الثورات العربية وهواجس الاكتمال

حجم الخط
0

ميرنا لحود تُحدِق بالثورات العربية جُملةٌ من المخاطر تسعى إلى إخماد شرارتها أو توجيهها غيرَ وجهتها التي تريد. فقد ظهرت في الآونة الأخيرة تطوراتٌ تعملُ على تغيير مسارِ الثورات السلمية الجارية في المنطقة العربية، وبدأَ صعودُ الإسلام السياسي الفائز الأبرز في الانتخابات التي تمت في تونس والمغرب ومصر يخيف الغربَ الذي تعصف به أزْمةٌ اقتصادية حادةٌ تهدد كِيانَه وهو ما يفسر الضغوطَ التي تمارسها مختلف هذه القوى من أجل التحكُّم في مسار الاحتجاجات العربية. ففي الحين الذي يُعوِّل فيه الغربُ على اقتصاد المنطقة العربية في ظل أزمة عالميةٍ خانقة يبدو بروزُ الإسلام على الساحة السياسية العربية بديلا مركزيا مصدرَ قلقٍ بارزٍ له. فيعتمد الغرب سياساتٍ ضاغطةً من شأنِها إضعاف الأوطان العربية الناهضة والتي ما زالت تتحرك في خضم ثوراتها وفي محيطٍ إقليميٍ هشٍ. وهي سياسات تتجلى محلياً في دعم وتمويل فئاتٍ مختلفة أو مساندة منظماتٍ منها المعروف وأغلبُها مشبوهٌ. وتأتي هذه المناوراتُ لتعزِّزَ موقف حلفاء الأنظمة السابقة التي ما زالت قائمةً وتعمل على إعاقة مسار الربيع العربي.

تختلف مبادئ الغرب الليبرالية جوهريا عن العقيدة الإسلامية حيث يَصعُبُ تطبيقُ أساليبَ عالية التعقيد في مناطقَ تفتقر إلى أُسس وركائزِ الحداثة وهو ما يخلُق في المجتمعات العربية تفاوتاً كبيراً ويوسعُ الفجوة بين الطبقات وينتهي بنشر الفوضى والتخلُّف والفقر. ففي الحالة التونسية مثلاً يحتاج الوضع الداخلي إلى دعمٍ اقتصادي لكل القطاعات المتداخلِ بعضُها بِبَعض وهو أهم التحديات التي تواجهُها تونس. فلكي يَخرُجَ البلدُ من مأزَقه لا بد من استقطاب الاستثمار والمستثمرين الأجانب لكن الحكومةَ تخشى هيمنةَ رأس المال الخارجي المتردد في الاستثمار لهشاشة الوضع الأمني والتوجس من مخاطرِ الانزلاق العقائدي لدى حزب النهضة ممّا قد يؤثر على قطاعات مثلَ الثقافة والسياحة عصب اقتصادِ تونس. من ناحية أخرى يجتهد هذا البلد الصغير في تجديد علاقاته إقليمياً مع البلدان المتاخِمة بما فيها ليبيا ومصر اللذين خاضا ثورتَهما وأسقطا رموزَ نظاميهما بعد سنوات من الاستبداد المقنن. إن التحركَ نحو تحقيق الاستقرار المحلي يخالِطه شعورٌ شعبيٌ عامٌ باختطاف الحراك الثوري خاصة في مصر وليبيا. حيث ما أنْ هدأت ميادينُها حتى عاد إليها الثوارُ باحتجاج جديد وفي كلِّ مرةٍ ينتهي ذلك بنتائجَ دموية وخسائرَ بشريةٍ فادحة مثلما حدث أخيرا في ملعب بورسعيد أو الاقتتال الليبي الداخلي بين مختلف الفصائل الثورية. فالقمع والتعسف و التعذيب لا تزالُ سلاحَ اللحظة في الوقت الذي لم تُلبَّ فيه مطالبُ الثورة العربية المباشِرة حتى اليوم.

