عادل الحامدي الحديث عن معاناة الشعب الليبي وكيف ألغي من الوجود العربي والدولي لأن الزعيم الراحل لم يقرأ عن بلقيس ولا عن أكبر زعيم سياسي اسمه عمر بن الخطاب كان معمر من ورثته لكنه كان يشرب بترول الخطاب ويسب أباه، ولولا أن تاريخ العرب قد تعطر بعبير الخطابيين ما كان الدهر ليبقي لنا ما يزيد عن اثنين وعشرين قريشا غير قابلة للدفن لأن الرسم والرمز والخيام والخنساء وأقلام التوحيدي ودماء الحشاد وحمزة وصهيب وأولاد عزيز البوزيدي والفلوجة والمحيط المائي وما بلع واللوري وما استقل ودم الشيخ الرئيس قارئ القرآن وما تنخبت الصحراء منه، فسبحان من نجى فـــرعــون مصر بعسكره وأبى أن ينجي بدن العميد من وحشة الرمال، ومتى انتفعت الآلهة العربية المعاصرة بالآيات وثورات الشعوب؟
لولا كل ذلك ما تألمت ولا ضاقت لي نفس ولا ركبت ظهر القلم المحزون، وما عساني أكتب وعما سأكتب وبأي حرف، ولا فاطمة فوق اليابسة، ولم يعد للبيداء العربية متنبئ ولا عفلق ولا مختار، فما أشد أن يكتب كاتب عن الفشل وعن الضياع وعن الخسارة في عالم المال، فما بالك إذا تعلق الأمر بضياع الأهل والأحبة والعيال، ولم يعد للميديا صوت واحد عن ليبيا الثورة والنجاح والحرية والمستقبل بقيادة الثائر الشريف وتحول الهمس إلى قعقعة الأسلحة الأهلية.’وسيجنبها الأتقى’، نعم حتى عندما يتعلق الأمر بالسلطة وأحكامها والثورات ورجالها، فإن تجنب الفرقة والأهواء يصبح فرض عين على كل ليبي، لأن ذهاب الريح له أسباب أفدحها تناسي الماضي القريب ومآسيه الجامعة بدءا بشنق الأطفال في الجامعات وانتهاء بسياسة زنقة زنقة دار دار، وبين التاريخين أربعون عاما من التيه تجرع خلالها الليبيون كؤوسا مترعة بالخوف والتفقير والتقتير وما هو أشد من محاكم التفتيش يبذّر منّهم وسلواهم على كل خارج عن القانون، فلما آسى الطغيان الفاحش رب الليبيين عز وجل انتقم الجبار المتكبر على الطغيان بأيدي الثوار الشرفاء أبناء الإسلام الذين أبهروا العالم بوحدة الأمجاد والنجباء، فنصرهم الله بطير أبابيل من حديد وبنادق المختار، وقد عاش معهم رجال ونساء وأطفال ملاحمهم وانتصاراتهم وهزائهمهم لحظة لحظة، وذاقت أمة العرب والإسلام ومستضعفوها ومستضعفاتها حلاوة النصر، وبعثت من بين الوهاد والأزمنة عطر بدر وما تلاها من بناء شامخ ظل وسيظل فوق وأعلى من كل الأديان وأشمخ من كل الصغائر والصغار والقيادات المرتابة، ومجاهدين لا يحق لنا أن ننساهم بعد أن أحيوا مواتنا وربطونا بالعروة الوثقى ودفعوا ثمن عتق الأمة الجائعة إلى كل التغيير بالعملة الحمراء.
فما أوجع أن نرى الثائر الذي خلف الشهيد واستأمنه الباري عز وجل على قيادة أشد الشعوب العربية تشبثا بعقيدة التوحيد يصوب فوهة البندقية صوب شريك المعركة المقدسة، وما ذاك إلا تكسبا وطمعا وركونا إلى الأرض وردة عن العهد والوفاء، فكان الألم والحسرة والخيبة لا سمح الله، في أن نرى ليبيا حرة من كل القيوم تحكم بما يرضي الله وبما يرضي جماهير ليبيا المؤمنة، التي لا يرضيها أقل من دستور يضمن التبادل السلمي والدوري على السلطة وحرية المعتقد وحرية الصحافة وحرية التجمهر السلمي، والتفريق بين السلطات الثلاث وحرية التعبير بالحناجر والأقلام وليس بالبنادق والألغام.
ولمن يريد أن يتذكر ويتدبر ويعتبر أسوق له من تاريخنا قبسا من نور ليس كمثله نور: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع المسلمون في السقيفة، وبعد أن أتم أبو بكر الصديق مداخلته قدم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ليختار الناس أحدهما ليتولى أمر المسلمين، فكره ذلك عمر وقال تاليا: لم أكره من مقالة أب بكر غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.. وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي أن أبا بكر ما يفتأ يتذمر من الرئاسة التي يتناحر عليها خير الأحفاد، نعوذ بالله إخواننا في ليبيا من آخر مرض يخرج من قلوب الصديقين ألا وهو حب الرئاسة أكانت من رجل أو من حزب أو من قبيلة. قال السيوطي: بعد توليه وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر، فكان أمير المؤمنين وكنت وزيرا ولما حضرته الوفاة أرسل إلى عمر كأحد الذين يجمع عليه المسلمون للخلافة فهرب عمر ورد على رئيس الأمة رضي الله عنه بأن لا حاجة لي بها لكن الصديق لم يفلته فأرسل إلى عمر ولكن لها (الخلافة بك حاجة.. أوليس الشعب الليبي أحق الشعوب العربية المسلمة الأصحاب وهم عليهم الرضوان السلف ونعم السلف، والليبيون وقد أعتقهم ربهم من ربقة الجبرية فهل يستبدلون بها ضرارا أهلية أم ديمقراطية يؤمن بالله واليوم الآخر؟.
إن العقيد رحمه الله حرم بظلمه واستبداده الشعب الليبي من أن ينمي المجتمع السياسي الليبي خارج الأحواض الصناعية التي يرسمها فرد فلتة، فلما أفل لم يترك وراءه دولة ولا مجتمعا أهليا ولا ساسة ولا قبائل متماسكة يلجأ إليها الحكم عند الحاجة، فالحكم فن يدرك بالممارسة وليس أشكل ولا أعقد من فن قيادة الجماهير والشعوب، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تمر به الأمة العربية من تحولات عاصفة ومتسارعة، وتعارض المطامح والمصالح لساسة الداخل والخارج وأطماع الدول ما عظم منها وما صغر، يفهم المرء بل ويتفهم الصعوبات التي يمر بها الأشقاء في ليبي، وهي تحتاج إلى ربان ماهر غير موجود خارج الأطر الليبية، التي ليس رصيدها إلا ورقة القيادة الجماعية التوافقية بامتياز، وبمشاركة القبيلة والمدينة والريف والزعامات المطبوخة على عجل لتوفير الوقت وتفويت الفرصة على الصوملة والفوضى وإعادة الاستعمار المخفف والجبريات المترصدة.. إن آفة الدكتاتورية وعيبها القاتل أنها لا تخلف وراءها قانونا ولا محاكم ولا أطرا للدولة يستأنس بها البناة الجدد، وما أظن أن القيادة الليبية الجديدة وهي تواجه هذا الفراغ ترغب في إضافة متاعب أمنية تحول ليبيا إلى بؤرة توتر مزمن ويكتوي ينيرانه متساكنو ضفتي المتوسط على حساب الشعب الليبي وكل العرب.’ كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا