بسام البدارينمراسل الجزيرة في عمان الزميل ياسر أبو هلاله إلتقط ما هو جوهري في المسألة عندما دفعه فضوله مباشرة بعد شيوع نبأ المجزرة التي وقعت في مدينة بور سعيد إثر المباراة الدموية التي دخلت التاريخ إلى إدارة الريمونت كونترول الى فضائية آل مخلوف السورية.
بصراحة لا أعرف لماذا فعل الزميل ذلك وما ألذي خطر في ذهنه لكن الفكرة بدت فضولية جدا والنتيجة مدهشة حسب رواية أبو هلاله ففي تلك اللحظة كان أحد مذيعي الفضائية يدير برنامجا لا علاقة له بالربيع العربي فبرز خبر بورسعيد وأحب الرجل- نقصد المذيع- أن يفعل ما تفعله جمانه نمور كمذيعة محترفة فقد أعلن الخبر ثم تقدم بسؤال عرمرمي إلى ضيفه على الشاشة: ألا تعتبر هذه المجزرة في بورسعيد دليلا على تأثيرات مؤامرة الربيع العربي وعلى ما يمكن أن يحصل لو حكم الأخوان المسلمون؟.. إذن صاحبنا مرة أخرى يلعب لعبة حاول تسويقها بعض مثقفي بلادي وهي (شيطنة) الأخوان المسلمين وتخوين من يخرجون للشارع، وما تقوله ضمنيا ملاحظة المذيع بسيط ومباشر: إما أن نحكمكم نحن كممثلين شرعيين لمافيات الفساد أو سيلتهمكم الطوفان فلا تراهنوا على الأخوان المسلمين.
بالنسبة لي كمواطن عربي سأنشد الأغنية التراثية الشهيرة (نارك ولا جنة هلي).. لا نريد بعد الآن الجنة التي تعدنا بها أنظمة القمع والإستبداد وأرحب بشيطان الحركة الإسلامية ولوعلى قاعدة بسيطة جدا وهي ان من حقي بأن أجرب فلعل وعسى يمنع ألله عنا بعض الفساد والإستبداد عبر الإسلاميين.. عليه لن أستمع لسموم الفضائيات وأريد أن أحتكم أنا والأخ المسلم وغيره إلى صندوق إقتراع وسأقبل بالنتائج.
إستبداد وإقتراعملاحظة سياسية موازية لموضوعنا على شكل حزّيرة: نظام إستبداد يحمي حدود اسرائيل أصلا ويحكمني عبرعصابة فاسدة تستبد وتسرق الأخضر واليابس أم نظام إسلامي سياسي سيحاول إرضائي على الأقل بأداء ديمقراطي ومعتدل إلى أن أكتشف أنه يخذلني فأطرده عبر الصناديق التي أحضرته… أيهما أفضل؟
وعلى سيرة ما حصل في بور سعيد بمباراة كرة قدم أدهشني جمهور النادي الفيصلي الأردني في المباراة الأخيرة مع منافسه فريق الوحدات فبحمد إلله لم يهجم أحد على أحد في هذه المباراة لكن عبر الجزيرة الرياضية التي تحتكر بث مباريات الدوري المحلي سمعت هتافا مغرقا في الطرافة يتردد عبر آلاف الحناجر ويستعير الهتاف الأهم للربيع العربي فقد هتف جمهور الفريق المنافس: الشعب يريد إسقاط الوحدات… طبعا شهدت المباراة هتافات من إياها المعتادة في مباريات الفريقين والتي تسيء للوحدة الوطنية ومن جمهور الفريقين لكن لم يحصل شغب ولا صدامات وأعين الأمن والدرك كانت مستيقظة تماما وجاهزة للإنقضاض على أي محاولة للخروج عن السكة وتجاوز حدود الهتاف، وما أقوله بإختصار بان هتافا من هذا النوع يعكر المزاج وقد يتطور مستقبلا خصوصا إذا أراد مغامر ما في مؤسسات القرار أن يطوره على الطريقة المصرية. لذلك الحل لا زال بسيطا ويتمثل في أحد خيارين: إستباق الأحداث وإلغاء مباريات كرة القدم أو حرمان الفريقين من الجمهور وتنظيم مبارياتهما بدون أضواء وجمهور وفي ملعب مغلق مكشوف فقط على السماء.
