لندن ـ من عدنان حسين أحمد: لا يقتصر المنجز الأدبي لفاضل السلطاني على الشعر تحديداً، فهو مترجم محترِف وقد سبق له أن ترجم (قصائد مختارة لميروسلاف هولوب) ورواية (العين الأشد زرقة) للروائية الامريكية توني موريسون، و(قصص مختارة) للقاص والروائي الآيرلندي وليم تريفر، إضافة إلى كتاب (خمسون عاماً من الشعر البريطاني) وهو بمثابة أنطولوجيا شعرية لستة وخمسين شاعراً بريطانياً من إنكلترا، وويلز، وأسكوتلندا، وآيرلندا الشمالية يغطون مساحة نصف قرن من الزمان تمتد منذ عام 1950 وحتى عام 2000. لابد من الإشارة إلى أن الشاعر فاضل السلطاني قد درس الأدب الأنكليزي في بغداد، وواصل دراسته العليا بلندن حيث نال شهادة الماجستير في الأدب الإنكليزي وقدّم بحثه القيّم عن الشاعر فيليب لاركن الذي يُعّد واحداً من أفضل الشعراء البريطانيين وأحبّهم إلى نفوس القرّاء والمتابعين للمشهد الشعري البريطاني.
يعتقد السلطاني بوصفه شاعراً ومتابعاً للمشهد الشعري العالمي أن ما تُرجِم من الأدب الإنكليزي إلى اللغة العربية قليل جداً مقارنة بما تُرجِم من الشعر الفرنسي إلى لغة الضاد. ويستثني من ذلك بعض القامات الشعرية السامقة مثل شكسبير وت. س. إليوت، إذ لم يقدِم المترجمون العرب على ترجمة الأعمال الكاملة للشعراء البريطانيين الكبار الذين يهيمنون على واجهة المشهد الشعري البريطاني في الأقل. كما أن القارئ العربي الجاد لم يقرأ إلاّ قصائد متفرقة لهذا الشاعر البريطاني أو ذاك منذ حقبة الشعراء الرومانسيين حتى يومنا هذا. وأكثر من ذلك فإن السلطاني يزعم بأن القارئ العربي لا يكاد يعرف شيئاً عن الشعر الإنكليزي بعد الحرب العالمية الثانية التي هزّت العالم وأصابته في الصميم. كما يشدِّد السلطاني في الوقت ذاته على أن المترجمين العرب توقفوا عند خمسة شعراء بارزين وهم وليم بتلر ييتس، إزرا باوند، ت.
س. إليوت، ستيفن سبندر وويستن هيو أودِن، وهذا يعني، من وجهة نظره، خسارة فادحة لأن القارئ والشاعر العربي، على وجه الخصوص قد حُرِم من الاطلاع على تجارب شعرية مهمة في النصف الثاني من القرن العشرين. وبحسب حسِّه النقدي، وذائقته المرهفة يعتقد السلطاني بأن تجارب هؤلاء الشعراء البريطانيين (هي الأقرب إلى طبيعتنا ووجداننا وتجاربنا الحياتية والشعرية) من الشعر الفرنسي الذي يتوفر على أجواء ومناخات خاصة به.
يرى السلطاني أن الشعر العربي الحديث ما كان له أن يُولَد لولا تأثير الشعر الإنكليزي على بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وأقرانهما من الشعراء العراقيين، وهذا الأمر ينطبق على تأثير قصيدة النثر الفرنسية الحديثة على عدد من الشعراء اللبنانيين. وهذا يعني أن الترجمة من الشعر الإنكليزي والفرنسي قد لعبت دوراً حاسماً في تحديد الاتجاهات الشعرية العربية وخاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر. من هنا تنبع أهمية دعوة السلطاني إلى دراسة أساليب المدرستين الشعريتين العراقية واللبنانية ومعرفة فحواهما، وطبيعة تأثرهما بالمدرستين الإنكليزية والفرنسية، ورؤيتهما للشعر والحياة في آنٍ معاً.
