الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من المصطفى الصوفي: افتتح وزير الثقافة المغربي محمد الأمين الصبيحي فعاليات المعرض الوطني الكبير الذي يقيمه الفنان المغربي المحجوبي احرضان بالمسرح الوطني محمد الخامس حتى الخامس من شهر شباط/ فبراير المقبل.
وحضر افتتاح هذا المعرض جمهور غفير من عشاق الفن التشكيلي، وعدد من الشخصيات السياسية، والإعلامية والثقافية والفنية، فضلا عن عدد من المسؤولين والوزراء في الحكومة الجديدة.
كما شمل افتتاح المعرض حفل تقديم وتوقيع مؤلف الفنان المحتفى به، باللغة الفرنسية وهو بعنوان’احرضان الزايغ’، وهو المؤلف الجميل الذي يحكي مسيرة الفنان التشكيلية، بالصورة والألوان. كما لقي المؤلف وهو من الحجم الكبير، وطباعته أنيقة وفاخرة، إقبالا من طرف زوار المعرض، لمعرفة مكنونات الفن التشكيلي ‘الاحرضاني’، وسبر أغوار وعوالم اللوحات التشكيلية لدى احرضان، التي تنهل من عالم كله سحر وأحلام، وعوالم غيبية لا يمكن تفسيرها، ولا يمكن القبض عليها، فكلما حاول المتلقي القبض على أطراف خيوطها، انسلت من بين أصابعه كالحرير، كالماء، لتبقى اللوحة التشكيلية لدى احرضان، صفحة تجريدية، تينع بتعدد الدلالات والرموز والعلامات.. في ختام الحفل الفني، قدم وزير الثقافة، محمد الأمين الصبيحي درعا فنيا للفنان المكرم، تقديرا لعطاءاته الفنية المتميزة، وتجربته الفنية المهمة التي وشمت الفن التشكيلي المغربي بالتألق والروعة.
وطاف الفنان والشاعر احرضان بجمهوره خلال المعرض، بعوالم راقية، من خلالها أدرك المتلقي أن الفن التشكيلي عند احرضان سحر شاعري وديع، وليس هو الفكرة الواحدة التي تقف عندها طموحات الحالمين، بل النقطة المضيئة التي تشع من خلالها كينونات الفنون التشكيلية الجميلة، لتتحول الممارسة التشكيلية عند احرضان، إلى تطريز لقفاطين للوجود بألوان الحياة، التي تمجد في العمق حرية التفكير، والإبداع، وسحر الفنون وترسيخ قيم المحبة والسلام، والسحر الطبيعي والوجودي الأخاذ.
جرأة وشجاعة فنيةوقال احرضان في تصريح لـ’القدس العربي’ في افتتاح معرضه الذي ضمن ما يزيد عن 60 لوحة بأحجام مختلفة، انه يرسم لأنه يحس بأنه يجب عليه أن يرسم، والرسم لديه تعبير عن الجرأة والشجاعة، والإحساس العميق بالأشياء والموجودات، والإنسان والحياة.
وأكد أن اللوحات التي يرسمها، إنما هي تعبير صريح عن حالات نفسية مختلفة في الزمان والمكان، وان الفنون التشكيلية التي يمارسها كما يمارس باقي مهامه في الحياة، تمنحه القدرة الكافية على التركيز والاسترخاء، والإحساس الجميل بأن الوجود جميل يستحق بأن يعاش، ويستحق أن يجسد في صور تختلف من واحدة إلى الأخرى بحثاعن السكينة والطمأنينة، وبحثا عن الجمال، والرقة الفنية التي تمنحها إيانا الحياة في أبهى تجلياتها.
وأضاف أن الفن إحساس، والفنان التشكيلي الذي لا يحس لا يمكنه أن يبدع فنا يحس به الآخرون، مؤكدا على أن الفن التشكيلي جرأة فنية وشجاعة، والفنان الحقيقي غير الشجاع في الرسم وطرح المواضيع، لا يمكنه أن يقدم الجميل والأحسن، والأجمل.
وعزا تنظيمه لهذا المعرض إلى إحساسه الكبير بأنه ما يزال قادرا على العطاء، وقادرا على الرسم، الذي يحس به ويرتاح له، موضحا أن كل تجربة شعرية إبداعية وبخاصة منها التشكيلية، تنتهي مع نهاية العمر، وان تجربته كانت طيلة حياته متسمة بالتنوع والخصوبة، وهو ما أثمر العديد من المعارض الدولية بعدد من البلدان عربية وأجنبية.
شاعر وزجال وفنانوأكد أن تنوع إبداعاته من الشعر والزجل والفن التشكيلي، يعود إلى موهبته التي حباها به الله سبحانه وتعالى، معتبرا أن الفنانين الامازيغ في كثير من المحطات ابرزوا مواهبهم وقدراتهم الكبيرة على التألق والنجاح والتنافس، والعطاء.
وأكد انه فنان مثل باقي الفنانين يحس بما حوله، ويتفاعل مع محيطه وبيئته، ولا يرسم تحت طلب أحد، ولا لجهة معينة، بل إن هاجسه الأساسي هو التعبير بريشته عن ما يحس به حتى يرضي نفسه.
وحول المدرسة التشكيلية التي ينتمي اليها قال احرضان انه مهما صنفني النقاد، فأنا فنان ارسم من اجل أن أحيا، أنا فنان مسافر بين مختلف المدارس، ارسم بحثا عن الحقيقة، وعن المتعة البصرية التي أحاول إيجادها للجمهور في أعمالي، أنا فنان سفير متجول، ارسم بالأبيض والأسود والحبر الصيني وارسم بالألوان، وان لم تعجبني اللوحة، أكسرها، بحثا عن الأجود والجميل والساحر والأنيق الذي يجعل مني فنانا حقيقيا أجد فيها ذاتي، واعبر فيها عن هويتي وأحلامي. أنا مغربي أعتز بعروبتي وهويتي الإسلامية وعاداتي وحضارة بلدي وتراثه وتنوع ثقافته- يضيف احرضان- والفن الذي يلامس العالمية، ويرسخ لقيم الحوار والتفاهم والتعايش بين مختلف الأديان والأجناس واللغات، ويؤمن بالقضايا الإنسانية والوجود ومعاني الحياة والطبيعة والتراث المغربي الأصيل. هكذا هي لوحاتي تنطلق من بلادي المغرب، بلد الحوار والتسامح، وارض التراث والأمجاد والحضارات، لترفرف في سماء العالمية بحس شاعري راق يحبه الكبار والصغار، ويقبل عليه الجمهور بنهم.
وشدد بالمناسبة على أن الفنانين الشباب قادرون على حمل المشعل الإبداعي، لما يتوفرن عليه من مواهب خصبة، وقدرات فنية عالية متنوعة، مما يجعل الفنون التشكيلية بالخصوص ترتقي إلى مسارات متطورة في المستقبل.
ريشة وألوان وشموخويشكل هذا المعرض التشكيلي إحدى المحطات المضيئة في مسرح محمد الخامس، الذي يستضيف من حين لآخر معارض تشكيلية، لكن معرض احرضان بعث الدفء الفني الحقيقي قي رواق المسرح، فكانت حشود المواطنين والجمهور، حيث غص الرواق بالجمهور، وظلت الحشود تتقاطر طيلة أيام المعرض من اجل استكشاف عالم فنان وشاعر، وزجال، وفارس ماهر، يتقن ركوب تقنية الريشة والألوان، وركوب صهوات الخيول المطهمة، ليرسم للمتلقي المشاهد المثيرة والراقية، التي تزهر بفيض من الإرث الأدبي والإبداعي العربي الأصيل، فتفيض عذوبة، وعلامات مشعة بكل الشموخ الرقيق، والعنفوان الساحر الذي تنتصب فيه صور الشعراء العرب والأمجاد، فيكون الشاعر الفنان، سليل الحس الأدبي والشعر العربي الأصيل، حين يرسم زهو الشاعر المتنبي، حيث انشد الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
إن الفنان’ الزايغ’ من هذا المنطلق، شاعر وفنان أصيل، خبر أصول الرماية الفنية، والتصويب بالريشة ذات الألوان القزحية، باتجاه طوق الحمام، واتجاهات مختلفة، بحثا عن حجل بري، وريش المتعة البصرية التي أوجدها في أعماله الجامحة التي تشبه موج البحر في سموها حينا، وعنفوان خيول خرافية تعدو باتجاه المستحيل حينا آخر.
من هذا الأساس يمكن التأكيد على أن تجربة الفنان والشاعر احرضان، التي أزهرت في رواق مسرح محمد الخامس بكثير من السحر الفني الجميل، التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون سهلة المنال والمراس، كصهوة جواد وحصان أصيلين، إلا على من يدرك أن ركوب الموج والبحر بحس شاعري ورمزي جميلين، هو ما يمتع به الفنان التشكيلي احرضان.
قصائد شعرية بلون التسامحإن الممارسة التشكيلية من خلال أعمال احرضان سحر على سحر، وريشة خفيفة تحركها نسائم الأحلام والأحاسيس حيث شاءت، لتأتي اللوحة مطيعة غير ‘زائغة’، معبرة، لكنها أكثر سحرا لما تكتنزه من رموز وعلامات سيميائية، تطرح الأسئلة أكثر مما تجيب عن الأسئلة، ليكون الفن التشكيلي لدى احرضان، لغة إبداعية تعبر أكثر مما تقول الحقيقة، إنها القصيدة الشعرية التي أبدعها الفنان الساحر في جنح الظلام، في إشارة في قصيدته’ لي تاينيبر’، وعدد من قصائده الموحية، وهو الأمر الذي يعكس قوة هذا الفنان وشجاعته على التعبير، وجرأته في طرح المواضيع.
إن الفنان احرضان مهما سمى لوحاته، وأعطاها عناوين مثيرة وجميلة وساحرة، إلا انه يمارس فن التمويه مع المتلقي، وقارئي كف لوحاته التي لا يمكن فهمها مطلقا، وفي ذلك تحرير لرقبة المتلقي من ربقة الحقيقة الواحدة، مما يعطي لأعمال احرضان أفاقا متسعة، تتنفس حلما، حينا، وحينا آخر تتنفس فجرا جديدا يطلع من جهة القلب والأحاسيس والمكنونات.
إن المتلقي، وهو يطوف بحدائق أعمال الفنان احرضان، ليكاد يسمع خفة الملائكة بريش الصفاء، حيث يتحول البياض إلى طهر الهي، يعبر عن رؤية صوفية لقدسية الحياة والأشياء والموجودات، وهو ما يجعل من الفنان احرضان ناسكا متعبدا في محراب الفنون التشكيلية، التي رسمها بريشته الخاصة، انه فنان شريف وبارع، وولي بارع، يمسك جيدا بجلابيب العفة والوقار الإبداعي الجميل، أن الفن التشكيلي الذي يتنسك في فضاءاته القدسية الشريفة رؤية ربانية يفيض سكينة وراحة بال، وقوة في النفس والعزيمة، وبحثا عن الخلاص من اجل نيل الرضى الأبدي الذي ينشده الإنسان في الحياة.
احرضان يتنسم رحيق أزهار البحتريإذا كانت بعض أعمال الفنان احرضان، في جانب من المعرض تكاد تسمع المتلقي رفة ريش النعام والحمام، فإنها في أمكنة سحيقة أخرى، تسمع المتلقي صوت العصافير، وطنين النحل، كما تهبه أريج أزهار بحرية ليست ككل الإزهار، إنها بكل اختصار ربيع يتدفق عذوبة ورقة وسحرا لا يقاوم، إنها الربيع الطلق الذي يأتي المتلقي مختالا من الحسن حتى كاد أن يتكلم، مما يوحي بالمسحة الشاعرية والشعرية التي يتنسم رحيقها احرضان من رياض البحتري التي زينت جيد أعماله بالحسن والأقحوان، وشقائق النعمان، ورشاقة الربيع بما له من عنفوان ورشاقة وأحلام.
هكذا يمكن تلمس المسحة الشعرية في أعمال احرضان، مسحة تنهل من قواميس شعرية رحبة، فتمنح لوحاته ذلك الاندماج والانسجام، بين فنين وإبداعين راقيين، الفنون التشكيلية من جهة، والقصيدة الشعرية الموحية من جهة أخرى، لتكون اللوحة التشكيلية، مهما كانت تفيض ببلاغة الغموض والإبهام، منفرجة على تعدد القراءات والتأويلات والعلامات الرائعة.
في كثير من الأحيان يكاد المتلقي ينفجر أمام لوحات احرضان بالسؤال: لماذا لا تبوحين بما يفهم؟
، إلا أنها تجيبه: لماذا لا تفهم ما يقال ويرسم على اللوحة؟…. ، انه حوار الأقوياء، بين فنان خبر لغة الغموض والسهل الممتنع، ومتلق يبحث عن استكشاف عالم احرضان، كسياسي بارع، وفنان، وإنسان، بسهولة، لتبقى الممارسة التشكيلية عنده، نوعا من الحوار الثنائي والتواصل بين الفن التشكيلي والجمهور، بحثا عن تطور وازدهار وحياة الفن التشكيلي بشكل عام، لأن اللوحة حسب العديد من النقاد إذا فهمت انتهى تاريخها، في حين أن اللوحة التجريدية، ذات الأبعاد التشخيصية الرمزية تبقى حية إلى الأبد، وحياتها مرتبطة بتأويلات المتلقي وقراءاته العاشقة المتعددة.
أسطورة لونية بهمس الاحلامهكذا يقدم احرضان في معرضه الجديد فسحة أمل جديد للمتلقي، وفرصة مواتية لاستكشاف عوالم فنان يعد احد رواد الفن التشكيلي المعاصر منذ نشأته، حيث قاربت تجربته التشكيلية الستين سنة من العطاء والإبداع، كما تقدم لوحاته الجديدة فيضا من الرومانسية، والأحاسيس الجياشة، والصور الخصبة التي تدخل الجمهور في عوالم غيبية من خلالها يدرك أن الفن التشكيلي ‘الاحرضاني’ نوع من الأسطورة اللونية التي يمتزج فيها الواقع بالخيال، إنها أشبه بأسطورة وسحر ألف ليلة وليلة، إنها رقصة شعرية تفوح بالهادئ البنفسجي الشفيف، وحكايات بهية تروى بالألوان، حينما يحلو النوم للصغار، وقصص امازيغية، تكشف القناع عن خصوبة الموروث الثقافي والفني والشعبي المغربي، المتجرد في تخوم جبال الأطلس، فضاءات ساحرة، تتحول مع مطلع كل فصول إلى حكاية جديدة ترويها الطبيعة للإنسان، ويسرد قصصها المشوقة الإنسان للطبيعة في عناق ابدي وسرمدي جميل.
إن إعمال احرضان في هذا الجانب لعبة الأبيض بالاسود، كائنات أسطورية لها إيقونات الصفاء ولون قوس قزح، حركات ريشة مزركشة، والوان بنفسجية تسكن فسيفساء السحر والبهاء، إنها أحصنة خرافية تصهل، تعدو باتجاه المستحيل، قمر وضاء يحكي قصة حب أبدية للشمس في سخاء، ألوان حصاد في أول الصيف، انه العناق الجميل، الواحد في الآخر، إنها المسيرة بلغة احرضان التي تعني الشيء الكثير، تعني حب الوطن، وحب الأرض، وحب ما يجب أن يحب أكثر من الحب نفسه، ان أعماله جبل شامخ هناك لا تهده لا الرياح ولا العواصف، كائن خرافي يحكي للعابرين الى ضفة الحلم، حكايا ليست كالحكايات، حكايا عشق لا يفهمها إلا العاشقون والحالمون، الحالمون بسقوط مطر في ليلة عاصفة، والعاشقون لأصوات جبلية ساحرة تنعش الروح، والقلب والخواطر.
سحر ألوان تتدفق بالحبإن أعمال احرضان في هذا المعرض، بحار من الألوان، طيور مغردة، عيون الغزلان في كف الملائكة، ومقل العرائس في مرايا القمر وألق الشمس حين تطلع من شرق الأحلام، إنها سحر الغروب في عيون العشاق حينما يتأهبون للسفر البعيد، لمسة حنان، ورقة أطياف، وسحر وديان تتدفق بالحب، إنها جذور وينابيع، تراث عفيف، زهور برية بفوح الجنة، أشكال هندسية، وألوان مثيرة للخيال والأعصاب.
هكذا تتحول الممارسة التشكيلية عند احرضان من خلال هذا المعرض إلى فن الممكن والمحال، وفلسفة فنية تبحث عن الحقيقة، حيث كلما أدرك المتلقي انه وصل إلى ضفاف الحقيقة، أدرك ثانية أنها ليست الحقيقة، إنها فلسفة الفن ‘الاحرضاني’، لعبة ألوان وظل وخيال، وأشكال، تسقط كل قارئ في فخ الحيرة، والعجب، والسحر الفني الجميل ثم الانتشاء، والانشراح.
ثمة إذن يمكن القول ان الفنان التشكيلي احرضان، يعد من ابرز فناني التشكيل المعاصر في المغرب، لما تحويه تجربته الفنية على قوة الأداء، وسحر في التعبير، فضلا عن لغته الفنية الشاعرية، ورؤيته الإبداعية التي تجعل من الفن التشكيلي نوعا من الكتابة بالألوان، فيها يمتزج الرسم بالقصيدة الشعرية، والحكاية بالقصة، وتتعانق مختلف الفنون الجميلة التي تخلق للمتلقي في نهاية المطاف المتعة البصرية التي قلما وجدها في تجارب فنية أخرى. نشوة الفن التشكيلي الجميلفي هذا السياق يمكن التأكيد أن مسيرة احرضان الفنية تعود إلى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وذلك من خلال إقامته لمعارض فردية وجماعية، كان قد بدأها بمعرض عام 1957 بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم معرض بالعاصمة بباريس في 1962و 1963 ومونتريال بكندا عام 1964وكوبنهاغن وجنيف عام 1969 إلى غير ذلك من المعارض داخل المغرب وخارجه، مما يؤكد احترافية الفنان للتشكيل منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي، وهو ما أعطى لأعماله ذلك البعد الإنساني والقومي والتراثي والحضاري، الذي يمجد في العمق قيم المحبة والسلام والتسامح والتعايش.
انه الفنان المبدع الذي ولد بمنطقة’أولماس’ بجبال الأطلس المتوسط حياته مليئة وحافلة بالكثير من النضال السياسي والعسكري، أدرك كيف أن السياسة فن رفيع، والفن سياسة يمارسها مع عالم الألوان، وعنفوان الريشة، حتى تأتيه اللوحة التشكيلية طائعة، وأكثر لطفا ورقة وهدوءا وسكينة وجمالا.
لوحات الفنان ألوان دافئة، وأشكال غريبة لها نوافذ مشرعة على تعدد الدلالات والرموز، إنها خطابات وإشارات سيميائية، لها أحرف تمتطي سكون الليل، وبوح الصباحات، وهدوء الظهيرة ذات ربيع اسر، هي ذي أعماله، تفكر مبتهجة في الغوص في ذاكرة الوجود، بلغة الفلسفة، إبداع تجريدي لا حدود له، يقيم أعشاشا من الأحاسيس والخيال المجنح، حتي يتملك المتلقي شعور غريب كلما اقترب من فتح صناديقها وأبوابها، ومهما فتحت تبقى خزائن الفن الرفيع الذي يوجده أحرضان نسج رابطة تشج القلب بالذاكرة الجمالية، فيحس المرء بالانجذاب.
تلك اللوحات الموحية الشبيهة بقصائد شعر، تحكي وتقص أروع رنة موسيقية، ورنينا دفينا تنظمه حروف الريشة، وتعيد تألقه بفوح الجمال، ونشوة الفن التشكيلي الذي يهب الروح اكتشافا آخر للذات والروح المبدعة والوجود.
تجربة أحرضان التجريدية في هذا الإطار موسومة بالعراقة والتقاليد والاهتمام بل تكريم الثقافة والتراث الأمازيغي، ويتجلى ذلك من خلال تشكيل يبحث في الهوية ويغوص في أعماق التاريخ وأصول الثقافة الشعبية المغربية والعربية عبر فيض من العلامات، والأشكال وعناوين اللوحات، بحثا عن لؤلؤ ومحار الفنون التشكيلية الرائعة.
الفنان احرضان في هذا السياق مبدع جوال يرسم ليحيا، ويحس بما لا يحس به الآخرون، انه الشاعر الحساس، الذي يطلب من الله ان يديم ويبارك في عمره من اجل أن يرسم، لوحات تفيض عذوبة وتصوفا، وسحرا، و ومن أجل أن يوصل ما يحسه إلى الجمهور، انه فنان حالم بطيف البحر وقوة الجبال ورومانسية جبال الأطلس وخرافتها وأسطورتها، وزهو الشموس، وشاعرية القمر الذي يحيا في السماء، إنه يرسم من أجل تطهير الذات، والروح، والبحث تارة عن إشراقة الأطلسي الأسطورية، وأخرى عن فن بألوان زاهية، متمردة، تجعل ريشته مطية مطيعة مهما كانت عصية كأحصنة جامحة.