أجل الثورة مستمرة .. رسائل من ميادين مصر

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل من آنٍ لآخر أستسلم لإغراء شعورٍ بالرضا عن النفس يلح عليّ حين يثبت مجرى الأحداث صواب بعض ارائي أو دقة أحد تحليلاتي للمشهد السياسي والاجتماعي.. أهنئ نفسي وأجدد ثقتي في المدرسة الفكرية التي تربيت عليها بمنهجيتها الواقعية الصارمة التي لاتنخدع بغبار الأوهام وفوضى الضوضاء… داخلني هذا الشعور وما يزال فيما يخص موقفى المتحفظ والمتشكك من المجلس العسكري من حيث طبيعته ودوافعه وأهـــدافه منذ بداية الثورة المصـــرية وهو موقفٌ كــنت من أول الذين اتخــذوه وما تني الأيام تثبت صحته بما يتكشف من فظاعات وتآمر هذا المجلس حتى تطور موقفي إلى الإدانة والرفض… من ذلك أيضاً ما توقعته في مقال الثلاثاء الماضي من انقسام الميدان إلى فريقين في ذكرى الثورة، إلا أن ذلك الشعور بالفخر تقهقر مندحراً بسرعة أمام شعوري بالخجل من فقر خيالي عن تصور حجم الحراك الشعبي وسوء تقديري للتواجد النسبي للفريقين بما يفرض علي، بل على الجميع، الوقوف ملياً أمام الحدث لتأمل المؤشرات واستخلاص الدلالات.

أول ما يلفت الانتباه ويثير الدهشة في نظري هو شبه انعدام الحضور الرسمي المحسوس في الميدان بعد كلمة المشير في الليلة السابقة التي حاول فيها أن يبدو متزناً متعقلاً إن لم أقل متودداً حيث أعلن إلغاءً مشروطاً لحالة الطوارئ؛ إن قيادات المؤسسة العسكرية الذين عودونا التحرش الغير مبرر الذي يفضي دائماً إلى الضرب والقتل ومن ثم الاعتقال فالتعذيب والإهانة وأخيراً إن لم يكن آخراً المحاكمات العسكرية لا يقدمون على ذلك إلا حين يكون ميزان القوة العددية في صالحهم بصورة كاسحة، لذا فإن غيابهم وحرصهم على خلق الانطباع بأنهم يقدمون تنازلات لَيُرسخ القناعة بأنهم كانوا أولاً يراقبون حابسي الأنفاس مجرى الأحداث كغيرهم من القوى السياسية دون أدنى تصور عن مآلها وأي منحىً ستسلك فضلاً عن التقدير الحقيقي لأعداد الجمهور الذي سينزل إلى الشارع، مما يفيد بأنهم، ثانياً، قد أفلت زمام المبادرة منهم تماماً… أما ثالثاً، وهو الأهم والأخطر في نظري، أنهم خائفون… أجل… لقد جاءت فعاليات الذكرى الأولى لترسل بضعة رسائل غاية في الأهمية للمجلس العسكري ومن ورائه بقايا الفصائل المعادية للثورة في توقيتٍ فاصلٍ ومحوري، وليس لدي أدنى شك في كونها وصلت… لذا فعلى الرغم من محاولة المجلس العسكري التظاهر بالتماسك والسيطرة إلا أنهم حتماً خائفون.

