احمد النعيمي ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية في مصر يضفي على المشهد السياسي الكثير من علامات الإستفهام، مسرحية هزلية بكل المقايس بطلها دون ريب، كافة المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية التي تحكم مصر منذ سقوط النظام السابق، ولكنها عاجزة عن معالجة التطورات والأحداث بشكل جذري، يثير بدوره العديد من الأسئلة ويطرح المزيد من الإستفسارات حول خقيقة دور كل منها في الحياة السياسية والأقتصادية والأمنية والأجتماعية والثقافية لما بعد الثورة في مصر، الجزء الأول من هذه المسرحية اسدل الستار عليه في استاد بورسعيد بعد إنتهاء مباراة كرة القدم بين النادي الأهلي والنادي المصري البورسعيدي بسقوط ذلك العدد من القتلى والجرحى غير المسبوق في تأريخ كرة القدم المصرية، إلى جانب بعض المواضيع ذات الدلالة الخاصة التي سبقت احداث بورسعيد، مثل الهجوم على بعض مراكز الشرطة، والإفراج عن المساجين، وسرقة بعض البنوك، ومحال الصرافة، والأهم من كل ذلك إحساس المواطن بالخوف من المجهول، وعدم الأمان، الأمر الذي أشعل فتيل الثورة المصرية من جديد، وشكلها العام يوحي بأنها لن تنتهي إلا مع عودة العسكر إلى ثكناتهم وتعيين مجلس حكماء مؤقت، يدير شؤون البلاد لحين الإعلان عن بدء الإنتخابات الرئاسية، على أن تساهم فيه قوى الحراك الثوري الشبابي، والعديد من القوى الوطنية الغائبة عن الساحة السياسية حتى اللحظة. الجزء الثاني من هذه المسرحية، يتعلق بكم المسكنات وجرع المهدئات التي باتت المؤسسة العسكرية تدفع بها وتدغدغ بها مشاعر المصرين عقب كل توتر تشهده الساحة السياسية، وهي بالمناسبة مسكنات غير مناسبة، فضلا عن كونها لاتعالج المشكلة من جذورها، ولكن ترحلها من وقت لآخر، الأمر الذي أفقد الثوار الصبر من جهة، ومنحهم حصانة ومناعة ضد المسكنات الوقتية من جهة ثانية، وبالرغم من كون جرعة المهدئات والمسكنات التي أعقبت احداث بورسعيد والتحرير وتوابعه، كانت ذات دلالة خاصة تمس الجانب النفسي للثوار وللعامة أيضا، إلا أن الملاحظ أنها لم تساهم في تهدئة الثوار، بل رفعت من سقف مطالبهم، فأضحى الجميع يتحدث عن ضرورة الإسراع في إجراءات المحاكمة وإصدار الأحكام العاجلة في حق رموز النظام السابق واعوانه، بدل من شكليات نقلهم من مكان إلى اخر، وحتى مسالة تقديم موعد الإنتخابات الرئاسية شهرا عن موعدها لم تفلح هي الأخرى في الحد من غضب الثوار، ولم يجد رئيس الوزراء شيئا يقوله لإعضاء مجلس الشعب، وبسبب ذلك فأنه أصدر قرارا عشوائيا وغير قانوني بحل إتحاد كرة القدم المصري، بدل من أن يصدر قرارا بالقبض على رئيس الإتحاد المصري باعتباره يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، أما مجلس الشعب فقد أذهل الجميع بتصرفاته وأفعاله غير المسؤولة، فبعد الخلاف حول القسم التشريعي، ورفع الأذان من داخل قبة المجلس، لم يجد النواب في معالجة الوضع المتفاقم في ميدان التحرير الناجم عن احداث بورسعيد، سوى الإعلان عن إرسال لجنة تقصي الحقائق، وهي ذات اللجنة المنوط بها ملف حقوق الشهداء ومصابي الثورة، ولم تحقق شيئا يذكر بشأنه، لا شك بأن مجمل تلك الأحداث التي وقعت، والتداعيات التي نتجت عنها، وردود الأفعال غير المسؤولة تجاهها، قد أحدثت فجوة عميقة، ورفعت من معدل الإنشقاق بين الثوار وبين المجلس العسكري والحكومة من جهة، وبين الثوار والمجلس التشريعي من جهة ثانية.
الأمر الذي يدفعنا إلى القول، بإن مجمل ما تم طرحه من حلول ومسكنات مؤقتة فيها من الإستخفاف بالعقول، ما هو أبعد من الإستخفاف بموت أبناء هذه الأمة، والتلاعب بقضاياهم ومطالبهم المشروعة والمصيرية في إقامة الحق والعدل وممارسة نوع من الشفافية، وتقديس قيم الديمقراطية والحرية، الى جانب كل تلك المسكنات التي لا طائل منها، لا زال هناك تجاهل متعمد وحرمان سافر ومقنن لمجموعة القوى الفاعلة من الشباب الذين كان لهم سبق المساهمة في إسقاط النظام السابق، لكنهم وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها خارج إطار المنافسة السياسية. ومن نافلة القول الحديث عن أن منجزات الثورة وتضحيات الشهداء وأصحاب الحقوق قد تم أختزالها من خلال مشهدين، الأول الإستفتاء على الدستور، ، أما الحدث الثاني فهو إجراء الإنتخابات البرلمانية، وبالرغم من أهمية الحدثين، فأن الإستفتاء على الدستور لم يكن دستوريا ولا قانونيا، وهو عمل ديمقراطي مزيف بإمتياز، لم تعد تمارسه سوى الدول الديكتاتورية غير الديمقراطية، ويطرح في العادة لمنح صك غفران للمستفتى من اجله الحدث حتى يصبح شرعيا وقانونيا، الأهم من ذلك أن الدستور المصري، وهو أسمى الوثائق واعلاها مرتبة وقدسية، أكبر من أن يختزل بمجرد أستفتاء، فهو بحاجة إلى جيش من الفقهاء الدستورين ليتفحصوه ويعيدوا صياغة مواده وبنوده وفقا لمتطلبات المرحلة الثورية، أما المشهد الثاني، فكان الإنتخابات البرلمانية، وهي الإنتخابات التي جرت ضمن اجواء غير طبيعية، لم تعبر عن الصورة الكلية لمختلف القوى السياسية التي شاركت في إسقاط النظام، فقد فازت القوى التنظيمة الفاعلة صاحبة الخبرة التراكمية في العمل السياسي، بالرغم من أنها لم تكن فاعلا رئيسيا، ومكونا أساسيا من مكونات الثورة في بداياته الأولى على الأقل، وسقط من اشعل الثورة وساهم في إسقاط النظام بشكل مباشر، معتمدا على رصيده الثوري الذي لم يتجاوز سوى أشهرا معدودة، وبالرغم من الحساسية المفرطة التي كانت قائمة بين الإسلاميين، وبين المؤسسة الأمنية، فقد أكتفى الأخوان بإقتحام العديد من المقرات الأمنية وإطلاق مجموعة من سجنائهم أثناء المرحلة الثورية العارمة، كتصفية نهائية للحسابات التي كانت عالقة بين الطرفين. الصورة العامة للأوضاع في مصر تبدو غير مبشرة بإنفراج سياسي، والدعوة التي أقترحتها بعض القوى السياسية بإعلان الإعتصام، يجب أن تؤخذ بعين الجدية، ولو وافقت قوى اخرى في الإنضمام الى هذا الإعتصام، فأن مستقبل مصر الإقتصادي سوف يكون على المحك، خصوصا بعد إن بدأت بعض الدول مثل امريكا، وفي اوروبا، إعادة النظر في مختلف اوجه الدعم التي تقدمها لمصر بسبب قيام المؤسسة الأمينة بالقبض على مجموعات كبيرة العاملين في العديد من المنظمات المدنية، من بينهم اجانب، وجهت لهم تهم الخروج عن العمل الخير الطوعي الإنساني، إلى العمل السياسي، وتلقي معونات محهولة المصدر.
بالرغم من ضبابية المشهد السياسي، إلا أن الحل يكمن في الإرادة، ولا شيء غير الإرادة، ونقصد بالإرادة، ان تتوافر حسن النوايا في ان الجميع كان يهدف من وراء تصرفاته وأفعاله الحفاظ على امن واستقرار الوطن، اصاب هنا أو أخطأ هناك، ومن هنا يجب إعادة النظر في مختلف القضايا والمواضيع التي لم يلتفت اليها في السابق، وعلى رأس هذه المواضيع، الإلتفات إلى الشباب، الشريحة العريضة والقوة الضاربة في المجتمع، والجلوس معهم والإنصات إلى مطالبهم المشروعة في تحمل مسؤولية بناء الوطن، فالمرحلة التي تمر بها مصر الأن هي مرحلة إنتقالية، لم تشهد حتى الأن حوارا منصفا وعميقا، يناقش مختلف القضايا الخلافية، ومن اهمها بطبيعة الحال، هوية الدولة، وشكل النظام السياسي والدستور، إذ لا يجوز ونحن امام ثورة بهذا النحو، أن يتم التفاهم بشأن تلك المسائل المصيرية، وثوارها الحقيقيون بعيدون عن المساهمة في إعادة بناء الدولة المصرية الجديدة. ‘ باحث في الشؤون الإفريقية