إنَّ التحدياتِ المطروحة والصراعَ على السلطة في مصر يخْلُقان جواً من الإحباط لدى شباب الثورة. فبالرغم من فوز الأحزاب الإسلامية في الانتخابات الأخيرة ما زال الحكم في قبضة المجلس العسكري الذي يتلقَّى انتقاداتٍ لاذعةً ويُتهم بكونه الحليف الأكبر لنظام مبارك والمسؤول الأساسي عن مذبحة بورسعيد الأخيرة. وتعكس الإدارةُ الحالية صورةَ السَّاعي إلى تلبية مصالحه ومصالح الطرف الأجنبي الذي لا يروقُ له ثبات الوضع الداخلي. يسود الغموضُ إذن الساحة السياسية خاصةً ما يخُص خيارات الإخوان المسلمين ومختلف الأطراف الإسلامية الفائزة في ظل ما يشهده البلدُ من ضغوطاتٍ داخلية وخارجية تتجلى في مُناوراتِ المجلس العسكري من جهة وجموح شباب الثورة من جهة ثانية.

لا يحظى الملف المصري بعنايةٍ الجميع فقط لمكانة مصرَ في الوطن العربي وإنما لأهميتها الإقليمية التي تجعل منها ركيزةً أساسيةً لعملية السلام مع إسرائيل. وهو سلامٌ يشمل الاتفاقيات الحدودية في صحراءِ سيناءَ وعقود الغاز مقابل مبالغَ ماليةٍ تسددها الولايات المتحدة للجيش المصري. في ظلِّ هذه الأجواءِ يتساءل الجميعُ عن الصيغة السياسية الجديدة وقدرتها على استئصال الفساد السائد وتحقيق أهداف الثورة. أما في ليبيا فإنَّ خطورةَ الوضع لا تقِلُّ شأناً عن سائر البلدان العربية المنتفضة حيث بدأت الصراعات الخفية تظهر للعلن. وهو ما يشير إلى ضعف أعضاء المجلس الانتقالي الملتبس في مواقفه وقراراته الغامضة سواءٌ كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. فالشارع الليبي ما زال ينتظر الشعارات المطالب بها أثناء الثورة. ويُشير اقتحام الثوار مؤخراً لمقر الحكومة أنَّ المجلس الانتقالي لا يسيطرُ على الوضع في الوقت الذي تهيمن فيه عقليةُ الثأر والانتقام على أذهان العديد. ويدركُ أعضاء المجلس أنَّ الحلول الخارجية لا تصُبَّ في مصلحة ليبيا حيث قد يُحوَّلُ الدعمُ الغربي الغضب الثوري إلى عواصفَ هوجاءَ قد تؤدي بالبلاد إلى الهاوية. ففي حينِ يسعى الثوارُ وأهالي الشهداء إلى عدم التفريط في الحرية المنشودة فإنَّ شرودَ المجلس وتخبُطه قد يضاعفان من حدّة الأزْمة الليبية مع مرور الزمن. في بلدان الربيع العربي الأخرى كاليمن والبحرين والعراق وسوريا لا يقِّلُّ الشأنُ الداخلي خطورةً فهو في غليان مستمرٍ حيث الاصطدامُ والصراع الدائم بين موالين للنظام ومعارضين وهو يلامس الحرب الأهلية خاصة في سوريا حيث لا تستريحُ البنادقُ والمدافع والرشاشات. ويزيد وقْعُ الخارج من حدة التشرذم المحلي فتنصَبُّ على المنطقة مع كل تدخلٍ ويلاتٌ لا سابقَ لها. يتجلى ذلك مثلا في التدخل الخليجي سواء كان ذلك في الملف اليمني أو البحريني أو السوري إذ لم يأتِ قط بنتائجَ مرضيةٍ بل فتح المجال للخارج لكي يعاود دخول المنطقةِ تحت ذريعة فشل المحاولات الإقليمية فيُنفِّذَ الرسالةَ بنفسه وكما خُطط لها. يعقِّدُ هذا الوضعُ إذن من مسارِ الثورة ويضعِّف من نشاط المعارضة داخلياً فتسمحُ تلك الفوضى لنشطاء الخارج المتوارين وراءَ منافعَ شخصية بامتصاصِ زخمِ ثورةِ الشباب وتُحيدُها عن مسارها. تبدو مرحلةُ ما بعد سقوط بعض رموز الأنظمة الاستبدادية مرحلةً عصيبةً ومحفوفةً بالمخاطر وعُرضةً للنهج المتجلي في المطامع الاقتصادية بمختلِف ألوانها الداخلية والخارجية. وهو ما يؤشر على ضعف بنية الشرق المتآكل بالفقر والجهل وانعدام الرؤية. فيبقى عالما في بحثٍ دائم عن هويته وثروته المهدورة لا يتطلعُ إلاَّ لمعجزات قد تأتي أو لا تأتي. فما هي إلاَّ وسيلةٌ ليتربَّع على عرشه من جديد حكامٌ متخرجون من مدارس الديكتاتورية والاستبداد. إن مشكلةَ المنطقة العربية تكمن أساسا في عقول الشعوب المُغيَّبة عن واقع أليم في منطقة يعيشون فيها لكنهم يجْهلون تاريخَها وتراثَها ولغتَها. الصيغة السياسية الجديدة وقدرتها على استئصال الفساد السائد وتحقيق أهداف الثورة. أما في ليبيا فإنَّ خطورةَ الوضع لا تقِلُّ شأناً عن سائر البلدان العربية المنتفضة حيث بدأت الصراعات الخفية تظهر للعلن. وهو ما يشير إلى ضعف أعضاء المجلس الانتقالي الملتبس في مواقفه وقراراته الغامضة سواءٌ كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. فالشارع الليبي ما زال ينتظر الشعارات المطالب بها أثناء الثورة. ويُشير اقتحام الثوار مؤخراً لمقر الحكومة أنَّ المجلس الانتقالي لا يسيطرُ على الوضع في الوقت الذي تهيمن فيه عقليةُ الثأر والانتقام على أذهان العديد. ويدركُ أعضاء المجلس أنَّ الحلول الخارجية لا تصُبَّ في مصلحة ليبيا حيث قد يُحوَّلُ الدعمُ الغربي الغضب الثوري إلى عواصفَ هوجاءَ قد تؤدي بالبلاد إلى الهاوية. ففي حينِ يسعى الثوارُ وأهالي الشهداء إلى عدم التفريط في الحرية المنشودة فإنَّ شرودَ المجلس وتخبُطه قد يضاعفان من حدّة الأزْمة الليبية مع مرور الزمن. في بلدان الربيع العربي الأخرى كاليمن والبحرين والعراق وسوريا لا يقِّلُّ الشأنُ الداخلي خطورةً فهو في غليان مستمرٍ حيث الاصطدامُ والصراع الدائم بين موالين للنظام ومعارضين وهو يلامس الحرب الأهلية خاصة في سوريا حيث لا تستريحُ البنادقُ والمدافع والرشاشات. ويزيد وقْعُ الخارج من حدة التشرذم المحلي فتنصَبُّ على المنطقة مع كل تدخلٍ ويلاتٌ لا سابقَ لها. يتجلى ذلك مثلا في التدخل الخليجي سواء كان ذلك في الملف اليمني أو البحريني أو السوري إذ لم يأتِ قط بنتائجَ مرضيةٍ بل فتح المجال للخارج لكي يعاود دخول المنطقةِ تحت ذريعة فشل المحاولات الإقليمية فيُنفِّذَ الرسالةَ بنفسه وكما خُطط لها. يعقِّدُ هذا الوضعُ إذن من مسارِ الثورة ويضعِّف من نشاط المعارضة داخلياً فتسمحُ تلك الفوضى لنشطاء الخارج المتوارين وراءَ منافعَ شخصية بامتصاصِ زخمِ ثورةِ الشباب وتُحيدُها عن مسارها. تبدو مرحلةُ ما بعد سقوط بعض رموز الأنظمة الاستبدادية مرحلةً عصيبةً ومحفوفةً بالمخاطر وعُرضةً للنهج المتجلي في المطامع الاقتصادية بمختلِف ألوانها الداخلية والخارجية. وهو ما يؤشر على ضعف بنية الشرق المتآكل بالفقر والجهل وانعدام الرؤية. فيبقى عالما في بحثٍ دائم عن هويته وثروته المهدورة لا يتطلعُ إلاَّ لمعجزات قد تأتي أو لا تأتي. فما هي إلاَّ وسيلةٌ ليتربَّع على عرشه من جديد حكامٌ متخرجون من مدارس الديكتاتورية والاستبداد. إن مشكلةَ المنطقة العربية تكمن أساسا في عقول الشعوب المُغيَّبة عن واقع أليم في منطقة يعيشون فيها لكنهم يجْهلون تاريخَها وتراثَها ولغتَها.’ كاتبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية