العلاقات السورية الأمريكية: ما هي الاوراق الباقية بيد دمشق؟
محي الدين قصارالعلاقات السورية الأمريكية: ما هي الاوراق الباقية بيد دمشق؟ يسارع جميع المعنيين من السلطة في سورية بالتنفس الصعداء معتقدين أن الأزمة التي تعصف بالنظام قد مرت. ويعكف البعض علي سرد أحداث الواقع الجديد خلال الأشهر الماضيات علي أنها انعكاسات خارجية لـ صفقة سرية بين النظام واللادارة الأمريكية. ولكننا بامكاننا أن نقدم تحليلا أكثر دقة وأقدر علي المساعدة لاستشفاف واقع العلاقات بين النظامين من وجهة نظر تحليلية علمية. وسنقوم بتقديم تطبيقا لنظرية معروفة في علم الاقتصاد تحت اسم نظرية الاتفاقات غير الملزمة أو غير التعاقدية وهي معروفة تحت الاسم الانكليزي Game Theory هذه النظرية لها تطبيقاتها الكثيرة في كثير من المجالات. وينتج عن هذا التطبيق ما أسميه بـ التعاون الصِدامي (أو الاشتباكي) حيث يستمر طرفي النزاع بالاشتباك الظاهري في نفس الوقت يقوم الطرف الضعيف بالتعاون وبتنفيذ مراد الطرف القوي من حيث يدري أو لا يدري. وبذا تتلخص نتيجة تطبيقها علي العلاقات السورية ـ الأمريكية بنتيجة واحدة: بأن النظام في سورية يتعاون مع الولايات المتحدة في كل الأمور التي تتطبلها الأخيرة منه سواء أرادت الحكومة السورية أم لم ترد. وطالما بقيت أولوية بقاء النظام الديكتاتوري المبني علي البطش وتغييب دور المواطن فان النظام السوري سينفذ طلبات الادارة الأمريكية رضيت أم لا ترض. وأن هذا التعاون الاشتباكي سيؤدي باستتمرار لاضعاف الطرف الضعيف والتزامه للرضوخ لطلبات الطرف القوي بصورة تصاعدية. وأسوأ ما في هذه العلاقة معرفة الطرف القوي (امريكا) بغياب قوة داخلية (لشعب) تجعل تكاليف تعاون الضعيف (النظام) معها أقل من تكالبف عصيانه لها.ولكي ندرك مستقبل العلاقات السورية الأمريكية والدور السوري لا بد من الاجابة علي سؤالين: الأول حول ما تريده أمريكا من السلطة السورية، والثاني: حول ما يمكنه أن تقدمه سورية للمشروع الأمريكي. عندها يصبح بالامكان التمكن من استنتاج رؤي لحراك العلاقات السورية الأمريكية خلال فترة تمتد من ستة أشهر الي تمانية عشر شهرا قادمة. فما الذي تريده الولايات المتحدة من السلطات السورية؟ خلافا للاسطوانة المشروخة التي عكف المسؤولون السورين ترديدها بأن ادارة الرئيس بوش لا تعرف ما تريد من سورية؛ فان ما تطلبه هذه الادارة من السلطة السورية واضح وصريح وقد عبرت عنه الادارة الأمريكية في أكثر من مناسبة وعلي لسان أكثر من جهة. ونحن لا نناقش شرعية هذه المطالب الأمريكية ولا تعارضها مع مصالح شعوب المنطقة، ولكننا نعرضها كما هي بأقل التفاصيل الممكنة. وهذه المطالب الأمريكية تتلخص بأربع نقاط: 1. أنهاء الوضع القلق في لبنان عن طريق الاعتراف بعلاقات متكافئة مع الحكومة اللبنانية مما يرافق هذا من كف يد التدخل في الشأن اللبناني وتبادل سفارات بين البلدين، وهذا يقضي لاحقا حلا يقر بلبنانية مزارع شبعا وفصل المسار اللبناني عن المسار السوري فيما يقتضي المباحثات مع الكيان اليهودي. 2. نزع السلاح من حزب الله وتحويله لمنظة سياسية تقر بالشرعية اللبنانية وتعمل من خلال اللعبة السياسية اللبنانية القائمة. 3. الضغط علي حماس وقيادتها ودفعها لقبول بحكومة وحدة فلسطينية علي الطريقة الملائمة لاسرائبل. والاعتراف بوجود اسرائيل. 4. المساهمة في استقرار الأمن الأمريكي في العراق واستقرار حكومته. وتسليم اللاجئين الي سورية من العراقيين وأموالهم لسلطات الاحتلال. وقد يختلف المتناقشون حول بعض حيثيات هذه البنود الأربعة، ولكن جوهر المطالب الأمريكية من سورية لا يختلف كتيرا عن جوهر هذه البنود كما قدمناها هنا. و لم يكن من باعث لكل الضغوطات الأمريكية ومطالباتها بحقوق الانسان والحريات وما الي هنالك من أدوات الضغط الأمريكية الا اخضاع سورية لهذه الشروط. وطفولية الادراك السياسي السوري ومحاولاته خلط الأوراق الفلسطينية والعراقية واللبنانية ولا سيما في ضوء الذعر الذي سببه التحقيق في جريمة رئيس الوزارة اللبناني اصابه بعجز مؤقت أخره عن رؤية محدودية هذه المطالب علي السلطة ـ لا علي الأمة ـ ، وقد مضي وقتا لا بأس به قبل أن تدرك السلطة في سورية هذا رغم تكرار التأكيدات الأمريكية علي لسان وزيرة خارجيتها من أن الغرض هو تغيير سلوك النظام السوري لا تغيير النظام. وقد يعتقد البعض أن السلطة السورية عند أدعاءاتها بأنها الدولة العربية الوحيدة الصامدة بوجه الهجمة الأمريكية ولكن حقيقة الواقع فان السلطة السورية غارقة بكل ماتملك بتتنفيذ المخطط الأمريكي في كثير من النقاط. بينما تجد نفسها تسبح بالتيار الأمريكي الجارف في القضايا الأخري رغما عنها بعد أن سلبها غياب شرعيتها الداخلية وسلسلة أخطائها السياسية المتلاحقة كل وسائل الصمود. ما الذي يمكن للقيادة السورية أن تفعل من اجل المشروع الأمريكي في المنطقة؟تدعي سورية بأنها تملك ورقة الصمود العربي في لبنان تحديدا. فاذا عدنا لمرحلة العدوان الاسرائيلي الأخير علي لبنان نري انعكاس رؤية النظام السوري لما يملكة من أوراق ومبادرات. فقد كان يحز في قلب كل سوري وهو يشاهد سفراء سورية علي القنوات الاخبارية الأمريكية يتسولون الوصال الأمريكي مقابل الدور الممكن الذي قد تلعبه حكوماتهم في كبح جماح المقاومة اللبنانية خلال الحرب الاسرائيلية علي لبنان هذا الصيف. وقد كان لسان حال السلطات السورية وممثليها يقول، بصيغة أو أخري، بأنهم قادرون علي تحجيم المقاومة ولكن علي الادارة الاأمريكية أن تعترف بدورهم وتتواصل معهم. وقد بلغ التبذل بالطرح والتكرار واللجج درجة مل منها الصحافيون أنفسهم وتضائلت معه دعواتهم لهؤلاء السفراء للحديث علي برامجهم. وقبيل نشر تقرير بيكر ما أن سرب البعض أخبارا عن احتمال الحاجة الأمريكية للسلطات السورية في العراق حتي يطير وزير خارجيتها ليعانق اعضاء الحكومة العراقية وكأن الدنيا بألف خير. فالسلطة السورية لا هم لها الا خلق اعتراف دولي بوجودها بعد أن فقدت كل مبررات الوجود الداخلي والخارجي. وكل الامكانات المتاحة لسورية اليوم تخضع لهذا الوهدف الوحيد دون أي اهتمام عن نتائج ما تعرضه السلطة السورية من خدمات علي الأمريكان. فمن حق المواطن السوري أن يتسائل: لو أن ادارة الأمريكية استجابات لطلبات السفير السوري خلال حرب هذا الصيف مالذي كان بامكان السلطات السورية أن تفعل وما كان بامكان السلطة السورية أن تقدمه؟ مما لا شك فيه أن الأمريكيين لن يطالبوا سورية بالتدخل لايقاف الهجوم الاسرائيلي بل كان الثمن الذي ستدفعه سورية مقابل الوصال الأمريكي هو رأس المقاومة لبنانية وسحب سلاحها ولو تحول لبنان الي ساحة حرب أهلية من جديد. لقد كانت القيادة السورية تلعب بآخر ورقة تملكها وهي نزع سلاح حرب الله. فهل حقا تملك سورية الورقة اللبنانية؟ فعلي الصعيد اللبناني يبدو أن السلطة السورية عاشت بوهم الماضي ولفترة طويلة. وقد لخص هذا الوهم بعبارة واحدة رئيس ديبلوماستها السابق ومصمم سياستها الخارجية لما يزيد عن ثلاثين عاما السيد عبد الحلبم خدام بقوله: يعتقد الرئيس [بشار] بأنه يستطيع أن يساوم أمريكا علي لبنان مقابل العراق. طبعا هذا الادراك له سابقة تاريخية حين ساهم حافظ الأسد بالهجوم علي العراق بقوات فعلية عام 1991 مقابل تمكين الجيش السوري من دخول بيروت الشرقية وسحب أمريكا الغطاء عن ميشيل عون وأتباعه. وقد وعدت الولايات المتحدة وقتها برعاية مؤتمر سلام دولي بين سورية والكيان العبري، عقد لاحقا في مدريد ولم تحقق سورية منه أي نتيجة سوي تكريس احتلال الجولان السليب. ويبدوا أن القيادة السورية كانت تطمع أن تعيد المسرحية مرة ثانية بعد أن عملت أجهزة اعلامها تحضير الجماهير ولسنوات طويلة لفكرة بأن سلاما لا يستعيد الجولان كاملا هو سلام الشجعان لأنه سيجنب سورية مصير الفوضي العراقية بل أن حالة الخوف التي كررتها ولعبت علي وترها السلطة السورية جعلت بعض قطاعات من المجتمع السوري ولا سيما المستفيدة من الحكم القائم مستعدة للتخلي عن الجولان بالكامل مقابل الاقرار بشرعية وجود العائلة الأسدية في الحكم. ولكن من الواضح أن العلاقة الأمريكية الاسرائيلية القائمة تلعب بالكامل لصالح الكيان الصهيوني. فقد تمكنت القيادة السورية بفضل سلسلة طريلة من الأخطاء القاتلة في لبنان من انهاء دورها اللبناني ولم يبق لها سوي دورا ثانويا لا يمكنها أن تلعبه الا من خلال فريقا آخر مثل حزب الله. وبذلك حقق العدو هدفا ديبلوماسيا باخراجها من لبنان نهائيا. أما حزب الله فقد تم خلال هذا الصيف تحييد أثره علي الجبهة حيث وضع الجيش اللباني والقوات المتعددة الجنسيات كمنطقة عازلة بينه وبين أسرائيل. فباتت قدرة سورية علي لعب الورقة اللبنانية ضد اسرائيل من خلاله محدودة جدا. وقد تعزز دور حزب الله بالنصر البطولي الذي حققه هذا الصيف، ولكن التغيرات الميدانية جعلت تعبيرات القوة السياسة والمعنوية التي حققها الحزب تعبر عن نفسها في بيروت عوضا عن الجنوب وضد الفرقاء اللبنانيين عوضا عن العدو الصهيوني. وسورية اليوم وحلفائها اللبنانيون يواجهون هذه الأيام حدود الممكن الذي يملكون فعله علي الساحة اللبنانية. والادارة الأمريكية أكثر ادراكا لهذه الحدود. ولذا رأينا التعنت الأمريكي ورفضها تجديد الاتفاق الذي أبرمه الأسد الأب مع بوش الأب في أيلول (سبتمبر) 1990 أو أي اتفاق مصغر عنه. فالادارة الأمريكية تمكنت من دفع الدور السوري في لبنان الي أدني حدوده، وأتي انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة في الجنوب لتضع المسمار الأخير في نعش التحام المسار السوري مع المسار اللبناني. وسيتحول المسار اللبناني قريبا ليناقش قضايا قابلة للحل التوافقي مثل اللاجئين الفلسطيين في لبنان والمياه وغيرهما. اليوم تتكرر القصة مع العراق. فمالذي تملك السلطات السورية أن تقدم للعراق. فالسياسة السورية منذ العدوان الاول علي العراق قامت بقطع كل قنوات التواصل مع الشعب العراقي ومع المقاومة العراقية. فالادارة الأمريكية تدرك أن سورية لا تملك أي ورقة في العراق. حتي عملية مراقبة الحدود السورية العراقية لا تملك السلطات السورية القدرة علي ضبطها أكثر مما فعلت حتي اليوم وهي أن فعلت المزيد فلن تتمكن من الوصول الي المستوي التي يتطلبه الدور الأمريكي منها. فالورطة الأمريكية متعددة الجوانب تحكمها معطيات داخلية سياسية وعسكرية من جهة كما أنها محكومة بقدر كبير بالمعطيات الدولية والدور الذي تزمع الولايات المتحدة بتبنيها. والورقة الوحيدة التي تحملها هناك هو من خلال الدور الايراني. وعلاقاته مع الميلشيات الشيعية. وذلك خلافا للوضع اللبناني حيث كانت علاقات الايرانية مع حزب الله تمر من البوابة السورية. وكان الأسد الأب مارس قدراته علي فرض الفيتو السورية علي حزب الله في كثير من المواقع وكثير من المناسبات ومن بينها ما يتعلق بعض المخطوفين ونوعية السلاح الي آخر الأمثلة المعروفة بشكل جيد لدي قيادات حزب الله. وفي علاقة السلطات السورية مع القيادات الكردية فالادارة الأمريكية تدرك جيدا أن الأكراد العراقيين يتحسن وضعهم يوما بيوم وأنهم ماكانوا ولم يكونوا في يوم قريبا مصدرا للازعاج. وان كانت القيادات العراقية الكردية تظهر الامتنان للسلطات السورية علي ايوائها لهم خلال عهد صدام، ولكن هذه القيادات لها اهتماماتها الممتدة للأكراد السوريين والتي تعرف بأنها ستجد نفسها عاجلا أو آجلا في مواجهة مع الطبيعة الطبيعة الديكتاتورية للنظام السوري. لم يبق لسورية اذا دورا الا قمع المقاومة السنية في العراق. فقد أحرقت السلطات السورية كثيرا من الجسور معها منذ اليوم الأول. فاعادة تسليم عائلات صدام حسين والمودعين في سجون سورية من بعثي العراق أو المسلمين لسلطات الاحتلال من المقاومة العراقية مازالت شواهد حية علي خراب الجسور السورية مع المقاومة. وقد كانت السلطات السورية قد غضت الطرف عن بعض الجماعات في سورية التي تجمع المساعدات للمقاومة العراقية آملة أن تصبح هذه الجماعات ورقة في يدها عند الحاجة. وان أمكن اعتبار هذه الجماعات ورقة بيد سورية لكنها احرقت الدولة هذه الورقة عندما قررت استعمالها في محاولتها كسر الحصار عنها وايهام أمريكا من خلال الحدث بأن السلطة أيضا تواجه الارهاب العالمي. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تملك الحكومة السورية القدرة علي التأثير علي هذ الجماعات؟ وما هي حدود هذا التأثير؟ بامكاننا التأكيد هنا أن هذه الجماعات لايمكن بأي طريقة من خلال قراءة الأحداث علي الواقع أن تعتبر ورقة بيد النظام في سورية. فمن طرف أول لا تملك هذه الجماعات السورية قدرة كبيرة وتأثير يذكر يمكنها من تغيير دفة قرارات المقاومة العراقية. فقد نسب لهذه الجماعات أو من له علاقة بهم محاولات الهجوم علي مقر الأمم المتحدة الخالي وثم علي مبني الاذاعة والتلفزيون وأخيرا هجومها الفاشل علي سفارة الولايات المتحدة في دمشق. فاذا افترضنا أولا أن هذه العمليات لم تكن الا بايعاز أم ترتيب من النظام السورية نفذت بجراحة مبضعية وتوقيت دقيق يسعي لاعطاء النظام بعض النقاط الايجابية التي تقربه من الادارة الأمريكية في مواجهتها للارهاب الاسلامي. وان صحت هذه النظرية فلا يمكننا ربط هذه الجماعة بجماعات المقاومة السنية في العراق ولا يمكن أن تكون امتدادا لها. فهذ العمليات اكدت اختراق هذه المجموعات من الأمن السورية وفقدت كل رصيدها عند المقاومة العراقية. فالنتيجة فأن السلطات السورية لا تملك ورقة المقاومة العراقية ولا أي من طرق التواصل معها. ومن جهة أخري لنفترض صحة هذه نسبة هذه العمليات لهذه الجماعات فانها تعكس من جهة قدرة تنظيمية داخل سورية علي القيام بالعمل العسكري المباشر، ومن جهة أهم أنها في وضع سياسي كان يحد من لائحة الأهداف الممكنة سياسيا لها. فهذه العمليات كانت أقرب للعمليات الاعلامية بطبيعة الأهداف المختارة منها للعمليات الفعلية العسكرية. وعلي النظام في سورية أن يدرك أن قائمة الأهداف الممكنة لمثل هذه العمليات ستتضاعف آلاف المرات لو أن السلطات السورية دخلت في مواجهة معها.كما تقضيها الاستجابة للطلبات الأمريكية. وان كان النظام السوري قد تمرس هذه اللعبة بمهارة خلالا الحرب الأهلية اللبنانية لما يزيد عن تسع عشرة سنة، ولكن الوضع العراقي والسوري يختلفان بشكل كامل. فوجود الجيش السوري في لبنان أوجد قواعد لعبة وامكانت لا تملكها سورية في العراق؛ فمجالات المناورة هنا محدودة جدا بالنسبة للسلطات السورية. ومن ناحية أخري، فان اي تدخل سوري مباشر سيكون مختلفا تماما عن التدخل السوري في لبنان. فالتدخل السوري في لبنان دخل بموافقة أمريكية للأسد الأب وغطاء عربي وبطلب من حكومة شرعية . أما التدخل السوري الممكن فهو تدخل مرفوض دوليا وعربيا ولكن الأهم من هذا فانه لا يمكن ان ينظر له الا من باب الدخول السوري كطرف الي جانب الميليشيات الشيعية العراقية في حربها الاهلية مع القوات السنية. ولو أخذنا بعين الاعتبار رؤي الادارة الأمريكية ـ ديمقراطيين او جمهوريين ـ للعداء الايراني؛ فان الادارة تدرك تماما بأن المواجهة القادمة مواجهة أمريكية ـ شيعية في العراق أكثر منها مواجهة مع المقاومة السنية. وأن أي دور تلعبه سورية لا بد أن يضع سورية في مواجهة مع القوي الشيعية، وهذه مطلب أمريكي تدرك أن سورية عاجزة عن تقديمه. هل السلطة سورية بحجم المواجهة مع المقاومة العراقية وامتداداتها العالمية؟ ومن جهة أخري يمكننا أن نتسائل فيما اذا كانت السلطة السورية تدرك عواقب المواجهة مع هذه الجماعات وأطرافها المنثورة بين طرابلس وبغداد مرورا بدمشق وحلب والقامشلي، فطوال سني الاحتلال سكتت هذه الجماعات علي مضض عن التعاون بين المخابرات السورية والأمريكية ولا سيما في مجال ملاحقة القاعدة وفتح مركز مخابرات فرع فلسطين ووضعه تحت تصرف المخابرات الأمريكية كسجنا سريا ومركزا للتحقيق معهم وتعذيبهم. كما أن هذه الجماعات لم تنس بعد دور القيادة السورية التي مدت العون المعلوماتي للقوات الأمريكية مما ساهم في سقوط أبو مصعب الزرقاوي شهيد القاعدة وغيره من شهداء القاعدة. وان كانت هذه الجماعات قد تناست كل هذا لأمور تكتيكية تتعلق بالمرحلة ولكنها لا تنس أن نظام الأسد لا يقل كفرا عن غيره. والنظام السوري عليه ان يدرك ابعاد مثل هذه المواجهة. فالاشتباك الممكن مع القاعدة سيجعل معركته مع الجناح العسكري لـ الاخوان المسلمين في مطلع الثمانينات يبدوا كنزهة صيفية. كما أن السلطة السورية سبق أن ذاقت وبال مواجهة مصغرة جدا من هذا النوع في طرابلس لبنان حين حاولت تطهير المدينة من بقايا القوات العرفاتية ومن والاهم من سنة لبنان رغم مساعدة الأوضاع العربية والدولية آنذاك علي تحقيق نصر ولكن بأي ثمن؟ ونقول مصغرة فالوضع العسكري والمادي للسنة العراقية لا يوازي الوضع السني في شمال لبنان ذلك الوقت. كما أن الوضع العربي اليوم ينظر لكل ما قد يؤدي الي مثل هذه المواجهة من منظار المواجهة السعودية (الأمريكية) ـ الايرانية التي يطلق عليها تبذلا المواجهة الشيعية – السنية. اذا فكيف نري الفترة القادمة للعلاقات السورية الأمريكية؟ من الواضح أن الادارة الأمريكية لا يمكنها أن تطالب النظام السوري بأكثر مما يقوم بفعله اليوم. وهذه الادارة غير مستعدة لدفع أي ثمن يطلبه الأسد منها لما سيقدمه لها مجانا في نهاية المطاف مكرها أم غير مكره. وقد كرر المسؤولون الأمريكيون هذا في أكثر من مناسبة عندما رددوا عبارة سورية تعرف ما المطلوب منها أما تعنت الأسد مع الطلبات الأمريكية فليس لأنه لا يريد الخضوع بل لأنه يسعي للحصول علي ثمنا لخضوعه. فقد وصل الطرفان الي مرحلة التعاون الصِدامي فسورية تسعي عبثا أن تؤكد امتلاكها لورقة ما في الساحة اللبنانية والادارة الأمريكية قلمت أظافر التدخل السوري في لبنان وحددت مجاله بما يضمن انشغال الأطراف الأطراف المعنية ريثما يستقر لها الوضع في الشرق دون أن تدفع بالوضع اللبناني بكامله الي حضن الراعي الفرنسي. وقد حجمت الجبهة السورية ـ الاسرائيلية ولم تعد هناك حاجة للسلام السوري ـ الاسرائيلي فباتت قدرة سورية علي المطالبة بالجولان اقرب للاستجداء منها للضغط. وهذا يناسب الجانب العبري من المعادلة واتباعه في السياسة الأمريكية. في حين تتفلت أطراف الورقة الفلسطينية من يدها فها هي وقد أصبحت حكومة وحدة وطنية فلسطينية بشروط اكثر مناسبة لاسرائيل مطلبا فلسطينيا بل حماسيا أيضا. وقريبا جدا لن يجد الأستاذ مشعل داع للاستمرار عمله من دمشق وسيتغلب دواع الاستقلال الداخلي الفلسطيني عن مرجعية الأثر السوري في قراره. فالجبهة الوحيدة الباقية هي الجبهة العراقية، فكما أن السلطة السورية وصلت بقدرتها علي تقديم العون للقوات الاحتلال الي أقصي امكاناتها، تدرك أن الوفاق الصدامي سينتهي قريبا باشتباك قريب مع القوات الأمريكية، لذلك نراها قد ألقت القناع جانبا علي الساحة العراقية، فبدأت بمعونة حلفائها من الشيعة المقربين لايران أو من خلال عملائها المباشرين بمطاردة السوريين المهاجرين منذ عقود الي العراق علي أنهم معارضين سوريين. وبذلك تحقق مكسبين؛ الأول هو استئصال أي امتداد للمعارضة السورية في العراق قد يستخدم في المستقبل في عملية تغيير الحكم في سورية أو يدعم لعملية تغيير ما. أما المكسب الثاني فهي تصفية حسابات قديمة تقصد اشاعة الخوف في قلوب المعارضة السورية في الداخل والخارج. طبعا هذه الأعمال لا تعني رضا الطرف الأمريكي عنها أو عدم رضاه، فالادارة لا يمكنها أن توقف مثل هذه العمليات لعدة أسباب أهمها كلفة مكافحة هذه العمليات في الوضع الحالي. أما السبب الأخطر هو أن هذه العمليات من الطرف السوري تدفع باتجاه المصلحة الأمريكية في مرحلة ترتيب الأوراق من جديد في العراق، فمع كل عملية يزداد الشرخ بين السلطة السورية والسنة ومقاومتهم في العراق، وهذا الشرخ ضروري جدا لنجاح المواجهة الأمريكية-الشيعية في العراق. كما أن هذا الشرخ يسهم في اضعاف المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وهذا كله يصب في المصلحة الأمريكية. والي أن يتم تغيير كبير في معطيات الموقف العراقي فان السلطة السورية ستبق مصدر معارضة ظاهريا للمشروع الأمريكي في المنطقة. وستسعي جهدها لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب علي المستوي الأمني علي الأقل محاولة لاستباق العاصفة القادمة علها تتمكن من المحافظة علي الحكم. ولكنها كأمر واقع تلعب في اطار مصالح المخططات الأمريكية وهي تدرك أن تعاونها هو تعاونا صداميا وكل مطالبها أن يتحول هذا التعاون الي تعاونا يكسب رضي الادارة الأمريكية عل وعسي أن تمن علي النظام بحلة الشرعية والاعتراف. ہ اقتصادي وأكاديمي سوري يقيم في شيكاغو [email protected] 8