المواقف من الثورات العربية.. غياب المنطق والمبدأ

حجم الخط
0

د. عبد الحميد صيام المراقب للمواقف الرسمية لما يجري في منطقتنا العربية يصاب بالذهول والإحباط للتناقضات الصارخة التي تميزت بها مواقف الأنظمة الرسمية والفصائل وأطراف المجتمع الدولي بالنسبة للثورات العربية. في منطقتنا العربية يغيب المنطق والمبدأ ويسود الصمت مرة وتنتصر البراغماتية مرارا على المبادئ وتقف المواقف عارية حتى من ورقة توت تستر عورات تلك الدول. ففي الوقت الذي تغرق فيه أنظمة الطغيان والقهر والفساد والعائلات شعوبها في بحر من الدماء تجد مواقف متناقضة من دول عديدة تثير السخرية أحيانا والشفقة أحيانا أخرى والتقزز أحيانا ثالثة. فمن الصعب أن تجد بلدا واحدا امتازت مواقفه بشيء من مبادئ أو خلق قويم، بل إنك تجد الموقف ونقيضه من ثورتين متشابهتين في الأحداث والتطورات ورد فعل النظام وحجم القمع. وسأتعرض في هذا المقال لعيّـنة من الدول والأحزاب والفصائل وأحاول أن أشير إلى مدى التناقض والانتهازية وازدواجية المعايير في مواقفها من ثورات الربيع العربي.

مواقف دول مجلس التعاون الخليجيالسعودية والدول المرتبطة بفلكها رحبت بثورة ليبيا وأصدرت فرمانا سريعا في مجلس التعاون بضرورة حماية الشعب الليبي والتوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يدين العنف ويحمي المدنيين من بطش العقيد. وبناء على هذا القرار اعتمدت الجامعة العربية بتاريخ 11 آذار (مارس) قرارا يحيل الملف إلى مجلس الأمن ويجيز إعلان ليبيا منطقة حظر جوي حيث اعتمد مجلس الأمن القرار 1970 لفرض العقوبات على النظام، وتبعه ا لقرار المشهور 1973 الذي شرعن فرض الحظر الجوي وتحول إلى عملية عسكرية واسعة يقودها الناتو الذي تجاوز ما أتاح له القرار من ولاية معتمدا على توحد المجتمع الدولي بضرورة انهيار جماهيرية القذافي التي حولها لمزرعة خاصة له ولأولاده. تقدمت قطر صفوف المجلس في دعم الثورة الليبية واستقبال قادتها ونقل الفارين من المعارك وإرسال المساعدات الإنسانية وعقد سلسة من الاجتماعات لمجموعة الاتصال العربية الأوروبية حول ليبيا. لكن هذا الموقف لم يتكرر بهذا الزخم لا من دول المجلس مجتمعة ولا من قطر منفردة عندما يتعلق الأمر بثورات اليمن والبحرين.

أما الموقف من ثورة مصر فتميّز بالعداء تصريحا وتلميحا، حيث كان سقوط مبارك السريع أشبه بالصاعقة على رؤوس بعض حلفاء الرئيس المخلوع فتدخلوا لدى الولايات المتحدة لإنقاذ نظام مبارك بل وعرضت المليارات لترحيل مبارك وعدم المساس به أو اعتقاله أو محاكمته وعندما رفض المجلس العسكري ذلك عوقبت مصر وما زالت بل وتم ضخ الملايين لتشجيع فئات بعينها لكسب الانتخابات. لقد سبب سقوط مبارك إلى أزمة عميقة بين الولايات المتحدة والسعودية إستمرت أكثر من شهرين وقد هدد الملك عبد الله بتحسين العلاقات مع إيران بل وقرر أن يوجه دعوات للقيادات الإيرانية لزيارة المملكة كما جاء في جريدة التايمز اللندنية، فإضطرت إدارة أوباما لإيفاد رئيس أركان الجيش الأمريكي، ديفد بتريوس، الذي تمكن من حل الأزمة وتطييب الأجواء وإعادة العلاقة إلى ما كانت عليه بين البلدين. ويبدو أن السعودية أخذت وعودا من الولايات المتحدة بعدم دعم ثورتي اليمن والبحرين مقابل إغلاق ملف فقدان الثقة في إدارة أوباما. بالنسبة لثورة اليمن قام المجلس بدور الوسيط لإفشال زخم الثورة التي بدأت تدق أبواب بعض دول المجلس مثل عُمان والكويت ومنطقة القطيف بشرق المملكة. كان الهدف الخليجي أن يكون الانتقال إلى السلطة الجديدة عن طريق المبادرة لا عن طريق الثورة كي يضمنوا كرامة الشاويش ويمنحوه حصانة لا يستحقها وهو الذي أهدر كرامة الشعب اليمني وضرب وحدته الداخلية وقتل المئات من خيرة أبنائه وبناته ونشر الفساد في كل أرجائه وساوم على سيادة الوطن حسبما جاء في وثائق الوكيليكس. زمن عجيب أن تقوم الأنظمة السلطانية التي تختفي من قاموسها مصطلحات مثل الديمقراطية والتعددية والمساءلة وتبادل السلطة وتمكين المرأة بمسعى لحل أزمة الديمقراطية في اليمن التي يطالب بها الشعب اليمني العظيم الذي أثبت للعالم أجمع أنه شعب حضاري شجاع ومصمم على انتزاع حريته من أنياب الطاغية مهما كان الثمن دون اللجوء إلى استخدام السلاح علما أنه شعب مسلح حتى الأسنان ولا يوجد يمني دون قطعة سلاح واحدة على الأقل. دول مجلس التعاون التي لا تسمح لأي نوع من المظاهرات بل وأصدرت فتاوى من مرجعياتها الدينية المرتبطة برغبات النظام تحرم خروج مثل تلك المظاهرات، تقوم بدور وساطة بين نظام فقد كل شرعية لمنحه أجهزة تنفس صناعية لإطالة عمر حكمه أشهرا إضافية للانقضاض على الحركة الجماهيرية العظيمة التي فجرها شعب اليمن. فكيف من لا يملك يمنح حقوقا لمن لا يستحق؟ أما ثورة البحرين التي تطالب بشئء من عدالة وكرامة ومساواة وتوزيع عادل للثورة وتقاسم للسلطة ووقف لعمليات التجنيس المشبوهة وانتخابات حرة وتخفيف سطوة عائلة خليفة فتقوم السعودية مدعومة من الكويت والإمارات بسحقها بالقوة المسلحة في شهر آذار (مارس)عن طريق قوات درع الجزيرة الأمنية. وأخبار هذه الثورة تختفي من قناتي الجزيرة والعربية. عجيب أمر هاتين القناتين المتنافستين. تختلفان على كل شيء إلا على تجاهل ثورة البحرين وعدم ذكرها إلا عرضا.

إيران وحزب الله وأحزاب عراقية دعمت ثورة البحرين وكأنها أعظم ثورة في التاريخ وأن انتصار الثورة في البحرين سيعدل موازين القوى العالمية لصالح إيران ويدك حصون الإمبريالية الأمريكية. لكن هذه الأطراف تجاهلت تماما ما يجري في سورية وكأن النظام السوري رد على المظاهرات السلمية برش ماء الورد والأرز وتبييض السجون. قنوات المنار والعالم وعدد من القنوات العراقية خصصت جل نشراتها الإخبارية وبرامجها الحوارية لموضوع البحرين فقط، كأن العالم كله، على رأي تلك القنوات، لا هم له ولا غم إلا ما يجري في البحرين. أما سورية فكل شيء هادئ تماما ولا مجال للقلق.

المواقف المتناقضة من الثورة السوريةسورية لم تر في ثورة مصر العظيمة على الحكم الدكتاتوري إلا أنه رد من الجماهير المصرية على معاهدة كامب ديفد. أية عبقرية تلك التي تفتقت عن مثل هذا التبرير الأهوج؟ من أين جاء هؤلاء المستشارون الذين يسبغون تمنياتهم على حقائق ساطعة لا تحتمل التأويل أو الفذلكة. الثورة الشعبية في ليبيا لدى الإعلام السوري تبدو وكأنها معركة بين حلف الأطلسي والأمة العربية قاطبة. أما عن سورية نفسها فقد أكد الرئيس بشار في مقابلته مع الوول ستريت جورنال في كانون الثاني (يناير) الماضي أن سورية تختلف عن مصر وتونس وأنها محصنة ضد الثورات الشعبية لأن الشعب يحب قيادته. لكن مدينة درعا بشبابها وأطفالها وشيوخها أثبتوا خطل ذلك الإدعاء حيث إنطلقت الثورة السلمية في منتصف آذار (مارس) وعمت كافة أرجاء البلاد وكادت تطيح بالنظام في الصيف الماضي لولا التدخلات الخارجية. لقد نجح النظام في جر الانتفاضة السلمية إلى المربع الذي يتمناه أي عسكرة الانتفاضة. وهو ما أعطاه المبرر لاستخدام الجيش بكل أسلحته ضد المظاهرات السلمية بحجة وجود مؤامرة خارجية على نظام الممانعة تستخدم الأسلحة المهربة من لبنان وعناصر القاعدة التي تريد إقامة حكم للمتطرفين الإسلاميين في سورية. المواقف من الثورة السورية كانت أكثر مما نطلق عليه إزدواجية المعايير. فدول الخليج بدأت تدعم المعارضة بالمال وربما بالسلاح وتحاول جاهدة تدويل القضية. أما إيران وحزب الله وبعض الأحزاب العراقية فقد وقفت تماما خلف نظام الأسد بالمال والسلاح والإعلام. قناتا العالم والمنار لا ذكر فيهما للثورة السورية أما العربية والجزيرة فلا شغل لهما إلا الثورة السورية. لقد إنقسم الشعب العربي بشكل حاد حول الثورة السورية كما لم ينقسم حول أية ثورة أخرى. فالبعض يرى انها مؤامرة على سورية نفسها، دولة الممانعة والصمود المتحالفة مع إيران وحزب الله والمقاومة العراقية ضد الغطرسة الأمريكية والإسرائيلية والبعض الآخر يرى أنها ثورة حقيقية قام بها شعب مقهور ضد نظام ظالم كاسر فاسد حكم سورية لمدة تزيد عن 41 سنة بالحديد والنار والأمن والسجن وحوّل سورية إلى مزرعة للعائلة يورثها الأب للإبن ويا ويل من لا يخضع لهذه القيادة الدموية التي لم تطلق قذيفة واحدة من حدود الجولان المحتل لكنها سارعت لقبر مدينة حماة دفعة واحدة.

روسيا التي دعمت قرار مجلس الأمن في فرض منطقة حظر جوي على ليبيا في آذار (مارس) الماضي إستخدمت الفيتو في تشرين الأول (أكتوبر) ضد مشروع قرار خفيف يدين العنف المفرط في سورية ولا يأتي على ذكر العقوبات أوالتدخل الخارجي. روسيا تريد أن تساوي بين الضحية والقاتل. وكأن الخمسة أو ستة آلاف قتيل مدني جاءوا من معسكرات التدريب أو عناصر في عصابات مسلحة لا هم لها إلا ترويع المواطنين. روسيا ترسل سفنا محملة بأطنان من الأسلحة لتمكين النظام من الإيغال في الدم السوري على طريقة تعامل روسيا مع الشيشان في العاصمة غروزني التي دمرت عن آخرها في جولة الصراع الأولى (1994-1996). أهذه روسيا التي كانت فيما مضى ملجأ لكل المضطهدين والمظلومين في العالم؟.

الولايات المتحدة مواقفها تثير القرف أيضا. أوباما يطالب مبارك بالتنحي قبل تنحيه ب 48 ساعة وبعد أن تأكد تماما أن نظامه آيل للسقوط. لكنه سارع بالطلب من العقيد بالتنحي فورا. أما بالنسبة للأسد فقد ظل يردد جملة مطاطة تحتمل كل أنواع التأويل: ‘إذا كان غير قادر على الاستجابة لمطالب الشعب فعليه أن يتنحى’. وكأنه يعطي فرصة أخيرة للنظام. يسحب سفيره روبرت فورد في 24 تشرين الأول (أكتوبر) ويعيده في 6 كانون الأول (ديسمبر). أما ثورات البحرين واليمن فيبدو أن هناك موجة من التشويش على رادار الإدارة الأمريكية بحيث تختفي هذه البقع ولا يتمكن السيد أوباما من رؤيتها. قد نفهم هذا العمى إذا ما تعلق بالبحرين لصغرها لكن اليمن أكبر من أن تختفي من على شاشة الرادار حيث تمكنت طـــائرات الاســتطلاع الأمريكية بملاحقة أنور العولقي واصطياده يوم 30 أيلول (سبتمبر). فكيف بها تختبئ كفأر خلف المبادرة الخليجية في ما يجري في اليمن من عنف ضد الثورة السلمية؟ عن الجامعة العربية حدث ولا حرج. مهزلة تثير الغثاء. فهي ‘شاهد ما شافش حاجة’ في ما يتعلق بتونس ومصر والبحرين واليمن. ترمي بعجزها في المسألة الليبية على مجلس الأمن وتحاول أن تعمل شيئا في المسألة السورية بعد ثمانية شهور من المسلسل الدموي. يختار السيد الأمين العام رجلا من السودان لرئاسة لجنة المراقبين وهو محمد أحمد الدابي، رئيس الاستخبارات العسكرية في دارفور حيث ترك بصماته الطيبة في منطقة من السودان قـُتل فيها أكثر من 100,000 وشـُرد مليونين وهـُجر منها إلى تشاد 300,000. بركاته هذه يريد أن يعممها على الشعب السوري بنحو 500 مراقب بدأ وصولهم المتقطع يوم 26 كانون الأول (ديسمبر). أقترح عليه أن يقبل دعوة النظام لتناول طعام العشاء في ركن من أجنحة مطعم ‘بوابات دمشق’ الذي دخل موسوعة غينيز كأكبر مطعم في العالم. نتمنى لألسنة الربيع العربي أن تدق ابواب الجزائر أولا والسودان ثانيا أو العكس. فمن يتابع مواقف الجزائر في دعم الطغاة يصاب بالدوار وهو ينظم المباريات الرياضية باسم دورة الشهيد معمر القذافي ويعطي المنابر لعائشة القذافي بينما يغلق حدوده مع الجار المغربي لأكثر من 17 سنة. ألا يستحق الشعب الجزائري العظيم حركة تصحيحية سلمية تطيح ببوتفليقة الذي غير الدستور ليبقى في السلطة دورة أخرى على طريقة تغيير الدساتير في يمن علي عبدالله صالح وسورية الأسد. أما السودان فخسارة الجنوب والتفريط في منطقة غنية تعادل مساحة فرنسا تستحق إجراء محاكمة لهذا النظام. وهل هناك جريمة تعادل التفريط في أرض الوطن من أجل تأهيل رئيس إغتصب السلطة بالانقلاب على حكوكة المهدي المنتخبة وإختصر البلاد في شخصه هو كغيره من الطغاة؟ ‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية