سلحفاة اسمها نَوْرَس !

حجم الخط
0

خيري منصور

للتسمية في موروثنا الثقافي والشعبي دلالات يصل تباينها احيانا حد التضادّ، فثمة تسمية من باب التّيمن، واخرى من باب درء الحسد او نشدان الحياة، فمن اُطلقت عليهم اسماء رُسل ورموز تاريخيين كان ذلك من باب الاحتذاء والتيّمن، لعل المسىّ يبلغ شأو هؤلاء على الاقل من حيث الرغائب، لكن هناك اسماء لها دلالات مضادة تماما، فالسّليم مثلا هو الملدوغ بسم الأفعى، والشحّاذ هو الذي يعول والداه على ان يكون عكس ذلك فلم يطلق عليه هذا الاسم كي يكون مُتسولا!. وفي الثقافة المعاصرة ثمة ما يسمى استراتيجية التسمية، وكان المفكر العربي مطاع صفدي اول من طرق هذا الباب بشكل جدي وذي جذور فلسفية في كتابه الذي حمل عنوان ‘استراتيجية التسمية’، فإسم مطاع بحدّ ذاته يصبح معناه مضادا لمجرد ابدال حرف العلة، بحيث يحل حرف الياء مكان الألف ليصبح مُطيعا، وينقلب معنى الاسم ودلالته تماما الى النقيض، وفي النقد الحديث لم تعد الاسماء التي ترد في نصوص وروايات مجرد مصادفات حيث لا بد لشخوص الاعمال الادبية من اسماء، فثمة مثلا مَنْ اعاد قراءة رواية العجوز والبحر لهمنغواي من خلال الاسم وهو سانت ياغو، واضاف دلالة ميثولوجيةللرواية من خلال النبّي يعقوب وبحيرة طبرية في فلسطين وحكايتها معروفة.

كما ان هناك ناقدا آخر اعاد قراءة رواية ‘السقطة’ لألبير كامو من خلال الدلالة الميثولوجية والتاريخية لاسم البطل وهو يوحنا المعمدان، اما الناقد الايرلندي القِسْ أُوبراين الذي كتب دراسة من خلال مقاربة جديدة لرواية ‘الطاعون’ لألبير كامو، فقد استطاع تحديد موقف المؤلف سياسيا واخلاقيا من احتلال فرنسا للجزائر، فرغم ان النقاد الآخرين او معظمهم على الأقل رأوا في وباء الطاعون الذي تتمحور حوله الرواية رمزا للاحتلال، الا ان القس اوبراين توقف عند مسألة بالغة الدلالة وهي اسماء شخوص الرواية التي كان مسرحها المكاني مدينة وهران، فكل تلك الاسماء فرنسية بالمعنى التقليدي ولا يوجد هناك من يحمل اسما عربيا جزائريا في الرواية، مما دفع هذا الناقد الى استنتاج مُثير، هو ان جُرثومة الطاعون تسللت من سطور الرواية لتصيب المؤلف!!!* * * * * * * * * * ان قائمة او جردة لأسماء امهاتنا وخالاتنا وعمّاتنا في الوطن العربي قبل نصف قرن تقدم لنا اسماء متكررة منحوتة من صميم الابجدية ومنها اسماء خديجة وصفية وفاطمة وصبحية وفضيلة وحسنية الخ…. لكن هذه الاسماء بدأت تنقرض بعد ان تلاشت تدريجيا في العقود الخمسة الماضية، واكثر من ذلك اصبحت تقترن بالريف وتحمل دلالات زراعية وشبه رعوية، مما دفع الاجيال الاخيرة الى الاقلاع عنها باتجاه اسماء اكثر حداثة، ولهذه الظاهرة تفسيران على الأقل، الأول خلدوني بامتياز، وهو يتعلق بافتتان المغلوب بالغالب والتماهي معه ومحاكاته، والتفسير الثاني يقترن بالتمدن والتحديث الذي شمل اسماء أمكنة ومصطلحات جديدة تناغما مع موجات التحديث حتى لو كان ذلك في الا طار الشكلاني فقط. وهنا اعترف بأن مقاربتي لهذه الظاهرة كان سببها سؤال لم يكن عابرا بالنسبة لي، عندما قالت لي صحافية زميلة بأنها منزعجة من امر لا يخطر ببالي على الاطلاق، وهو ان اسمها محاسن واسم الفتاة التي تتولى تدبير منزلها في القاهرة ‘شيرين’ وكما ترى فإنها اولى بهذا الاسم من خادمة، ولم اكن قبل هذا السؤال الذي صيغ بشكل دعابة اعرف بأن هناك رجالا ونساء من العرب يشعرون بالحرج من اسمائهم لاسباب منها ما هو طبقي اجتماعي وما له علاقة بالشهرة خصوصا اذا كانوا ممن يعملون في الحقل العام، واحيانا افكر بأن اهم مصدر لحرية الحيوانات والطيور انها بلا اسماء خاصة بكل واحد منها، ونحن كبشر نشبهها لأننا نولد عراة وبلا اسماء ثم نرتدي ما يستر عوراتنا ونحمل اسماء قد نحبها وقد نكرهها ونتمنى استبدالها.* * * * * * * * * *ما ترمز اليه السلاحف يتخطى الفكرة الشائعة عن بطئها واختبائها تحت صدفة هي بيتها بقدر ما هي قبرها ايضا، ونادرا ما يسعى كائن في الارض حاملا بيته وقبره معا، وهذا ما عبّر عنه شاعر عربي بتأمل ميتافيزيقي آسر هو دُوَيْد… عندما قال اليوم يُبنى لدويد بيته قاصدا القبر. ويرى بعض علماء الجمال والنّقاد الأقرب الى النزعة الطبيعية ان هناك شبها كبيرا بين الابداع واختزان عناصره وبين الطريقة التي تبيض بها السلاحف، او تلك التي يُنجز فيها سمك السلمون دورته السيزيفية او حتى اساليب طائر البطريق في القطب الجنوبي في الدفاع عما تبقى منه ضد الانقراض، وقد شاهدت فيلما وثائقيا عن البطريق أبكاني اكثر من اية تراجيديا سينمائية او مسرحية، على الاقل ذلك المشهد الذي يتعانق فيه الذكر وانثاه كما ان انهما في رقصة هادئة، وتصدر عن كليهما اصوات وهمهمات تشبه النحيب، ذلك لأن البيضة الوحيدة التي تبيضها الانثى طوال العام سقطت ولامست الجليد وفسدت، ومؤخرا نشرت دراسة جديدة في سيدني باستراليا عن تخاطب السلاحف وهي داخل البيض وقبل ان تفقس. ويقول العالم ريكي سبنسر ان صغار السلاحف تستطيع عبر شفرة معيّنة ان توقّت مع بعضها لحظة الخروج الى الحياة، وما عرفناه عن السلاحف في ثقافتنا الغزلانية عضويا والغزالية فلسفيا وفكريا كان من خلال قصة للاطفال عن ثنائية الحكمة المقترنة بالبطء والتي تجسدها السلحفاة والنّزق والرشاقة المفرطة التي يجسدها الارنب، وتبعا لتلك القصة، فإن من ينتصر اخيرا هو السلحفاة لأن منافسها الارنب ينفق طاقته سريعا ويتوقف لاهثا، فيما تواصل هي ببطء وحكمة سعيها، وعلى الأرجح فإن من وضعوا تلك الحكايات كانوا ميالين الى تغليب التمهّل، فالحكمة غالبا ما تنتج عن الكهولة او التعب او خسران مرحلة العنفوان سواء كانت مرتبطة بالصّبا او العافية.* * * * * * * *بالطبع ما من سلحفاة تحمل اسم النوّرس، لكن هناك سلاحف من المفاهيم تحمل مثل هذه الاسماء المضللة والتي تعني عكس دلالاتها كصفة السليم التي تعني الملدوغ بالسمّ، فالرواية الملفّقة من شذرات هنا وهناك، والتي يتحول شخوصها بمجملهم الى ابواق للمؤلف هي سلحفاة تحمل اسما آخر، والقصيدة التي تعلن منذ مطلعها طلاقا بائنا بينونة كبرى مع الشعر بمختلف انماطه ورؤاه وتعريفاته التقريبية هي ايضا سلحفاة تحمل اسم نورس او صقر وهناك نقاد يليقون تماما ويتناغمون مع الميديا المُضلّلة، وفِقه الفوضى الثقافية الخلاقة المرادفة للفوضى السياسية الخلاقة لا مانع لديهم في ان يضيفوا الى السلحفاة ساقين او جناحين، وللافعى عنقا بطول جسدها كله، ناسين ان هناك ذيلا قد يكون الجسد برمته، واذا كان الناس يتندرون احيانا من افتراق الاسماء عن المسميات خصوصا بالنسبة للنساء، كأن تكون من تحمل اسم جميلة بلا اي جمال او اسم كريمة لامرأة اشتهرت بالبخل، فمن باب اولى ان يتندروا بنقد من هذا الطراز، ما دامت نبوءة ديستويفسكي قد تحققت، واصبح كل شيء مباحا ومتاحا، تماما كما ان نبوءة اورويل ايضا تحققت فأصبح الجميل قبيحا والحرب سِلما وقيود العبيد التي تدمي معاصمهم حليا وأساور للزينة.* * * * * * * * * *كنت حتى السادس الابتدائي احمل اسما مركّبا، ولأسباب غامضة كنت انوء بهذا الاسم، وأقول لأبي بأنني واحد ولست اثنين، وكان تغيير الاسم يتطلب كما عرفت فيما بعد اجراءات قانونية شكلية اضطر ابي الى ممارستها، وكنت اظن بأنني تحررت من هذه الازدواجية، لأكتشف بعد ذلك انها كانت غطاء مناسبا لشيزوفرينيا اعمق منها، رضعناها رشفة رشفة مع حليبنا ولُقّناها حرفا حرفا من ذوينا ومدارسنا والبيئات التي عشنا فيها، وتلك حكاية لها شجن آخر.

ان اجمل تعبير سمعته او قرأته عن الرشاقة هو ما وصف به طائر النوّرس، وهو انه يصطاد السمكة ثم يراها، لهذا فهو النقيض التام للسلحفاة لأنه بهذا الوصف الصيّاد والفريسة معا، والمطارد والطردة في اللحظة ذاتها، انه اقرب الى الناقد الذي حظر القصيدة قبل ان يراها حسب تعبير هارسمان عندما احتج على اي تعريف للشعر، لهذا فلا حاجة للنوارس بالذاكرة، لانها من نصيب الغراب الذي نشر العلماء مؤخرا انه يمتلك اقوى ذاكرة بين المخلوقات كلّها، ولذلك فهو محصّن من الزهايمر!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية