لطيفة اغباريةالله أكبر..! أمسك سعيد ابن الحادية عشرة، المفتاح الكبير الصدئ، لدكان والده الذي يبيع به الأشرطة. أغلقه، وانطلق مهرولا بيديه المرتجفتين، مُلبيّا النداء، هاربا من سكون السوق الذي ركن من الضجيج، بعدما أغلقه الباعة والتجار متوجهين للصلاة.’سعيد’ وعائلته نموذج لعشرات العائلات المقدسية من حي ‘عين اللوزة’ وأحياء أخرى في ‘سلوان’ الذين تلقوا إنذارات بهدم منازلهم، وكذا الحال بالنسبة للعديد من المتاجر، بهدف تهويد المنطقة. إذ أصبح يوم الشؤم الأسود لديهم هو الأربعاء، لأنه بات مقرونا بالاقتحام وبتوزيع الإخطارات من قِبل بلدية الاحتلال.
كانت لهفة سعيد للصلاة كبيرة، فهو على موعد ثابت مع الإيمان، في زمن العصيان وتقديس الأقزام. فعند القُبة الرصاصية، يتذلّل هذا الطفل ذو البشرة السمراء ليوقظ ضجيج السكون والصمت في ابتهالاته، ويجتهد في الدعاء، كي لا تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلية باغتيال حُلمه في هدم غرفته المتواضعة التي بنتها العائلة، وقبل أن تنالها جرافات الهدم الساخطة والحاقدة، بأسنانها الحديدية المفترسة. لوّح لي سعيد بيديه، وطلب أن أنتظره ريثما ينتهي من صلاته، ليبحث لي عن شريط غنائي لفيروز ‘لأجلك يا مدينة الصلاة أصلّي’، بعدما ادّعيت أنني أبحث عن هذا الشريط الذي أملك دستة منه… ، بينما أنستني لهفة الضباب، ورائحة التوابل المثيرة، والحلوى المختلفة، ‘والعوّامة’، والمعمول المحشو بالتمور الأردنيّة، أن أحضر بطاقة هويتي، فاكفهرّ وجه الجندي سحابة سوداء، وصوّب نحوي نظراته الجافة الباردة، التي جعلت الدم يغلي في عروقي…. ، فعدت لأسير مرّة أخرى بين أزقة السوق، فالسير على حجارة هذه الأزقة هو بحد ذاته صلاة، لكل طفل فلسطينيّ، سوريّ، ولكل طفل عربيّ يعاني من سياط ‘البلطجية’…. لأجلهم جميعا نصلّي.
ولأجل من تشردوا لأجل أطفال بلا منازل لأجل من دافع و أستشهد في المداخل وأستشهد السلام في وطن السلام وسقط الحق على المداخل لكنني تيقنت أن سعيد ‘الفطن’، لن تقتصر ابتهالاته لنصرة زهرة المدائن من التهويد، ونصرة أطفالها من التشرّد والضياع، حتما سيتذكر كل زهرة من أزهار الشام الحبيبة.
المكسب الوحيد لي في هذا اليوم، هو استنشاق رائحة الحلوى، ومعانقة الأسوار والحجارة العتيقة، فكم يشبه هذا السوق، أسواق دمشق، التي نرتبط بها روحيّا، ونشعر أنّ أسواق القدس والخليل هي توأم لها. وإن كانت الصين قد غزتنا ببضائعها، إلا أنّنا ما زلنا نؤمن أنّ الصوف السوري هو الوحيد الذي يستطيع أن يبعث الحرارة في أوردتنا وأجسادنا. وحتّى الكعك المغلّف بالعلب المرتبة، يبتسم لي رغم البرد الذي يلسع جسدي، وينظر إليّ متمنيا أن أبادله الابتسامة ذاتها! لكن الابتسامة مستعصية في زمن البلطجية الذين يهوون سلخ جلودنا، ونزع ابتسامتنا، فهم لا يعشقون إلاّ أكوام الحجارة. فأصبح بناء غرفة إضافية لسعيد وأشقائه على ما يبدو يزعجهم ويشكل خطرا على كيان ‘الهدمجية’، التي لا تتحدّث إلا بلغة الدبابات والجرافات، والتي تريد تهويد ما تبقّى من المعالم العربية، ولا يبقى أمام ربّ العائلة المثقل بهموم العالم، خيارات وبدائل كثيرة للتصدي.
هل ينجح الفستق الحلبي المطحون والمزيّن على وجه الحلوى أن يغيّر أمزجتنا ويصحّحها؟ وهل’ العوامة’ الغارقة في الماء الحلو تضمن لنا سلامة ‘البنكرياس’ حتى لا نصاب بمرض السُكّر؟ وهل تستطيع أن تملأ قلوبنا قطرا حلوا، والألم المرّ يمزّق أحشاءنا المتناثرة، فهناك من تكسّر قلبه فُستقا، وتشتّت أوصاله قطعا متناثرة سميدا من المعمول، الذي عُجن بالقهر والدموع، ولم يختمر بعد حتى يصنع لنا طبقا جميلا من الحلوى! لذلك، من الأفضل لي أن أتناول شيئا مالحا، فالملح هامّ وضروري، ويجب أن نُمجّده، لتاريخه النضالي، وأهميته كما استعرض ذلك، شاعرنا الأردني أمجد ناصر. فاقتنيت كيسا صغيرا من بضع حبيبات حُمّص هشّة فتّت الماء المغلي أوصالها،’ البليلة’ المالحة، الملقاة على العربات الخشبية المُسطّحة، والتي تغنّى بها ‘أبو غالب’ في ‘باب الحارة’، وحبات كبيرة من الفول ‘القبرصي’، الذي نُكنّيه ‘بالسوداني’، ليبيّض وجوهنا، ويحفظ لنا ملحها من القهر والذل والاستسلام.
الغضب الساطعآت…. آت… وأنا كلّي إيمان… وقد مررت على حجارة الأحزان، وسرعان ما بدأ ضجيج الأقدام والعربات الصغيرة التي يجرّها الأطفال، تدبّ على أرض السوق، ها قد عادت الوجوه المتضرّعة، لإثبات وجودها وحقّها في كلّ دكّان، ومَتجر، حتى أبسط عربة صغيرة متنقلة. وبدأت تنتشر رائحة العطور والبخور في الجو، فهي تدور وعيوننا في الجو، تتلاصق والأسوار، ‘تدور في أروقة المعابد، تعانق الكنائس القديمة، وتمسح الحزن عن المساجد’. وطال موعد انتظاري مع سعيد، هل ما زال يمسح جبينه بالابتهالات والأدعية؟… وعندما تيّقنت أن قطار الوقت يداهمني وعليّ العودة من حيث أتيت، سمعت همسات محفوفة بالخوف،.. هناك عائلات من ‘سلوان’ قامت شرطة بلدية الاحتلال بمداهمة منازلهم، ورشّ أفرادها بـ’ غاز الفلفل’.! الآن سيكون دعائي وصلاتي، ‘ اللهمّ نسألك السلامة’ والسّلوان’ ، ولتعش ‘أزهار سورية’.*كاتبة وصحافية من فلسطين(أم الفحم)