يحدِّد السلطاني ثلاثة عناصر مشتركة تربط الشعرين البريطاني والعراقي وهي (الغنائية والنزعة الواقعية والأوزان الخارجية). ويرى بأن قصيدة النثر لم تزدهر في العراق باستثناء بعض المحاولات شبه السوريالية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وهذا الأمر ينطبق على الشعر البريطاني أيضاً الذي عرف شاعراً سوريالياً واحداً وهو ديفيد غاسكوين، بينما ازدهرت قصيدة النثر في فرنسا بدءا من ستينات القرن التاسع عشر حينما أطلّ علينا بودلير بقصائده النثرية القصيرة والمكثفة.
يتسم الشعر البريطاني بالواقعية، كما يعتقد السلطاني، ويرى بأن معظم القصائد التي ترجمها في هذه المختارات تهتم بالإنسان، وعالمه الحسي، وطبيعته الملموسة، وشروط وجوده في هذا العالم، بخلاف الشعر الفرنسي الحديث الذي يُعنى بالأفكار الذهنية والمجردة أكثر من عنايته بالأشياء الحسية والملموسة كما فعل البرناسيون وغيرهم من الشعراء الذين جاءوا بعدهم. ويقدِّم السلطاني تفسيراً مقنعاً لهذا الولع بالأفكار الذهنية والصور المجردة مفاده أن فرنسا كانت مهتمة بالفلسفة منذ القرن الرابع عشر وحتى الآن، بينما انغمست بريطانيا بالاقتصاد السياسي، وارتبطت بحركة المجتمع الأمر الذي وسمَ الشعر الإنكليزي بالمحلية ومحدودية النظرة. لقد خلخل عقد الستينات من القرن الماضي الكثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في العديد من البلدان المتقدمة والمتخلفة على حد سواء، لكن بريطانيا حافظت على توازنها الطبيعي ما عدا بعض الخروقات التي سُجلت هنا وهناك، لكنها لم تنجح في اختراق المؤسسة الثقافية مثل ثورة البيتلز(Beatles) وثورة باوند الشعرية وتشظيات مدرسة أوكسفورد مع أودِن بشكل خاص.
يتفق السلطاني مع بيتر فنتش، صاحب كتاب (إنسايكلوبيديا الأدب البريطاني) بأن الشعر الإنكليزي ظل يدور طوال خمسين عاماً في بيئة مركزية ذات هيمنة ذكورية وأكاديمية أبقته بعيداً عن (الحداثة) والتعددية الثقافية، كما لم تبرز أصوات شعرية عملاقة تستطيع أن تخترق جدران المؤسسات الثقافية والأكاديمية أو تحدث فيها شرخاً في الأقل.
ولتعزيز هذه المقولة النقدية أوردَ السلطاني بعض التجمعات الشعرية التي كوّنها شعراء ثانويون مثل (شعراء ما قبل الحرب) وعلى رأسهم ف. س. فلنت، و (شعراء الجورجيون) مثل وولتر دي لامير ودبليو. أتش. ديفيز اللذين تميزا بأشعارهما الريفية والرومانسية الساذجة قياساً بأبرز الشعراء الرومانسيين العظام في القرن التاسع عشر وعلى رأسهم بيرسي بيش شللي وجون كيتس واللورد بايرون.
بسبب غياب القامات الشعرية السامقة برز تأثير شعراء الثلاثينات على شعراء ما بعد الحرب الثانية الذين أسموهم النقّاد أول مرة بـ (شعراء الرومانسية الجديدة) أمثال فيرنون واتكنز، ودبليو. أس. غراهام وجورج باركر، ثم بـ (شعراء الرومانسية الرؤيوية(. أمام هذا السكون والانحسار الشعري لابد من طرح السؤال التالي: هل انتهى العصر الذهبي للشعر الإنكليزي أم انحسر في حقبتي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي؟ يرى الشاعر والروائي البريطاني ستيفن سبندر بأن مركز النشاط الشعري قد انتقل بعد مدرسة أوكسفورد من لندن إلى نيويورك، كما انتقل الرسم من باريس إلى نيويورك أيضاً.
ونتيجة لهذا التشظّي الذي تعرضت له مراكز الأنشطة الشعرية في بريطانيا ظهرت تجمعات أخرى مهمة من بينها شعراء (الحركة) التي تمثّل، من وجهة نظر السلطاني، علامة فارقة في المشهد الشعري البريطاني في النصف الثاني من القرن العشرين، كما كانت ردّة فعل تجاه الحداثة و(العالمية)، وربما يعود هذا التقوقع، أو الانكفاء للداخل، أو الانغلاق إلى تشبث البريطانيين عموماً بنزعتهم المحلية واعتدادهم بما لديهم من رؤى وتطلعات فنية وثقافية وفكرية، ولعل أبرز منْ مثّلَ هذا الاتجاه فيليب لاركن، دونالد ديفي، إليزابيث جننغس، دنيس جوزيف إنرايت، كنغسلي آمس، توم غَنْ وروبيرت كونكوِست. وعلى الرغم من التقوقع المُشار إليه سلفاً إلا أن الشاعر والناقد الأدبي والمنظِّر الأساسي لـ (الحركة) دونالد ديفي سرعان ما نقضَ كل الآراء الواردة في كتابه القيّم (نقاوة الأسلوب) وانفتح على ما يسمّى بـ (الحداثة الأمريكية) وتأثره بالشعر الروسي عامة، وبشعر بوريس باسترناك على وجه الخصوص. يؤكد السلطاني بأن أبرز شاعِرَين في (الحركة) هما فيليب لاركن وتوم غَنْ اللذان هيمنا على واجهة المشهد الشعري البريطاني لسنوات طويلة، إضافة إلى تيد هيّوز، الشاعر العصي على التصنيف والذي يصعب إدراجه ضمن أي اتجاهٍ شعري محدّد. لم يفلح العديد من شعراء (الحركة)، باستثناء لاركن طبعاً، في الالتزام بمبادئها الأساسية وبضمنهم كنغسلي آمس، صاحب رواية (جم المحظوظ) التي طبقت شهرتها الآفاق.
يتوقف السلطاني عند شعراء (المجموعة) التي انبثقت بعد عدة لقاءات في كيمبرج بمبادرة من الشاعر والناقد فيليب هوبزبوم. وكان من أبرز أعضائها جورج ماكبث، إدوارد لوسي سميث، بيتر ريدغروف، ألآن براونجون، بيتر بورتر، مارتن بيل إضافة إلى تيد هيّوز الذي كان يحضر بين أوانٍ وآخر. كان أعضاء هذه المجموعة يسعون لانقاذ الشعر البريطاني من محليته وتحريره من هيمنة المؤسسة الأكاديمية. وقد حدث بعض الحراك حينما تخلى الشاعر والناقد ألفريد ألفاريز عن تحفظاته السابقة على الشعر البريطاني وأصدر أنطولوجيا تحمل عنوان (الشعر الحديث) حيث عكس الشعراء الجدد فيها المديات الإنسانية الواسعة لتجاربهم وقدرتهم في الانفتاح على العالم. تمخّضت هذه الإرهاصات عن بروز ظواهر جديدة ومحاولات لا ينقصها الحماس، إذ بادر تيد هيّوز إلى تنظيم مهرجان للشعر العالمي ينعقد مرة واحدة كل سنتين بلندن بغية انفتاح الشعراء البريطانيين على أقرانهم في مختلف بلدان العالم. كما برزت إلى الوجود موجة شعراء ليفربول المتمردين، وشعراء (الأندرغراوند)، وأصحاب (الشعر الكونكريتي)، وأعضاء (مدرسة كيمبرج) بهدف انقاذ الشعر من هيمنته الذكورية والأكاديمية ومحاولة إيصاله إلى الشارع، وتوسيع مدار حركته ضمن طبقات المجتمع البريطاني المعاصر.