أولى هذه الرسائل( وربما أهمها بمراحل) هو التأكيد على مدى جدية هذه الثورة ومدى عمق التغيير في نفسية الناس وترقي درجة وعيهم… ما حدث في مصر لم يكن نوبة هياجٍ عابرة وإنما هو زلزالٌ قلب باطن الأرض… كان حداً فاصلاً بين عهدين وحالتين… ثورة شعبية حقيقية أدركت بعد مضي عامٍ أنها ما فتئت تدور في حلقةٍ مفرغة من المماطلات والمهاترات حيث تم الإطاحة بالرئيس وولديه وثلة من الرموز المستهلكة لكي يحافظ النظام على بقائه فها هي تعلن عن سأمها ونفاد صبرها… رسالة مفادها أن الناس باقون صامدون لم تنل الفوضى والانفلات الأمني المتعمد من تصميمهم على إحداث التغيير والوثبة النوعية نحو عالمٍ جديدٍ ومجتمعٍ أعدل، كما تفيد بأن الشعب لم تعد تنطلي عليه أطنان الأكاذيب وتلال الأساطير عن الجيش حامي الثورة ووحدته مع الشعب الخ فقد تبين أمامه بجلاءٍ باهر طبيعة دور الجيش وتآمره لإفراغ الثورة من معناها ومسؤوليته المباشة عن الفوضى وتردي الأوضاع أمنياً واقتصادياً بالتبعية وراء واجهةٍ براقةٍ من الاحتفاء المبهرج الزائف. أما ثاني الرسائل أو لنقل الملاحظات الفائقة الأهمية فهي التواجد النسبي الضعيف للإخوان المسلمين وسائر القوى الإسلامية على الساحة مقارنةً بالمنادين باستمرار الثورة؛ أنا لا أعنى حضورهم العددي فربما كانوا كثيرين، إلا أنهم لم يكونوا الأكثر غلبةً ولم ينجحوا في السيطرة على الميدان أو إضفاء طابعهم وصبغتهم الخاصة عليه كما عودونا طوال الثلاثة عقودٍ الماضية… لقد انعزلوا أو عُزلوا في ركنهم… في عالمهم.. خارج سياق الحدث، بعيدين عن مجراه ومعناه وروحه… كلتا الرسالتين تؤديان إلى الثالثة التي تشبه التعليق أوالتعقيب على نتيجة الانتخابات البرلمانية، حيث قام هذا الحراك بما أعتبرهتحجيماً لنتيجة الانتخابات والتأكيد على حقيقة أساسية: أن هذه الانتخابات التي درات في سياقٍ اجتماعي من الفقر والتهميش من مخلفات عهد مبارك الميمون قد أقيمت وفق نظامٍ أعرج اعترضت عليه أغلب الفصائل، كما أنها أجريت في عجالة للفرار والتغطية على انتهاكات وفظاعات قمع انتفاضة شارع محمد محمود ولتأتي بالتيار الإسلامي وفق صفقةٍ لم تعد سرية بينه وبين المجلس العسكري قبل أن يفقدوا جميعاً الشارع (و هو ما نراه يحدث الآن). لقد كانت فعاليات الذكرى الأولى باهرةً وفارقةً كما أن طريقة إخراجها كشفت عن إعدادٍ مبتكرٍ ومعقدٍ وتنسيقٍ دقيقٍ رائع، فالحدث لم يترك لللصدفة والحراك لم يكن اعتباطياً وإنما بُذل مجهودٌ تنظيميٍ مدهش لتأكيد تصميم الثوار على الاستمرار لاستكمال الثورة. عامٌ مر ومصر على شفا تغييرٍ لا يأتي… ثم أتت فعاليات الذكرى الأولى لتعمق الوعي بوجود شرخٍ أفقيٍ عميق لا سبيل إلى ردمه بين شارع الثورة وثورة الشعب ومطالبهما المشروعة في الخبز والحرية والكرامة وبين ما قيل أن هذه الثورة أنتجته من مؤسساتٍ فوقية للتمثيل النيابي… لقد ثبت أن الحلول الوسط لم تعد تجدي وأن كل محاولات الإرهاق والإرهاب بالقمع والتسويف والرهان على البطء والشائعات وبقايا الأساليب ألأثيرة لدى النظام المتوارثة من عهد مبارك لم تؤتِ أثرها المرجو… الرسائل واضحة لا تحتاج إلى تفسير ولا تقبل التأويل وإني لأراهن على كونها وصلت المجلس العسكري الحاكم وأنه على الأغلب فهمها… لا شك أن أساطينه باتوا يدركون أن التيارات الإسلامية التي يعول على تحالفه معها ربما تمتلك الآن رصيداً في الشارع، إلا أن ذلك لن يدوم طويلاً، بل هو آخذٌ في التغير بسرعة مذهلة ولست أبالغ إذ أزعم أن الخريطة السياسية في مصر من الممكن والوارد أن تتغير بصورة جذرية في ذكرى الثورة المقبلة إذا ما استمر سير الأمور على ما هو عليه الآن… غير أنني لست من السذاجة لأتصور أن المؤسسة العسكرية ومن يقف وراءها وقوى الإسلام السياسي سوف تقف عاجزةً مسلمةً مكتوفة الأيدي وهي ترى زمام الأمور يفلت من أيديها، وبهذه السرعة… لكل ما سبق، وعلى الرغم من كسب قوى الثورة لهذه الجولة ومن روعة فعاليات الذكرى الأولى، فإنني ما زلت أدعو للحذر… فالصراع بين الفصيلين صراع بقاءٍ لا يعرف المحاباة أو الهوادة ولا بد من الإعداد للمعركة الحاسمة لأنها حتماً سوف تأتي.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية