لغة ساخنة في حرب ناعمة

حجم الخط
0

د. عصام نعمان خاضت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حرباً باردة لمدة تزيد عن تصف قرن، توقّفت مع إنهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991. اليوم تعود الولايات المتحدة وروسيا، وهي ما تبقّى من القطب الدولي المنهار، الى خوض حرب باردة مغايرة بصيغة حرب ناعمة. في الحرب الناعمة، تكون الاولوية والفعالية للعقوبات الإقتصادية والمصرفية والحجر السياسي والمقاطعة الديبلوماسية والعمليات الإستخبارية على ان تتخللها فصول امنية وعسكرية خشنة اذا اقتضى الامر. الحرب الناعمة بين القطبين الدوليين تدور حالياً على مســـرح عمليات واسع يمتد من الشواطىء الشـــرقية للبحر الابيض المتوسط عبر بلاد الشام وبلاد الرافدين وصولاً الى ايران وافغانستان وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى. لعل الحرب التي تدور في سورية وعليها اليوم هي اخطر ميادين الحرب الناعمة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا وحلفائها من جهة اخرى. وهي حرب اهلية سياسية في مبتدئها لكنها تتطور بوتيرة متسارعة الى حرب ساخنة بين طرفين محليين مسلحين يساند كل منهما طرف إقليمي او اكثر. في اجتماعه الاخير (22/1/2012) قرر المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية نقل الازمة الى الامم المتحدة ليصار الى دعم مقرراته بشأنها بقرار من مجلس الامن. بهذه الخطوة انتقلت الأزمة من حال التعريب الى حال التدويل. فما الفارق؟

الفارق بسيط. ذلك ان التعريب والتدويل وجهان لأزمة واحدة ‘يتبارى’ فيها اللاعبون انفسهم، مباشرةً ومداورةً، في ملعب إقليمي حيناً وملعب دولي حيناً آخر. اذا كانت الحرب الناعمة في الملعب السوري تتطور بأدواتها المستعملة الى حرب ساخنة، فإن الحرب الناعمة بين الولايات المتحدة وروسيا تتطور بلغتها وخطابها الى سخونة مقلقة تتبدى في تصريحات وتحليلات وتصرفات لمسؤولين وقياديين اميركيين وروس وايرانيين واسرائيليين. لعل ما صدر عن وزير خارجية اميركا السابق هنري كيسنجر مؤخراً اخطر ما قيل في هذا الصدد. فقد ادلى الديبلوماسي الكبير المخضرم لأحد المواقع الالكترونية الاميركية قبل اسابيع بحديث استهله بملاحظة لافتة: ‘اذا كنت لا تستطيع سماع طبول الحرب، فأنت اذاً اطرش’. يوضح الرجل الذي زار موسكو اخيراً ما يقصده بملاحظته الإستفزازية عند تطرقه الى سيطرة اميركا على العالم وهيمنة ‘اسرائيل’ على الشرق الاوسط بقوله: ‘أبلغْْنا العسكريين لدينا بأن عليهم ان يسيطروا على سبع دول شرق أوسطية ومواردها. وهم كادوا ينهون المهمة تقريباً (. . . ) وستكون ايران المرحلة الاخيرة من مهمتهم، ومعها سيميل الميزان’. ما هي الدول السبع، الى جانب ايران، التي يعنيها كيسينجر؟ هل هي الدول العربية التي تعاني حالياً الآم المخاض الشعبي الذي تسميه وسائل اعلام الغرب ‘الربيع العربي’ ؟ لعلها هي المقصودة، لاسيما تلك المحيطة بـِ ‘اسرائيل’. يتضح ذلك من تساؤل كيسينجر ‘الى اي مدى ستبقى روسيا والصين تتفرجان على اميركا وهي تقوم بعملية التنظيف؟’، فهو لا يلبث ان يجيب نفسه: ‘عاجلاً او آجلاً سيستفيق الدب الروسي ويتحرك المنجل الصيني عندما تجد ‘إسرائيل’ نفسها مضطرة الى القتال بما أوتيت من قوة وسلاح، وان تقتل ما تستطيع من العرب. واذا سار كل شيء على ما يرام، فإن نصف الشرق الاوسط سيصبح اسرائيليا’. ثمة ‘عملية تنظيف’، اذاً، تقوم بها اسرائيل ‘بما اوتيت من قوة وسلاح’ ، اي بالحرب، وان تقتل خلالها ‘ما تستطيع من العرب’، وانه ‘اذا سار كل شيء على ما يرام، فإن نصف الشرق الاوسط سيصبح اسرائيليا’. لم يقل ان الشرق الاوسط سيكون منطقة نفوذ لـِ ‘إسرائيل’ بل قال ‘إنه سيصبح اسرائيليا’، اي السيطرة الكاملة فيه ستكون لـِ ‘اسرائيل’. قد يقول قائل: هكذا مجرد تحليل بل تخريف اطلقه رجل هرم في التاسعة والثمانين وليس له اي صفة رسمية حالياً. لكن ماذا عن عودة الرئيس باراك اوباما الى التأكيد في خطبة ‘وضع الاتحاد’ الاخيرة بأن خيار استعمال القوة، حيال ايران، ما زال على الطاولة؟ ماذا عن تحريضات بنيامين نتنياهو المتكررة حول عدم كفاية العقوبات الإقتصادية لإكراه ايران على التخلي عن برنامجها النووي، وان لا بد في نهاية المطاف من استعمال القوة لضمان تحقيق هذا الغرض؟ بل ماذا عن الإستعدادات التي تقوم بها ‘اسرائيل’ لممارسة ‘خيار’ القوة ضد ايران (وربما ضد سورية ايضاً) وفي مقدمها تسويق فعالية هذا الخيار لدى الجمهور الاسرائيلي؟ أليس لافتاً قيام القيادة الإسرائيلية بكشف النقاب وبالتالي تعميم الدراسة السرية التي كان وضعها الرئيس السابق لقسم التخطيط البعيد المدى لأنظمة ‘رفائيل’ الدفاعية المتقدمة في ‘مركز أبحاث بيغن السادات’ حاييم روزنبرغ، وملخصه ان حرب الصواريخ التي تهدد ‘اسرائيل’ مبالغ فيها، وانه ينبغي ان يعكس الخطاب العام للمسؤولين الإسرائيليين في هذه القضية المقومات الواقعية. ففي المرحلة الراهنة، تقول الدراسة، من شأن الهجمات الصاروخية ان تلحق بـ ‘إسرائيل’ اضراراً مادية محدودة فقط، وان تؤدي الى عدد صغير من الإصابات المباشرة، وان تخلف عدداً قليلاً نسبياً من الضحايا، وان استخدام الصواريخ البالستية لم يكن في يوم من الايام عاملاً حاسماً في اي نزاع مسلح. اليست هذه الدراسة المسرّبة والمعممة دعوة صريحة بلغة ساخنة لتسويغ ‘خيار’ الحرب والتهوين من تداعياته؟

