الأردن: ماكينة النظام تلتهم بعضها والحفر عميقا في ملفات الفساد يقلق سكان الطبقة العليا.. والإسلاميون في موقع الوريث

حجم الخط
0

بسام البدارين عمان ـ ‘القدس العربي’: يسترسل سكان الطبقة العليا في المجتمع السياسي الأردني في لعبة المصارحة والبوح والمكاشفة التي فرضتها إيقاعات الربيع العربي خصوصا بعد إكتشاف فضيحة غسيل الأموال التي تورط فيها الجنرال محمد الذهبي مدير المخابرات الأسبق والذي شكل وجوده في السجن الإعتراف الأعنف من قبل مؤسسة النظام بسلسلة كبيرة من الأخطاء.

ويسود القلق والتوتر مجالسات السياسيين وسهراتهم كما لاحظت ‘القدس العربي’ ويتجول بين الكبار السؤال المركزي حول عمليات الحفر في الأعماق التي يطالب بها شارع تفتحت شهيته على رؤية المزيد من الرؤوس الكبيرة تسقط الواحد تلو الأخر فيما يقطف الإسلاميون دون وقبل غيرهم ثمن ما سماه القصر الملكي قبل غيره بأخطاء حصلت في الماضي.

ويبدو ان فتح ملفات التخاصية بشكل خاص ينتج كمية القلق الأكبر في أوساط السياسيين الكبار والمتقاعدين حيث بيعت شركات القطاع العام في الماضي وتفتحت أعين الشارع على صفقات عملاقة بدا واضحا اليوم أنها لم تكن نظيفة أوشفافة وفقا لما يمكن رصده بين أسطر النائب اليساري المخضرم بسام حدادين وهو يعترض على أي محاولة لفرط لجان التحقيق البرلمانية في ملفات الفساد.

كما يبدو أن أحدا لا يملك تصورا فعليا عن السقف الذي ستصله تحقيقات الفساد ففي الوقت الذي حاولت فيه قيادة مجلس النواب التخفيف من زحام ملفات الفساد دعا النائب الشاب أحمد الشقران لإجتماع غير رسمي كشف فيه النقاب عن ضغوط خارج البرلمان وأخرى داخله تستهدف اللجنة التي تحقق بملف واحد يختص بشركة عملاقة هي شركة الفوسفات.

الحيثيات هنا كانت مرعبة فالنائب محمد الحجوج مثلا وكما فهمت ‘القدس العربي’ منه لم يكن يدري بأن الشركة الأجنبية التي إشترت حصة كبيرة من أهم شركة في القطاع العام لم يكن رأسمالها أكثرمن عشرة الاف دولار.

وإكمال التحقيق يعني الغرق في تفاصيل إتهامية لا تطال المؤسسات فقط بل عددا كبيرا من صناع القرار في الماضي.. كذلك الأمر في مسارات التحقيق التي تطال ملفات الكازينو والسكن الكريم وبيع الإسمنت والبوتاس وهي ملفات لم يكن الشارع الشعبي منتبها لها قبل تحدث رئيس الوزراء عون الخصاونة بصورة علنية ومباشرة عن شبهة فساد فيها.

ومع وجود 32 لجنة نيابية تحقق بالفساد يدين النظام عمليا كل المشاريع والإتجاهات في الماضي القريب والبعيد، وعليه الإتهامات اليوم تطال جميع من أشغل يوما موقعا عاما وعدم وجود مخالفة أو جريمة جنائية وفقا للحجوج لا يعفي كل من تقلد منصبا وزاريا من المسؤولية الأخلاقية.

ويلاحظ النائب الشهير في البرلمان خليل عطية أن توالي الحديث عن الفساد لم ينته فقط بخسائر فادحة على عوائد الإستثمار والحياة العامة والإقتصادية لكنه تسبب في تعطيل مسننات العملية البيروقراطية فالموظفون الكبار قبل الصغار اليوم يتجنبون توقيع وإتخاذ القرارات والمذكرات إحتياطا حتى لا يدخلوا في دائرة الإشتباه مستقبلا.

ليس سرا في السياق أن في البلاد اليوم أكثر من 200 صحيفة إلكترونية وعشرات الأحزاب والمجموعات الناشطة إلكترونيا تلاحق كل صغيرة وكبيرة تحت عنوان الفساد.. يتحالف مع هذه الهيئات عشرات اللجان التنسيقية بإسم الحراك وعشرات النخب التي تحترف تصفية الحسابات والمئات من الطامحين للأضواء على أنقاض دائرة النخب التي يتخلص منها النظام حاليا سواء بسبب الفساد او لسبب سياسي له علاقة بالنفاذ من الحالة الراهنة.

إذن الصحف وهئيات شبابية ولجان وأحزاب وممثلو حراكات ومئات المتقاعدين الباحثين عن دور.. كل تلك المجموعات تشارك في حفلة مكافحة الفساد الأردنية التي إنتهت بوضوح بإدانة كاملة لكل المرحلة السابقة ولو ضمنيا. مقابل ذلك ما تفعله المؤسسة حتى الآن هو السعي لإطفاء النار التي تلاحق الدولة ورموزها بتقديم المزيد من الرموز للمحاكمة.. لذلك بدأت محاكمة الذهبي وقبله دخل نافذون للسجن ووضعت على الطاولة ملفات مشاريع ضخمة لم يكن أحد يتجرأ حتى على الإقتراب منها.

لكن الشارع لم يشبع بعد ولا يوجد ما يوحي بأنه سيشبع في مرحلة ما فالجميع مشتبه بهم وميكانيزم النظام مرحليا يندفع لتطهير الذات والتخلص من المزيد من الرؤوس في عملية لا أحد يدعي اليوم القدرة على وقفها أو يعلم كيف ومتى وأين ستنتهي كما قال يوما الكاتب محمد أبو رمان.

لذلك تنحصر التداعيات السريعة حتى الآن بمسألتين: الإسلاميون يحصدون المزيد من الشعبية ويعرضون خدماتهم ‘كبديل’عن العملية الفاسدة جاهز للإنقاض على السلطة عبر عملية ديمقراطية دستورية أصبحت ملاذا إضطراريا اليوم للنظام بسبب تراكم خطايا وجرائم رموزه وبسبب الإدارة السيئة للملفات في الماضي القريب.

أما المسألة الثانية فتتمثل في حالة القلق والتوتر التي تجتاح طبقة ‘الكبار’ من قدامى السياسيين وهؤلاء مرحليا منقسمون إلى نوعين.

الأول يعتقد بأن ما يحصل في البلاد بسبب إقصائه وإبعاده عن مواقع القرار والثاني مشتبه به أصلا وقد يصل قطار التحقيقات بالفساد إلى ملفاته إذا إستمر الحفر. بالتالي هو نوع ‘خارج الخدمة’ والتغطية ولا يستطيع العودة للمسرح لإنه في الأساس جذر في مشكلة اليوم.

وسط هذا الحطام النخبوي الأردني يقف الشيخ همام سعيد في ساحة عامة وسط جماهير الأخوان المسلمين ويرسل رسالته كوريث للحالة الجديدة في الأردن عندما يقول: نعدكم بأن لا نستأثر بالسلطة وسنشرك الأخرين بها.

المثير في المسألة الأردنية هو الحقيقة التالية: لا يمكن إتهام طرف خارجي أو داخلي بالتآمر على النظام والدولة فالشعب ثبت أنه ‘أنظف’ من القادة الذين فرضوا عليه بإسمه وماكينة النظام كما قال وزير الإعلام الأسبق المستقيل طاهر العدوان بدأت تأكل بعضها وأبنائها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية