سمير جبور في بعض الاحيان اقع في حيرة من امري واتساءل ماذا اكتب هذه المرة؟ ما هو الجديد الذي يجدر بالقاريء العربي ان يعرفه؟ هل هناك من موضوع او قضية لم تحظ بالاف المقالات التحليلية والمعلوماتية التي ينشرها جيش جرّار من الكتاب والمحللين العرب؟ هل يبدو المشهد العربي بهذه الصورة السلبية لدرجة اننا اصبحنا غير قادرين على العثورعلى ناحية ايجابية جديدة واحدة نكتب عنها؟ فعلى مدى اكثر من ستة عقود وحالة الامّة العربية في صعود وهبوط يغلب عليها تراجع (باستثناء ثورة عبد الناصرالتي لم تكتمل) ومنذ نحواربعة عقود وهي تترنّح تحت ضربات تنهال عليها من قوى استعمارية وصهيونية وعربية رجعيّة.
لقد توصلت الى استنتاج ان اي موضوع سيتم الخوض فيه بالنسبة للقضايا العربية الرئيسية لا بد الا ان يكون مكررا، اذا لم يكن مبتذلا الى حد ما. حالة العرب لا تدعو الى السرور وكلما لاحت بارقة امل في التغيير والاصلاح، تتبعها مفاجات غير سارة. ساحتنا العربية والفلسطينية تتقاذفها امواج واهواء وانواء. ماذا نكتب عن القضية الفلسطينية؟ ما هي البشرى التي يمكن ان تزفّ الى القراء الكرام عن تطور هذه القضية لتبعث الفرحة والسعادة في قلوبهم.
؟ سنكرر ما كتب قبل عشرات السنين ان الشعب الفلسطيني لا يزال مشرّدا. الانقسام في الساحة الفلسطينية لا يزال قائما. الدول العربية بصورة عامة وضعت هذه القضية على الرف منذ نشوئها. وبعضها باعها ويتاجر فيها ويقيم علاقات مع الدولة الصهيونية المغتصبة للارض الفلسطينية، ساعيا الى تطبيع العلاقت معها على حساب الدم الفلسطيني. ما الجديد في موقف الامم المتحدة من هذه القضية؟. ما زلنا نطالب بتطبيق قرارات الامم المتحدة الخاصة بفلسطين. ولا من سميع ولا من مجيب!. في 13 /11 /1974 القى المرحوم ياسرعرفات خطابه الشهير امام الدورة الـ 29 للامم المتحدة. وقد اسر ذلك الخطاب قلوب الحاضرين عندما اعلن: ‘كما اتوجه اليكم بان تمكنوا شعبنا من اقامة سلطته الوطنية المستقلة وتاسيس كيانه الوطني على ارضه. لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون مع بندقية ثائر.. فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي’. وبعد 37 سنة، وفي 23/9/ 2011 القى الرئيس محمود عباس خطابا بليغا طالب فيه قبول فلسطين عضوا كاملا في الامم المتحدة بعد ان اسقط من يده ‘بندقية الثائر’ واحتفظ بغصن الزيتون.. ما الجديد منذ خطاب عرفات وخطاب عبّاس؟. لا شيء العالم نسي كلا الخطابين. لا البندقية نفعت ولا غصن الزيتون اينع. وحتى لو ركعنا ساجدين سنبقى نتلقى المزيد من الضرب واللّط، ما زالت الانظمة العربية راكعة خانعة. وما دام هناك خلل في ميزان القوى.
وما الجديد في العلاقات الصهيونية الفلسطينية ومواقف الدولة اليهودية؟ ليس الا مفاوضات عقيمة. اسرائيل تخاطب الفلسطينيين: الجدار امامكم والعسكر وراءكم. اين المفر؟ السلطة الفلسطينية ما زالت تفاوض اسرائيل وكانها تناطح طواحين الهواء؟ وقادة صهيون يواصلون الكذب والخداع. الاحتلال لا يزال قائما والمحتل ماض في ‘تهويد’ او صهينة ما تبقى من فلسطين. مصادرة الاراضي العربية مستمرة وبناء المستعمرات على قدم وساق. تهويد القدس لم يتوقف.
المحتل مستمر في القمع وهو يواصل حملات اعتقال ابناء الشعب الفلسطيني حتى المسؤولين المنتخبين من قبل الشعب. الحواجز لا تزال قائمة ووسائل تعذيب الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال مستمرة: حواجز ومنع تجول ومنع حرية الحركة وقيود يفرضها المحتل اصبحت روتينا يوميا. قطاع غزّة لا يزال محاصرا ولم تنفع كل محاولات فك هذا الحصار. وحالة الفصائل الفلسطينية تدعو الى الرثاء. تتصارع ثم سرعان ما تتخاصم، ولا احد يعرف عمّا يتصالحون وعمّا يتخاصمون.
وعندما نسال: ‘علام الخلف بينكما علام’؟. لا نسمع جوابا شافيا.
ما الجديد على صعيد الثورات العربية؟. الشيء الجديد الوحيد ان هذه الثورات كانت هي الحدث الايجابي الكبير وبعثت الامل في الاصلاح والتغيير. وقبل ان ياتي هذا الجديد ثماره، فوجئنا بكثرة المشاريع المضادة للاماني العربية الوطنية تنقض على هذه الثورات مثل الكلاب المسعورة لتخضعها لاجنداتها الدولية والعربية.
ما الجديد على صعيد الجامعة العربية؟ هل تغيّرت؟ هل اصبحت جامعة شعوب بدلا من جامعة انظمة لا يجمعها سوى الاتفاق على عدم الاتفاق حول دعم القضايا العربية ولا سيما قضية فلسطين؟ ما الذي تغيّر في توجّه هذه الجامعة؟ لا شيء. انظروا كيف اصبح حالها اليوم ‘محمية قطرية’. ماذا نكتب عن العلاقات الاميركية الاسرائيلية الصهيونية؟
وما الجديد في موقف الولايات المتحدة؟ لم يتغّير شيء منذ قيام اسرائيل.
تاييد اعمى للكيان الصهيوني من دون تحفظ. وفي الوقت نفسه لاتقيم هذه الدولة العظمى اي وزن لمواقف العرب. ماذا نجدد اذا قلنا ان احدا لا يستطيع دخول الكونغرس، ولا يمكن لرئيس دخول البيت الابيض الا بموافقة اللوبي الصهيوني؟.
الا يعرف القارئ العربي ان اللوبي الصهيوني واداته اسرائيل هما اللذان يرسمان سياسات الدولة العظمى في الشرق الاوسط وينفذانها بما يتفق ومصالح اسرائيل وهذه هي ممثلة اميركا في الشرق الاوسط؟. وان اكثرية الانظمة العربية القائمة والجديدة لا تزال تستجدي المنافق الغربي الاستعماري؟. قبل ايام استمعت الى الرئيس باراك اوباما في خطابه عن ‘حالة الاتحاد’ وقبل ان يستهل خطابه انباني حدسي بان هذا الرجل لن يجرؤ على الحديث عن دولة فلسطينية في سنة الانتخابات؟ تحدّث عن’ الكرامة الانسانية المهدورة في سورية’، ولم يكلّف نفسه الحديث ولو بكمات معدودة عن كرامة الشعب الفلسطيني المدعوسة وحقوقه المهضومة منذ اكثر من ستة عقود؟
ماذا نكتب عن ايران ولعبة القط والفار بينها وبين الولايات المتحدة؟.
ما الجديد الذي سناتي به اذا قلنا ان اسرائيل لن تجرؤ على ضرب ايران وحدها بل تريد ان تورّط الولايات المتحدة لتحارب عنها كما ورطتها في افغانستان والعراق.
واميركا العظمى تقاوم الضغط الصهيوني حتى الان، لانها تدرك ان لا مصلحة لها في مزيد من الحروب. والحرب ضد ايران لن تكون نزهة.
تبدو الصورة العامة قاتمة وربما ياخذ عليّ البعض انني موغل في التشاؤم.
هذا في المدى المنظور. ولكن في المدى البعيد لا بد للاوضاع ان تاخذ مجراها العقلاني. ولا بد للثوار الذين زحفوا الى الساحات والميادين ان يعودوا لكي يصححوا المسار ويحققوا الاهداف التي انطلقوا يعملون على تحقيقها. ولا بدّ لفلسطين الا ان تستعيد عمقها الاستراتيجي العربي. وحتى ذلك الحين ما العمل؟ هل نلقي اقلامنا جانبا ونستسلم للقدر؟. كلا والف كلا. لن نفقد البوصلة ولن نغادر الساحة. ولن نتوقف عن الكتابة. لماذا؟ لان المستقبل لاصحاب المنطق والحق والعدل، لشعوبنا العربية التي تتوق الى الحرية والديموقراطية الحقيقية والمساواة التامة والوحدة الوطنية والترفع عن الطائفية والعصبية والاقليمية. هذه الشعوب عرفت طريقها الى الخلاص.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا