زينب محمود إنها تبِعة قضمة التفاحة، التهمة والمغبة التي تلاحق الأنثى لوحدها، بالرغم أن ما جاء في الآية الكريمة من سورة البقرة يدحضها، بقوله سبحانه وتعالى (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه). إنها الغصة التي تئِن بها حواء وبناتها على مر معظم العصور، والتي لم يأبه لها جل بني آدم، الذين عززوها بكل ما تأتى لهم من جبروت وسلطان وبهتان، وهُيأ حتى للضعاف منهم دور كبير للعب بمصائرهن.
ولِنعُد إلى الآية الكريمة الآنفة الذكر لنقول؛ إن خطيئة ومعصية تناول التفاحة، التي أُلصقت عُنوة بأمنا حواء وحملنا نحن تبِعتها، وأصبحت ملازمة لنا في كل ما نضطلع به، وما يُسقطُ علينا من فشل وهزائم وغواية الشياطين جميعها، كما لا أخفيكم إمعاناً في ذلك، أُسبغت علينا سمة الشيطان نفسه، بل أنه لخبرتنا المتراكمة والحنكة في الشر والكيد، يركن إلينا كي نلهمه بما يفيض به عطاؤنا من الدهاء في اللحظات العصيبة، حتى أنه يستعاذ منا عندما يأتي ذكرنا. نقول إن الله ولا شك أكثر منا علماً في تحديد المخطئ منهما، فلو أن الأمر كما ندعي لأخرج حواء من الجنة وبقي آدم منعّماً فيها، لعلمه أنها وراء ذلك الإغواء، ولا ندري لماذا يلقي إبليس على عاتق حواء مهمة الوسوسة لآدم، بالرغم أن ما جاء في الآية لا يؤيد ذلك (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وبالرغم من أن عداءه الأزلي له، قبل حتى خَلْق حواء، عندما رفض أمر الله بالسجود لآدم وطرده من الجنة وأنه توعد إغواء البشر أجمعين واستثنى عباد الله المخلصين.
والجلي من الآية أنه كان خطأً ثنائياً من أبوينا عليهما السلام، ولا راد لقضاء الله ليجعل له في الأرض خليفة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدِّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) وهذه سبقت حتى آية (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر) إذاً هذا كان أمراً مقدّراً ولا رادّ لقضاء الله، ونتجرأ على حكمه ونحن خليفته في الأرض.
والتوجيه الخطابي في الآية الكريمة لآدم ظاهره لا يكتنفه الغموض (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) والآية (ثم اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى) فلعل ذلك والعلم لله وأهل التفسير فيه ما فيه من أن آدم هو الذي بادر بهذا الخطأ، ولذلك وجه له هذا العفو ولم يأتِ ذكر حواء، وتحملّت هي الوِزر كله، أو أن هذا العفو قد ينسحب عليها أيضاً حتى وإن لم يتم ذكرها. هذا علاوة على أن مفردات اللغة تحتمل كل المعاني والمواقف، فيتم ذكرها معه ويشملها العفو، وضمير المثنى المتصل بفعلهما خير خدوم في هذا الشأن. والمحصلة أنه لم تلفت الآية إلى مَن بادر منهما بذلك الخطأ. وعليه وبمقتضى الآية لماذا نحملّها كل مايقوم به آدم لوحدها، ولمَ كل هذا التحامل عليها، وذلك الجزم القاطع.
ومسألة تعنيف الأنثى والاتهامات التى تلقى عليها جزافاً، لاتقف عند هذا الحد فقط، بل يردفونها ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها (النساء ناقصات عقل ودين)، فمن يخرج علينا من بعض الدعاة بالتأكيد عليه، ليضعها في قالب العييّة وأنها لا تصلح لأن تتبوأ منصباً رفيع المستوى، أو تكون على رأس الدولة، الشيء الذي يحمل في طياته درء مشاركتها الرجل في ذلك، ويفوز هو بكل الكتف، فيرسخ لذلك بالردع، بكل ما أوتي من وسائل ملتفّة للإقناع، أو تحتَ سياط المجتمع الذكوري فيتحقق الإذعان، وتُسلب ثقتها واعتدادها بنفسها فتذهب أدراج الرياح، فيسهل الانقياد والتبعية. وهي في ذلك الإطار، مهما حرصت على عبادتها، أو حتى كانت داعية بارزة وضليعة في علوم الدين والعلوم الأخرى، وقطعت في بلدان أخرى مسافات هائلة إلى الفضاء واعتلت مناصب عدة، عندما تحررت من رِبقة الرجل وعنجهيته. غير أن هناك من يتفضل عليها قليلاً، متلطفاً، واجداً لها عذر الدورة الشهرية، التي تؤثر، حسب ما يتواتر، في ادائها العقلي، وتمنعها من الصلاة حال وجودها. ونحن نقول أهل مكة أدرى بشعابها، وليس من شأن الرجل ليجتهد فيه وننوء نحن بتبعية هذا الاجتهاد والاكتشاف الخارق للعادة. ومنهم من لا يطعن في عقلها ولا دينها، فيقول بضعف الحديث، وينزه الرسول عن إيذاء المرأة في شعورها، بخلع أي نقيصة عليها بل لا يبخسها حقها ويكرمها على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بأن الجنة تحت أقدامها ويقدمها بالطاعة لها قبل حتى الأب. وهو القائل (استوصوا بالنساء خيراً) و(إنما النساء شقائق الرجال). وغير ذلك من الأحاديث التي تحث على الرقي في التعامل الإنساني مع المرأة وحفظ قيمتها. وهناك من يقول؛ إن الأمر كله لا يتعدى كونه مداعبة ومزحة مع السيدة عائشة رضي الله عنها. غير أن بعض المغرضين يتخذها ذريعة ويحملها محمل الجد، لننوء نحن بتلك المزحة التي قصمت ظهرنا وأتت على نصفنا البالغ الأهمية، وإن لم يكن الأمر كذلك فلماذا حواء إذن! أم أن دورها لايقتصر إلا على الإغواء والتغرير لا غير، وهذا لا ينسجم مع عدل الله وحكمته.
ولا أدري كيف يتأتى لنموذج فاشل محبط مشلول، ليضطلع أو يُوكل إليه مهمة خلق أسرة فاعلة تسهم في خلق مجتمع نموذجي، وإلا خالفنا قاعدة فاقد الشيئ لا يعطيه.
لا ننكر أن لها الآن حصة متواضعة في التشكيلة الوزارية التي تألفت قريباً ولكنها لم تبلغ حصة الأسد مهما قدمت وفاض عطاؤها، لعله منطق النقص الذي خُلع عليها وأصبح يعتريها ويلاحقها على مر العصور مهما بلغت شأواً وقدرة فائقة على البذل والعطاء، وأثرت ساحاتنا بإبداعها النضالي أو العلمي والأدبي. غير أن ما يحدث على أرض الواقع يدمغ الإجحاف بمنجزاتها ويدحضه. ولنذكر على سبيل المثال ولا الحصر وعلى صعيد التجربة الليبية بما جسدته المرأة في حرب التحرير، من مواقف مشرِّفة، بما فيها ذلك الموقف الفذّ والشجاع مضحية بدفاعها المستميت عن ابن آدم الثائر، عندما بطشت به قوات القذافي تنكيلاً، في باكورة بدايات ثورة 17 فبراير. وغير ذلك من المواقف الجليلة والفذة التي ستسجل عندما تتهيأ لها صحوة ضمير ونخوة، فيفرج عن تلك الملاحم التي سطرتها والتي ستحفر في ذاكرة التاريخ وتفرد لها مجلدات. وحتى إن حدث وذكرت من حين لآخر فهي ترضية لئلا يقال أغفل دورها، لأنه بالفعل بادٍ للعيان. ونحن في هذا الصدد نؤكد على طلبنا السابق بفك طلاسم أحيطت بها هذه الأمور وإماطة اللثام عنها من قبل علمائنا الأجلاء ولا يترك هذا الأمر لمن هبّ ودبّ، ونتوه في غياهب الغموض المتعمد، كما يجب إماطته عن قدرات المرأة الخلاقة، وعدم التجاهل الساذج والمجحف لهذه القدرات وتفعيلها، بدل جلدها من حين لآخر وإشباعها إحباطاً وتثبيطاً وقمعاً حتى التخمة، بما في الحوزة من سهام تُرشق بها تباعاً وباستمراء دون كلل أو ملل. والزج بها بكل قسوة وبشاعة في سراديب الجهل والإهمال. وأنه كلما همشنا دورها ببروز جدار جديد أمام قدراتها كلما تُهنا في غياهب الجهل والتخلف.
غير أن جُل التثمين للذين يوفونها حقها ويرفعون من شأنها ولا يسقطون دورها من الحسبان أو يحجمونه، ويدركون خطورة إغفاله أو تجاهله. وهم الطبقات المثقفة الواعية وعلماء الدين الذين يخشون الله في تفسيراتهم ويتقونه في هذا المخلوق الحساس المعطاء والكفء. دعونا إذاً نلتفت إلى قضايا جسام تنتظرنا وتتطلب منا التفرغ الكامل من كلا الجنسين، وننطلق من قاعدة إيفاء كل ذي حق حقه ذكراً كان أو أنثى، ولا نستمرئ هضم هذه الحقوق والتعالي الفارغ المحتوى، والإقصاء المتعمد، الذي جعلنا قابعين في ردهات التخلف عهوداً طويلة، ولا نغفل أي طرف منهما فكلاهما مكمل للآخر ولن تستقيم الحياة ولن تنهض مجتمعاتنا إلا بمساهمتهما الفعالة فيها يداً بيد حيث أننا ذكوراً أو إناثاً شركاء في هذا الوطن وهو هاجسنا الكبير. ‘ إعلامية ليبية