حب الوطن على الطريقة الاردنيةمي ملكاوي شابة أردنية يافعة جدا قررت أن تصنع من نفسها مذيعة تلفزيونية فأبدعت في الواقع عندما قادت برنامجها الشهير على فضائيات الإنترنت واليوتيوب وإسمه (خرابيش) إلى طرح تساؤلات لم يسبق للإعلام الوطني بشقيه المرعوب والمركوب على حد تعبير عبد الرؤوف الروابده أن طرحها وعلى أي نحو.
وشريط خرابيش الأخير يمكن تجرعه على شكل (صدمة) إعلامية ومهنية من الطراز الرفيع فالشابة جمعت لقطات متنوعة من الفضائيات ألأردنية مثل رؤيا وجوسات وغيرهما وإكتفت بأن عرضتها وعلقت عليها بصورة هادفة وغير مسبوقة.
مثلا طلبت الملكاوي من المشاهدين العودة لمشاهدة مقطع فيديو شهير يلتقي فيه الملك عبدلله الثاني وهوعلى متن قارب صغير في جولة بحرية في العقبة بأحد الصيادين الذي يصيح بفرح عندما يصادف الملك ويقفز إلى قاربه ويحدثه عن وقوف العشائر من الملك ويصر على دعوة الملك بصفة شخصية.
المنطق طبعا يفترض أن صيادا يترزق في البحر لا يستطيع دعوة الملك لكن الشابة الملكاوي سجلت مفاجأة من العيار الثقيل عندما قالت للجمهور بأن الصياد – يا محاسن الصدف- كان يحمل كاميرا رقمية حديثة الطراز في رحلته الصباحية بحثا عن السمك في منطقة تعج فيها القوارب ولا يوجد فيها سمك.
صاحبنا في الواقع حسب الملكاوي ليس إلا رجل أعمال مما يعني أنه ترصد القارب الملكي وصور الشريط المفبرك بإعتباره صيادا وما تقوله رسالة برنامج خرابيش: يا جماعة الهاشميون بسطاء ويحبهم الشعب ولا يوجد مبرر لسحب الأفلام وتزييف الوقائع بهذه الطريقة لكن المذيعة الشابة وجهت ملاحظة ذكية عندما سألت: لماذا إفترض الصياد المزيف بأنه سيفرح الملك عندما يخاطبه بلغة عشائرية.
بعد لقطات الصياد عرض خرابيش لقطة مصورة لشخص يقود إعتصاما ضد دعاة الإصلاح ويهدد بتشكيل كتائب عشائرية مسلحة للتصدي لإعتصامات المعارضة.. لاحقا عرضت المذيعة الشابة ما هو أكثر طرافة حيث قارنت بين نمطين من الأغاني والأناشيد فبثت مقطعا من أغنية فيروز (أردن.. لبت السيوف وحد سيفك ما لبى).. وبعدها مقطع من أغاني الوطن التي تبثها فضائيات (اليومين دول) وفيها مطربة شابة ترتدي زيا بدويا وتغني (.. وإللي يلد علينا نخزق عينيه..) والمقصود من ينظر لنا سنفقأ عينيه.. تطلب الأمر أغنية أخرى يقول فيها المطرب (.. إللي يعادي أردنا نخلي عظامه تتطقطق). ختمت الملكاوي قائلة: لماذا نحب بلدنا هذه الأيام بهذه الطريقة؟.. هل من الضروري ان نخزق عيني أحد أونكسر عظاما حتى نظهر حبنا للوطن؟
طبعا ختمت الصبية خرابيشها بلقطتين بثتهما فضائية جو سات لنائبين في البرلمان يطالب أولهما دعاة الإصلاح والتغيير بالمغادرة نحو الجسور وفورا (يقصد العودة لفلسطين) فيما يقترح الثاني منفعلا بأن الشعب الأردني سيبقى مقصرا بحق القيادة حتى لو دفع الأردنيون نصف رواتبهم للنظام الذي قبل بأن يحكمهم…. لا يوجد عندي تعليق أكثرمن الكلمة التي درج الصديق مصطفى الحمارنة على ترديدها (والله الأردن… لزيز). لكن على سيرة طقطقة العظام وتخزيق العيون لفت نظري الزميل مالك العثامنة وهو يضع على صفحته بفيس بوك مطلع الأغنية الجميلة عن عمان للفنانة نجاة الصغيرة والتي تقول فيها: بارك يا مجد منازلها والأحبابا.. وإزرع بالورد مداخلها بابا بابا.
الزميل وضع ملاحظة إضافية تقارن بين أغنية نجاة الصغيرة والأغنية الوطنية التي تتحدث عن طقطقة العظام أوتخزيق العيون.
ويبدو أن طقطقة العظام تثير حفيظة كثرين خلافا للمكاوي والعثامنة فالناشط السياسي خالد رمضان حدثني عن هذه الطقطقة في الأغاني الوطنية بإعتبارها مقدمة لإستدعاء حالة عصبية عشائرية لا مبرر لها يخشى الرجل ان تتطور بحيث تتلاشى ثقافة الأردني لتحل مكانها ثقافة فرعية عصبية ملتزمة بالمنطقةوالجغرافيا فقط.
صحراء وأعشاب وجذع شجرة مرة أخرى نتوقف عن برنامج (آراب أيدول) أو محبوب العرب الذي يشغل الدنيا والشباب وتحرص إم بي سي الأولى على بث كواليسه وحلقاته عشرات المرات حيث طور الجهاز الفني حسبما أعلن مشاركات المواهب على المسرح ولفت نظري ما حصل مع المشارك السعودي تحديدا… سياسيا لا أميل إطلاقا للسعودية بل أعاكسها إلا أني شعرت بالغيرة على الأشقاء في الشعب السعودي العظيم والصابر عندما أصر مخرج المسرح على وضع لوحة إلكترونية عملاقة تظهر مربعات التشقق في الصحراء كخلفية للمشهد عندما قدم النجم الشاب محمد ظاهر على ما أعتقد وصلته الغنائية في المسابقة مطلقا العنان لأغنية جميلة جدا لمحمد عبده.
زرت السعودية مرة واحدة ويا ليتني لم أفعلها فقد علقت بمطار جدة ثلاثة أيام وتعذبت لأني فقدت جواز السفر.. رغم ذلك شاهدت في جدة ومكة والمدينة صروحا وعقارات وملاعب ومطارات عصرية وحديثة جدا فالسعودية لم تعد إطلاقا خيمة في الصحراء أو أرضا يباب كما صورها برنامج محبوب العرب وكان يمكن إختيار صرح سعودي كخلفية للمشهد كما حصل مع بقية الدول.
المشارك السعودي الشاب أجلسه المنظمون على جذع ناشف لشجرة بدلا من الكرسي وأمامه وضعت كومة أعشاب جافة ثابتة لا تتحرك عند التدقيق تبين أنها أعشاب من البلاستيك وضعها الفصحاء لإقناع الشاهد العربي بأنه في قلب الصحراء حتى يصوت للنجوم الشباب وتكسب طبعا شركات الإتصالات إياها وتحصل لجنة الحكم المؤلفة من احلام وراغب علامة وملحن إسمه حسين الشافعي على أتعابها… كل هذه الأعشاب الجافة والجذوع الناشفة وضعت فيما يعرف المشاهدون أن التصوير برمته في بيروت التي يستطيع أهلها الإدعاء بأنها هوليوود الإبداع الفني بدورهم.
الهدف طبعا واضح بالنسبة للتقني الفرنسي المشرف على المسرح فالشاب الذي شرح ما فعله على هامش إحدى الحلقات لا يريد أن يترك متصلا هاتفيا إلا ويستقطبه حتى لوكان راعيا للإبل يقيم في الصحراء أوعاشقا للبادية إفترض الفرنسي أنه سيهتم أصلا بالإتصال والتصويت بمجرد رؤية جذع الشجرة.
إنها إذا عملية تضليل واضحة وبالنسبة لي بقيت في السعودية خمسة أيام برفقة المدام ولم أجلس إطلاقا على أي جذع ناشف ولم أشاهد في الطريق أي كومة أعشاب جافة وشاهدت الصحراء ومربعاتها سواء الخضراء او المختصة بآبار النفط فقط من الطائرة.
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان