الدكتورة سميرة شمعاوي أدت ثورة الشباب العربي إلى صعود الإسلاميين إلى الحكم في العديد من الدول العربية (حزب النهضة في تونس، حزب العدالة والحرية في مصر، حزب العدالة والتنمية في المغرب.) عن طريق انتخابات وصفت من قبل هيئات محلية ودولية بالنزاهة والشفافية، مما يؤكد أن وصول تلك الأحزاب هو تعبير عن إرادة شعبية لتغيير المسار السياسي لتلك الدول. ومن هنا ضرورة طرح السؤال التالي: لماذا ظهرت قيادات سياسية إسلامية في وقت متزامن؟
لاشك أن المواطن الذي عانى لعقود من الزمن كل أشكال القمع والفقر والتجويع وإغراقه في الجهل وويلات السجن وقمع حرية التعبير في ظل كل الحكومات التي تعاقبت: حكومات ذات توجه ليبرالي متشبعة برأسمالية متوحشة تستغل الإنسان أبشع استغلال، وتتحكم فيه بحجة إنقاذ الاقتصاد.. لايمكن لهذا المواطن إلا أن يعبر لهذه الفئة -الممثلة للاستعمار الجديد- عن رفضه لها ولأسلحتها الإيديولوجية الفتاكة، ولم تلق شعاراتها المزيفة أي صدى لدى الجماهير.
ولايمكن لهذا المواطن – الذي راهن الكثير على صبره وقوة تحمله وإمكانية خداعه- أن ينقاد للقيادات اليسارية التي استغلت المبادئ الماركسية والاشتراكية لكي تخفي بها مصالحها السلطوية، فاستخدمت مفاهيم النضال والدفاع عن الفئات المسحوقة، وهي موغلة في الأنانية واحتقار هذه الفئات التي لاتتذكرها إلا أثناء الحملات الانتخابية. قدرتها التضليلية جعلت المواطن العربي يظن أن الخلاص آت على أيدي هؤلاء.. لكن الواقع كشف عن زيف الشعارات، فقد لاحظ المواطن العربي أن شجع هذه الفئة فاق كل توقع، فهم يسرقون باسم النزاهة، ويحصلون على مناصب لهم ولأبنائهم مدعين الشفافية.. وتآلبوا مع مافيا الفساد لكي يستغلون المواطن بذكاء باهر: فالمواطن يتعرض للضرب في الساحات العمومية اثناء الحركات الاحتجاجية، وهم يتحدثون عن الديمقراطية في البرلمانات.
أعطى المواطن فرصة لهذه الطبقة الاستغلالية الحديدة لكي تكشف عن حسن نواياها لكنها كانت تتمادى في قبليتها الحزبية، بحيث يحظى أعضاؤها بالمناصب والامتيازات.. وتزداد الفئة الفقيرة حرمانا وقهرا وتهميشا.
لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد المواطن يحتمل استغفاله والنصب عليه من طرف فئات غير جديرة بتمثيله كما عرف أنها تطمح إلى تكريس طموحات استعمارية جديدة بالدخول مع منظمات دولية في تطبيق برامج غير منسجمة مع خصوصياته وحضارته إن على مستوى التعليم، العدل.. ففكر في التغيير.
وفي ظل الربيع العربي الزاهر – الذي لانتأسف فيه إلا على أرواح الشهداء الذين سقطوا ولازالوا يسقطون- وصل الإسلاميون إلى الحكم. وهذا الوصول هو تعبير عن رغبة هذه الشعوب في تسليم السلطة إلى طبقة سياسية تحترم على الأقل الهوية الدينية والحضارية، وهي أقرب إلى المواطن في تدبيره للشؤون اليومية، بحيث تلتحم معه في قضاياه الحساسة. ولاشك أن بعض الممارسات السياسية ستقوي الارتباط بهذه الأحزاب من قبيل ماقام به حزب العدالة والتنمية المغربي الذي رفض عدد من أعضائه بعض الامتيازات كالحصول على السكن وعلى سيارات الدولة، واتخاذ قرار التصريح بالممتلكات في بداية الولاية وآخرها، هذا القرار الذي تهربت منه الحكومات السابقة.
لاننكر أن مهمة الإسلاميين هي صعبة للغاية في ظل انتشار مافيات الفساد في العديد من الدول، ولكن بإمكانهم أن يستمدوا قوتهم من الشعوب التي استفاقت من سبات عميق، وقررت عدم العودة إليه، وساحات التحرير دليل على هذه اليقظة المستمرة.
الدكتورة سميرة شمعاوي[email protected]