في المقابل، لا تتوانى روسيا عن اعلان رفضها لأي تدخل خارجي ضد سورية. وتثابر على تزويد سورية، باسلحة صاروخية متطورة بحرية وجوية، وترفض اعتراضات الولايات المتحدة بهذا الشأن. كما لا تتوانى ايران عن اللجؤ الى لغة ساخنة في محاولة لردع الولايات المتحدة و’اسرائيل’ عن إستخدام القوة ضدها. فهي تهدد، بنبرة جازمة حيناً وملتبسة حيناً آخر، بإغلاق مضيق هرمز في حال إقدام دول امريكا واوروبا على حظر النفط الايراني. الى ذلك، تجري ايران مناورات واسعة في بحر عمان وشمالي المحيط الهندي وتقترب زواقها المسلحة احياناً من قطع الاسطول الخامس في الخليج وعلى مقربة من مضيق هرمز. لغة ايران الساخنة ومناوراتها البحرية والبرية قد تتخذها ‘اسرائيل’ ذريعة لإفتعال صدام معها قد يتطور الى حرب ساخنة تستدرج اليها الولايات المتحدة. غير ان اللافت في غمرة الحرب الناعمة المتطورة الى حرب ساخنة في الملعب السوري، اللغة الساخنة التي يستعملها مسؤولون اسرائيليون (ابتهاج وزير الحرب ايهود باراك بما يجري في سورية ودعوته ‘الى اليقظة من امكان عبور سلاح كاسر للتوازن الى لبنان في اللحظة التي يسقط فيها الاسد) وخصوصاً رهان الرئيس السابق لشعبة الإستخبارات العسكرية الجنرال عاموس يادلين على ما يجري في سورية واعتباره ‘تحوّلاً استراتيجياً بالنسبة لـ’اسرائيل’. لماذا؟ لأن جهات في المؤسستين السياسية والامنية اوصت في الماضي بالتوصل الى سلام مع سورية وإن كان الثمن الإنسحاب من الجولان لقاء إخراج دمشق من المحور الراديكالي، لكن ما يحصل الآن يمكن ان يُخرج سورية من هذا المحور من دون دفع أثمان’. . . كلام يادلين نضعه برسم المسؤولين العرب أجمعين ليتحملوا مسؤولياتهم امام الامة والتاريخ. ‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية