د. كمال الهلباوي في مصر اليوم (بعد مرور عام على الثورة العظيمة) مشهد معقد يحتاج إلى حكمة بالغة. ولا يقف هذا المشهد المعقد عند القوى المتصارعة والأيديولوجيات المتقابلة فحسب، وبعضها تقليدي وبعضها مستحدث، بل يتخطى هؤلاء وهؤلاء إلى قوى تبدو متناسقة أو منسقة فيما بينها ـ النظرة الجزئية أو غير الموضوعية قائمة. الأمثلة على هذا القول عديدة، والمواقف التي تقف إلى جانب صحة هذا الكلام أو الزعم كثيرة، وسأقتصر في حديثي هذا على بعض النماذج أو الأمثلة العديدة التي لا تخطئها العين ولا يستطيع أن ينكرها حتى الجاهل أصبح يراها ويدركها كما أدركها الحكماء وحذروا منها قبل وقوعها أو قبل وقوع معظمها إذ أن الفتنة إذا أقبلت لا يدركها إلا الحكماء والعقلاء، أما إذا أدبرت فيدركها حتى الجهلاء ولو جزئيا. المثال الأول: من مقال الثورة والثورة المضادة للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي المنشور بجريدة الأهرام يوم الأربعاء 1 فبراير 2012 إذ يتساءل: أيهما الجدير بأن يسقط قبل الآخر؛ الطاغية أم النظام الذي يصنع الطغاة؟ وهو سؤال جميل مشروع وكانت إجابة حجازي عليه واضحة إذ كتب يقول: ‘الثورة أجابت على السؤال فقالت الشعب يريد إسقاط النظام، طالبت بدولة مدنية لا دينية ولا عسكرية وبنظام ديمقراطي تكون فيه الأمة مصدر كل السلطات فماذا كان جواب الثورة المضادة؟’ ثم بدأ حجازي يفصل في الثورة المضادة، وكانت هنا النظرة الجزئية والنظرة التقليدية فيما لم نكن نقبله حتى قبل الثورة إذ يقول ‘المضادة حولت الديمقراطية إلى استفتاءات خيرت فيها المصريين بين دخول الجنة لمن يقبل اختيارها ودخول النار لمن رفضوا. كما أجازت الأحزاب الدينية الممنوعة بنص الدستور، وأجرت هذه الانتخابات التي مكنت هذه الأحزاب من السيطرة على مجلس الشعب، وبالتالي على الحكومة القادمة أو على التشريع الذي لم يعد يصدر عن الأمة، ولم يعد تعبيرا عن حاجاتنا ومطالبنا التي تتغير مع الزمن وتتطور لأن الشريعة أصبحت المصدر الرئيسي للتشريع، ولأن الأحزاب الدينية أصبحت هي المتحدثة بلسان الشريعة وهي التي ستتولى تقنينها’ انتهى المقطع من كلام حجازي الذي أريد ان أشير إليه. ولا أدري كيف تكون هناك ديمقراطية دون استفتاءات وانتخابات حرة ونزيهة ولتفرز من تفرز، إسلاميين أو غير إسلاميين، ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية دون حرية تكوين الأحزاب، ولا أدري كذلك لم يكره الشاعر حجازي أن تكون الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للقوانين. أنا مع الشاعر حجازي في نقد أي كلام أو فتوى تربط بين الاستفتاء والانتخاب وبين دخول الجنة أو النار، فليس منا ملائكة ولا أنبياء، ولا يحق لأي منا أن يصنف الآخر كشيطان. ولقد كان الاسلاميون لفترات طويلة ولا يزالون يقصون علينا من السير والتاريخ أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه وأرضاه قال: والله لو كانت إحدى قدماي في الجنة والآخرى خارجها ما أمنت مكر الله’. كما يقصون علينا أيضا ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: ‘لو نادى مناد يوم القيامة كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدا لقلت إنه أنا’ أو كما قال.
المثال الثاني: من جريدة الحرية والعدالة يوم 31/1/2012 حيث نقرأ: أن د. رشاد البيومي قال إن الاخوان قدموا 37 شهيدا في الثورة. وفي تفصيل الخبر يقول عن الإخوان: ‘إنه في سبيل ذلك قدموا (أي الاخوان) أكثر من 37 شهيدا وآلاف المصابين’ وفي صفحة أخرى من نفس الجريدة خبر يقول: الاخوان تحيي ذكرى استشهاد البطل مصطفى الصاوي شهيد الميدان…. صديق القرآن. رحم الله تعالى الجميع من الاخوان وغير الاخوان وكنت أتمنى أن يحيي الاخوان المسلمون ذكرى الشهداء جميعا مع ذكر أسمائهم ومواقعهم التنظيمية دون أي تناقض في الحديث.
المثال الثالث: من جريدة المصري اليوم بتاريخ الأربعاء 1 فبراير 2012 بعنوان: فتوى تقول: إن استخدام بطاقات الائتمان الاسرائيلية المسروقة حلال، وهي فتوى الداعية السعودي عبد العزيز الطريفي. وقد علل هذه الفتوى بقوله: لا عصمة إلا لبنوك المسلمين: إن هذه الفتوى وأمثالها لا يقوم على سند من السيرة ولا الشريعة ولا التاريخ الاسلامي العظيم. إنما هي فتوى الانتقام من الآخرين ولقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من سيدنا علي ابن أبي طالب أن ينام في فراشه ليلة الهجرة ليرد الأمانات إلى أهلها في الصباح رغم أن أصحاب هذه الأمانات تآمروا على الرسول صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يخرجوه. ومن العجب العجاب أن ينسى الشيخ الطريفي القواعد الأمريكية والقوات الأمريكية في الخليج ولا يطالب حتى بخارطة طريق توضح متى الرحيل، وينسى كذلك تحكم الأمريكان في النفط في السعودية خصوصا والخليج عموما ويجيز سرقة بعض بطاقات الأمانات الاسرائيلية. وإذا كان هذا الخبر بعيدا عن مصر وثورة مصر إلا أن إمتدادات الطريفي في مصر لها خطورتها وترتبط بقضية التكفير واستحلال الأموال وربما الأعراض كما يرى بعضهم وترتبط كذلك بتصنيف الأموال إلى معصومة وغير معصومة وتصنيف الدور إلى دار حرب ودار سلم أو إسلام ويتجاهل الواقع العالمي الجديد ووضع الأقليات وإن خالفت دين الأكثرية، ويتجاهل الشيخ الطريفي التقدم العلمي الغربي الذي استطاع هؤلاء الشباب بموجبه سرقة بطاقات الائتمان الاسرائيلية وأقول للشيخ الطريفي إن أصحاب التقدم العلمي الحقيقي يستطيعون سرقة جميع بطاقات الائتمان في العالم الاسلامي ولكنهم قد كفاهم سرقة النفط والمواقع الاستراتيجية في بلادنا وأخضعوا بلادنا تحت حكامنا للهيمنة الغربية ومن ثم إسرائيل، ولا يزال حكامنا يعملون في إطار النظام العالمي الجديد الذي يسعى حاليا لتدمير بلاد العرب والمسلمين بدءا بسورية ثم إيران وليس هناك من مخرج إلا الخروج من بوابة النظام العالمي الجديد ثم امتلاك أسباب القوة ‘وأعدوا لهم ما استطعتهم من قوة ومن رباط الخيل’. المثال الرابع: الاصرار من المسؤولين على إجراء انتخابات مجلس الشورى، وهي الانتخابات التي لم تتجاوز فيها عمليات التصويت في المرحلة الأولى 10′ بينما وصلت إلى اقل من 5′ في دوائر أخرى. كيف يزعم أحد أن من أفرزتهم انتخابات الشورى أنهم قد نجحوا وهم يمثلون الشعب إذ أن الفائز في هذه الانتخابات هو حزب الكنبة الذي عاد إلى ممارسة نشاطه أعني كسله عن المشاركة. وهذه انتخابات تعيد إلى الأذهان مشهد انتخابات المخلوع ومهندس الانتخابات أحمد عز، فيما عدا التزوير.
هناك أمثلة كثيرة تؤكد خطورة الرؤية الجزئية، وخطورة المعالجة غير الموضوعية ومنها مثلا ما جاء في اليوم السابع يوم 31 يناير 2012 على لسان الشاعر والاعلامي البارز فاروق جويدة الذي نقدره ونحبه من ‘أن جماعة الاخوان المسلمين إتبعوا مبدأً إنتهازياً خلال الفترة الماضية بعد أن تركوا المعركة الحقيقة في الميدان وتحركوا بكثافة في الأقاليم لحشد الأصوات الانتخابية ليحصلوا على الأغلبية في مجلس الشعب ويصلوا إلى السلطة’، ثم يقول عند الحديث عن بقية القوى السياسية والمجلس العسكري ‘إن جميع القوى السياسية قد ارتكبت أخطاء وفي مقدمتها المجلس العسكري الذي عمل على تأجيل المحاكمات لأفراد النظام البائد مضيفا يجب أن نعترف بأنه أدى دوره رغم عدم خبرته بالعمل السياسي’. ينظر الشاعر والاعلامي جويدة إلى الاخوان وإلى بقية القوى السياسية والمجلس العسكري نظره غير موضوعية فيما يتعلق بالاخوان. يرى أن للقوى السياسية الأخرى والمجلس العسكري إيجابيات رغم أخطائهم، ولا يرى إيجابيات للإخوان بل مجرد انتهازية والتفرغ لكعكة الانتخابات.
إن النظرة الموضوعية والتحليل الموضوعي يدعو إلى إلقاء نظرة شاملة على الموقف حتى نرى علاجا صحيحا لمرض قد استشرى ولا يزال رغم الثورة العظيمة التي وقعت في خطأ استراتيجي إذ انفضت يوم 11 فبراير 2011 وألقت بالمسؤولية الكاملة على المجلس العسكري، وانفضت ولم يكن لها قيادة ولا اي متحدث باسم الثورة مع كثرة القيادات والائتلافات والمتحدثين بإسمها ولكن بنظرة جزئية غير موضوعية.
ما أقسى الموقف الذي شاهدناه يوم الأربعاء 2/2/2012 في بورسعيد، ولكن المعالجة أيضا جاءت جزئية بإيقاف مدير الأمن ومدير المباحث في بورسعيد وحل مجلس إدارة إتحاد الكرة، وبقى وزير الداخلية والمجلس العسكري كل في مكانه.
وإلى أمثلة أخرى في مقال آخر حتى نهجر جميعا النظرة الجزئية في الفهم والتحليل والعلاج إلى نظرة موضوعية واسعة أو شاملة ويظل المشهد المحزن الحزين والمؤلم الأليم يحتاج إلى حكمة بالغة والله الموفق.’ المتحدث السابق باسم الاخوان المسلمين في الغرب