ابو ظبي ‘القدس العربي’ من فاطمة عطفة: شهد بيت العود حفلا موسيقيا كان عماده أربعة من الفنانين الأتراك من ضيوف أبو ظبي المتميزين بإبداعهم الموسيقي. استهل الأمسية الفنية الأستاذ نصير شمة بكلمة رحب فيها بالموسيقيين الضيوف وأشار فيها إلى الأهمية العالية للموسيقى من النواحي الجمالية والأخلاقية والثقافية، مبينا أن الميزة الجمالية للموسيقى أنها تترك في نفس عازفها آثارا إيجابية مشرقة من المتعة السامية بقدر ما تترك في نفوس مستمعيها من السرور والانشراح. واختتم الأستاذ نصير كلمته بتقديم عازفة البيانو إيمان الهاشمي – الطالبة الإماراتية التي استهلت الحفل بمعزوفة موسيقية من تأليفها بعنوان: Succe (نجاح)، حيث لاقت استحسان الحضور الكبير الذي امتلأت به صالة بيت العود. فرقة الفنانين الضيوف مؤلفة من أربعة عازفين بقيادة محمد بيتماز عازف العود، يشاركه كل من أحمد مطر عازف قانون، مراد كاجو على آلة التشيلو، أركان كنات ضارب الإيقاع. قدم هذا الرباعي الفني المتميز لمدة ساعة ونصف مجموعة من المقطوعات الموسيقية المتنوعة ما بين شعبية وصوفية وحديثة كان لها صدى كبير من الإعجاب الشديد في نفوس جمهور المستمعين الحاضرين. ويمتاز الفن التركي بتراث حضاري عريق يشكل اللون الصوفي منه عاملا مهما في مخزونه الفني والجمالي العميق، الذي عبر عنه العازفون بشكل جماعي وإفرادي بمهارة فنية وجمالية متميزة، وقد بلغت براعة هؤلاء الفنانين بأنهم استطاعوا أن يجعلوا آلاتهم الحديثة وكأنها كائنات حية تدور معهم في حركات إيمائية رشيقة توحي بحلقات الصوفية وضرباتها الإيقاعية المنظمة، وهذا ما يذكرنا بالصوفي الكبير جلال الدين الرومي.
ومع المتعة الكبيرة الصافية التي صاحبت العزف الجماعي، كان للإبداع الفردي أيضا دوره الواضح الذي ضاعف من سرور الحضور وإعجابهم. وقد امتاز ضارب الإيقاع بتقديم ألوان متعددة من فنه الحركي الرشيق تتراوح بين السرعة والبطء، الصخب والهدوء، آخذا جمهوره إلى عوالم سحرية سارة من الإبداع الموسيقي الراقي. كما كان الفنانون الآخرون على آلات العود والقانون والتشيلو متميزين في وصلاتهم الإفرادية الجميلة والممتعة.
ـ وفي ختام هذه الأمسية الموسيقية الرائعة كان لنا لقاء مع عازفة البيانو الإماراتية إيمان الهاشمي لتتحدث عن مشاركتها مع الفنانين الأتراك ضيوف أبو ظبي، قائلة: ‘أنا سعيدة جدا أن أحضر استضافة بيت العود في أبو ظبي لكبار الفنانين من تركيا، وسعيدة جدا بأن أشارك في هذا الحفل وأقدم معزوقة (النجاح) بحضورهم، وهذه المقطوعة هي من تأليفي وفي مناسبة عزيزة على قلبي جاءتني فكرتها في مناسبة غالية. أخي طبيب كان يدرس خارج البلاد، وعندما جاء يبشرني بنجاحه في الطب، يومها لم أعرف ماذا أهديه، وبالنسبة لي لا شيء يعادل النجاح إلا عمل فني يوازيه. وحتى أعبر عن فرحتي ذهبت إلى البيانو وبدأت أعزف، خاصة أن أسلوبي أنا دائما حزين، لكن في هذه المقطوعة كانت تحمل فرحا كبيرا وهي تعبر عن فرحتي بنجاح أخي’. وعن مناسبات أخرى جميلة كانت قد عبرت فيها إيمان بتأليف مقطوعات موسيقية، أضافت: ‘كذلك عندما كنت في بداية حبي للموسيقى وتعلمي لها، لا أنسى تلك القطعة وذكراها الغالية وهي ستبقى الأجمل في حياتي، كانت بمناسبة شفاء المرحوم الشيخ زايد وعودته إلى أرض الوطن، وقتها ألفت مقطوعة موسيقية بعنوان: (الحمد لله على السلامة) واستطعت وقتها أن أشارك بها في حفل بالمجمع الثقافي، هاتان القطعتان الموسيقيتان أعتز بهما لأنهما تحملان الفرح الحقيقي’. ـ وكان لا بد من أن نأخذ رأي بعض ضيوف بيت العود فالتقينا الفنان محمد بيتماز يقول: ‘نحن مسرورون جدا بأن نكون في مدينة أبو ظبي ونقدم هذا الحفل في بيت العود، آمل أن نأتي مرات أخرى، لأن هذه الزيارة كانت قصيرة ولم يكن عندنا الوقت الكافي لنتجول في المدينة ونرى هذا التقدم العمراني الكبير، إنها مدينة حديثة ومنظمة أرجو أن أعود إليها أكثر من مرة للاستمتاع بهذه المناظر الجميلة في أبو ظبي’. ـ أما الموسيقار الإماراتي فيصل الساري الذي تخرج من ‘بيت العود’ قبل سنتين، فقد حدثنا عن مدى التواصل الفني والموسيقي بين مختلف البلدان، قائلا: ‘بيت العود العربي ساهم في عمل حركة فنية نشطة في إمارة أبوظبي، وأسهم في تنشيط الوسط الفني وتطويره. الوسط الفني كان مقتصرا على كذا موسيقي وكذا مطرب وكذلك كان حال الاستديوهات والتسجيل والتلحين، الآن صار الاهتمام أكبر وأغنى في تنوع الآلات وتبادل ثمار الحضارات، وفي الاطلاع على مختلف مدارس الموسيقى بشكل عام. أن يستضيف بيت العود هؤلاء الفنانين الكبار من تركيا يعتبر إنجازا مهما في الحركة الفنية’. ومما زاد هذا الحفل جمالا وإشراقا وسرورا حضور عدد من الأطفال الذين يرافقون أهلهم، ومنهم نجمة ومريم. ولم يكن حضورهم من أجل اللهو والمرح، وإنما كانوا يصغون باستغراق للموسيقى مثل الكبار، خاصة وأن الاستماع لهذا الفن الرفيع يساعد في تنمية الذائقة الفنية والجمالية مبكرا.