب فقط أن يكون أخلاقيا أو دينيا، ولا يتطلب فقط أن يكون نابعا من الطبيعة المرضية لشخصيتنا الاجتماعية الحالية، ولكن أيضا كحالة للبقاء الكلي للجنس البشري، مضيفا أن ما قد يُنقذنا في هذا المضمار البيئي نموذجا، ليس فقط تغير جوهري في الشخصية البشرية من تفوق الوضع الراهن إلى الوضع الكائن الغالب.

أما الكاتب، وتأسيسا على النصائح الذهبية لفروم، فيرى بدوره، أننا ‘نواجه صعوبة باستمرار في تقبل الإنسان كجزء لا يتجزأ من مجتمع الأرض، فنحن نرى أنفسنا ككائنات متفوقة، وأننا لا ننتمي حقا إلى هنا، ولكن كنا هنا بقدر غريب فإننا مصدر جميع الحقوق والقيم، وبالتالي فإن جميع الكائنات الأرضية موارد يمكن استعمالها أو استغلالها للمنفعة البشرية’. وفي إطار استحضار روح أدبيات مدرسة فرانكفورت، يختتم جيمس جوستاف سبيث هذا الفصل والكتاب معا، بتذكير من بسببهم، تأسست المدرسة، بأن نظرة العالم المُسيطرة اليوم مرتبطة بشكل كبير تجاه المركزية البشرية، والمادية، والتركيز على الذات، والتركيز على الحاضر، والاختزال، والعقلانية، والوطنية للمحافظة على التغيرات المطلوبة. . (من يتذكر الأدبيات الحداثية؟)، موجها للقارئ الكريم، ومعه أبرز صانعي القرار في العالم بأسره، أسئلة صريحة وصادمة: ما هي أبعاد التغيير في الوعي المطلوبة في ظل ظروف اليوم؟ والثاني ما الذي يمكن قوله عن القوى التي تستطيع أن تتحكم في التغيير الثقافي والإدراكي لنوع والدرجة المطلوبين.

الكرة في مرمى من يخشون كثيرا على المخاطر الجمة التي تُهدد النظام البيئي اليوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية