في فجر الثورات العربية لا تزال العديد من الأنظمة العربية تتصرف وكأننا في عصور الظلام السحيقة حيث يكون الحاكم هو ولي النعمة وواهب الحياة لشعبه، ورغم أن الكثير من أبناء الشعوب العربية فرحوا بفجر الحرية الجديد إلا أن كثيرا من الحكام اتخذوه سخرية وهزءا وما زالوا يتصرفون وكأن شيئا لم يقع.
فالعالم العربي من المحيط إلى الخليج ورغم التحولات العميقة التي عرفتها تونس ومصر وليبيا إلا أن العديد من الأنظمة في الخليج وعلى شاطئ المحيط تتصرف كما لو كان الستار الحديدي لا يزال مغلقا على من فيه والمفاتيح بيد الحاكم فقط يتصرف بها كيف يشاء دون حسيب أو رقيب. وتقع في هذه البلدان أكبر الكبائر المسجلة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان دون أن يلقى ذلك نكيرا من أحد تستوي في ذلك المنظمات الدولية الحقوقية والحكومات الغربية. سحب الجنسية: ففي دولة خليجية كبيرة قامت السلطات بأمر من حاكم البلاد بإسقاط الجنسية عن سبعة من المواطنين المعروفين باستقامة الفكر والسلوك، غير أن الحاكم ينقم عليهم امتلاكهم لرمزية وتأثير اجتماعي وثقافي واضح بينما قامت دولة اخرى بطرد مواطنيها الذين ولدوا وعاشوا فيها وقدموا لها دماءهم لانهم طالبوا بحقوقهم. ورغم أن هذه الشخصيات تتمتع بقدر كبير من الاحترام في مجتمعها إلا أننا نجد أن العديد من الحكام في العالم العربي لم يعد يطفئ ظمأهم المتعطش للفساد والاستبداد إلا الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان في بلدانهم من خلال تجريد مواطنيهم من أبسط الحقوق التي كان من المفترض ألا تكون ضمن المساومة كحق طبيعي أو مكتسب وغير قابل للاعتداء في عالم اليوم.
إن ما يجري في الخليج يعبر عن تخلف سياسي كبير، فسحب الجنسية ينبغي ألا يكون عقابا على أي جرم مهما كان لأن فيه نوعا من تجريد الإنسان من أكثر الحقوق الطبيعية التصاقا بشخصيته وكينونته البشرية.
كما أن هذا الإجراء يكشف حجم الاستبداد والفساد الذي تمارسه الأسر والعشائر الحاكمة في هذه البلاد حيث يتم تجريد الإنسان من أبسط أبجديات حقوق الإنسان، هكذا بجرة قلم ودون محاكمة على التهم التي توجه إليه وهي كلها إجراءات تكشف أن ما يظنه العالم دولا في بلداننا ليس كذلك وإنما تخضع هذه البلاد لحكم مجموعات تسلطية لا تعرف للقانون معنى ولا للحقوق قيمة وسيدفع بها إصرارها على الاستبداد إلى حتفها في أقرب الآجال لأن الظلم لا يدوم وسنة التغيير لا تستثني أحدا لمجرد التسلط والتجبر. الدولة الناقصة: في جميع البلاد العربية تجري ممارسات لا يمكن أن يصدقها العقل فلا تزال الأنظمة السياسية في العديد من الأقطار تحكم بدون دساتير ودون أن يكون ثمة فصل بين السلطات الثلاث في الدولة وحتى في بعض البلدان العربية يوجد فصل شكلي بين السلطات ولكن هيمنة الحاكم الفرد المستبد تفرغ القانون والمؤسسات السياسية من محتواها من جهة وتتسلط قوى الأمن على الحريات لإجهاض عملية التدافع الاجتماعي حتى لا تؤدي دورها الطبيعي في فرز النظام السياسي الشرعي الطبيعي النابع من المجتمع دون تأثير السلطة الحاكمة من جهة أخرى.
ولذلك ملت الشعوب العربية الوعود وعافت مفاهيم الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة لأن ما شاهده الناس من تلك التجارب لم يعد يقنع عقولهم أو يرضي ضمائرهم ولذلك وجدوا في الثورات الحل الأنسب لكنس ما كان قائما من أنظمة.
ويبقى الأمل معقودا على ألا تٌكرر أنظمة ما بعد الثورات تجارب سابقيهم لأن الكارثة ستكون كبيرة ويبدو من الضروري أن تستكمل الشعوب العربية مسيرتها في كنس كل الأنظمة الفاسدة التي لم يصلها الدور بعد، فستكون حتما من أخطر البؤر التي تشد قاطرة التغيير للخلف وترمي بالمتاريس أمامها ولن تألو جهدا في إفشال الأنظمة التي قامت على أنقاض الثورات حتى تنهار الآمال المعقودة علي التغير الجاد في كل البلاد العربية. لا قدر الله.
امحمد الحافظ الغابد – موريتانيا [email protected]