يتوصّل السلطاني إلى خلاصة دقيقة مفادها أن هذه الحركات الشعرية لم تُحدث تغييراً جذرياً في الشعر الإنكليزي، ربما لأنها غير مفصلية من جهة، أو لأن الحياة البريطانية غير قابلة للاختراق من قِبل التيارات (الحداثوية) القادمة من وراء الحدود من جهة أخرى، فيما استقبل العالم كله هذه التيارات الحديثة وتعاطى معها بشكل أو بآخر. يذكر السلطاني أن بعض النقّاد بدأوا يتحدثون في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي عن (الحداثة الجديدة) المتمثلة بشعراء من طراز آلان فيشر، باري ماكسويني وبيتر ديدسبري، ويشيرون إلى انتشار (شعر البوب)، لكن الاتجاه العام للشعر الإنكليزي ظل على ما هو عليه، ولم يلتفت إلى هذه الصرْعات الجديدة.
لابد من الإشارة إلى بعض الملاحظات المهمة التي رصدها الشاعر والمترجم فاضل السلطاني نذكر منها الحضور غير العادي لشعراء من أصول غير بريطانية، وتحديداً من الهند وباكستان وبعض البلدان الأفريقية، أمثال سلمان رشدي وزادي سميث وغيرهم الكثير، الأمر الذي سيترك أثره الواضح على المشهد الشعري البريطاني على مرّ السنين. كما ستتعمّق التعددية الثقافية بمرور الوقت خاصة وأن عدد الكتّاب الأجانب من أصول غير بريطانية يتزايد يوماً بعد يوم ولابد أن يظهر تأثيرهم على الشعراء البريطانيين الذين يعيشون في هذا العالم الكوزموبوليتاني المنفتح على كل التيارات والمدارس الشعرية القديمة والجديدة على حدٍ سواء. يستغرب السلطاني في ملاحظة لافتة للانتباه وهي غياب (الشعر الأسود) مقارنة بالشعر الامريكي بشكل كبير، وهي ملاحظة ذكية تستحق الدراسة والبحث العميق.
يعترف السلطاني بأن ذائقته الشخصية كانت الأساس في ترجمة هذه المختارات الشعرية بعيداً عن أي غرض أكاديمي، لكنه حرص على أن تضمّ هذه المنتخبات كل الاتجاهات المهمة في الشعر البريطاني ضمن الحقبة الزمنية الممتدة منذ عام 1950 حتى عام 2000. كما حرص في الوقت ذاته أن تضم هذه المختارات قصائد لغالبية ممثلي الاتجاهات الشعرية البريطانية ومن أجيال مختلفة لشعراء وشواعر من إنكلترا وويلز وأسكوتلندا وآيرلندا الشمالية معززة بمقدمات مقتضبة تعرّف بسِيرَهم الذاتية، وتسلّط الضوء على تجاربهم الشعرية والحياتية.
لم يعتمد السلطاني على تقنية محددة أو منهج معيّن في ترجمة هذه النصوص الشعرية، وهو لايجد حرجاً في القول بأنه ترجم القصائد التي يُحبِّها، أو ببساطة أشدّ القصائد التي يمكن ترجمتها، فهناك، كما أشرنا سلفاً، قصائد عصيّة على الترجمة ولا يمكن نقل روحها أو نسغها الداخلي الذي قد يكمن في النبرة الداخلية أو الصور الذهنية المجرّدة، ولهذا السبب يجب أن لا يستغرب القارئ العربي غياب بعض الشعراء البريطانيين المهمين عن هذه المنتخبات المترجمة لأنه ببساطة، والكلام للسلطاني، لا يستطيع ترجمة قصائدهم أو يخشى عليها من (التشويه) وفقدان الروح الشعرية النابضة. وبالمقابل هناك شعراء غير معروفين، لكن الشاعر والمترجم فاضل السلطاني أحبّ قصائدهم وترجمها على الرغم من أنه لم يعثر على سيرّ ذاتية يعزّز بها قصائدهم المترجمة.
لا ينتظر السلطاني الثناء أو المديح من أحد، وشأنه في ذلك شأن الناس الكبار الذين يؤلفون القواميس والموسوعات والمراجع الضخمة الشاملة ولا يبتغون مدحاً من أحد، وجلّ ما يطمحون إليه هو تفادي القدح واللوم والتقريع لا غير!